كنت مدرسًا — برغمي!

أو قل إني أردت شيئًا، وأراد الله بخلافه. ولذلك قصة طويلة أوجزها في سطور، فأقول إن هواي كان أن أدرس الطب، فقدمت إلى مدرسته طلب الالتحاق بها، ولكن الدكتور كيتنج «ناظرها» يومئذٍ — لا عفا الله عنه — رمى لي بأوراقي في الشارع! فجمعتها ورجعت بها محزونًا، ورأيت أن أتحول إلى «الحقوق»، وقدمت الطلب، وفي اليوم التالي ضاعفت وزارة المعارف «المصروفات» فجعلتها ثلاثين جنيهًا في العام، وكانت قبل ذلك خمسة عشر؛ فلم يسعني لفقري إلا أن أسترد أوراقي.

وقعدت في البيت مكروبًا، مهمومًا، مغمومًا، لا أدري ماذا أصنع. وكان لي قريب صالح — ابن عم لأمي — فأشار عليَّ بأن أدخل مدرسة المعلمين العليا، وزيَّنها لي بأن مدة التعليم فيها سنتان اثنتان، وأنه فيها بالمجان، وأنها تعطي الطالب كل شهر في السنة الأولى ثلاثة جنيهات، وأربعة في السنة الثانية، وتلك مزايا عظيمة لفقير مثلي.

وكان لقريبي الصالح هذا مدرسة حرة في حي «البغالة» فدعاني إلى التدريس فيها في فترة الصيف لأتدرب، فقلت مغتبطًا وأنا أتوهم أنه يطلب معونتي، وإذا به في آخر الشهر ينقدني مائة وخمسين قرشًا جزاء ما عملت! فخجلت، ولكن الفقر لا يرحم، وكيف يتعفف ويتزهد من لا يستطيع أهله أن يعطوه في اليوم غير نصف قرش؟

ودخلت المدرسة، وكُنَّا فيها سبعة وعشرين طالبًا أنا أصغرهم، وأجهلهم بلا مراء، فأقبلت على الكتب أقرؤها، وشجعني ووجهني الأساتذة، وزميلي الأديب الجليل الأستاذ عبد الرحمن شكري، وأني أجد معي في أول كل شهر مالًا كافيًا لاقتناء الكتب، وكانت يومئذٍ رخيصة. وسافر بعضُنا — بل أكثرنا — في بعثات إلى إنجلترا، وبقيت مع من بقي؛ لأن المرحوم الدكتور طلعت باشا «حكيمباشي» المعارف في ذلك الوقت أبى أن يأذن لي في السفر خوفًا عليَّ، وكانت مدة الدراسة سنتين كما أسلفت، ولكنها زيدت سنة أخرى، فلم يشقَّ هذا عليَّ؛ فإني أقبض أربعة جنيهات كل شهر أدع منها للبيت نصفها، وأمتع نفسي بالنصف الآخر، فأشتري الكتب وأتقمش، وأجالس زملائي في «بار» كملر، حيث نشرب «البيرة» الألمانية النفيسة، ولا يكلفني ذلك غير بضعة قروش. ثم إني كنت صغيرًا، أحلق وجهي — ولا أقول لحيتي — ثلاث مرات في اليوم لينبت الشعر ويغزر، ويكون لي مظهر الرجال! وإلا فأي مدرس يكون هذا الغلام الأمرد، القصير الهزيل الذي لا يمكن أن يملأ العين؟

وتَخَرَّجْنَا في المدرسة، وعينت مدرسًا للترجمة في المدرسة السعيدية الثانوية باثني عشر جنيهًا في الشهر! وتصور هذه الثروة في ذلك الزمان — سنة ١٩٠٩ — بعد طول الفقر والحرمان! لقد بلغ من فرحي بهذه النعمة أني كنت أوثر أن أذهب إلى المدرسة في مركبة خيل! ومع هذا الإسراف الذي يُغرى به حديثو النعمة، وسع أمي — عليها ألف رحمة — أن تدَّخر لي بعد تسعة شهور مهر زوجة!

وكان الطلبة طوالًا، عراضًا، ضخامًا، ذوي شوارب، وأنا قميء ضئيل، أو كما يقول ابن الرومي:

ولكن الناظر الإنجليزي، والوكيل المصري كانا رجلين حازمين … فلما كان أول درس، دخلت «الفصل»، ووقفت وحيَّيت الطلبة بيدي، فوقف بعضهم وظلَّ بعضهم قاعدًا، وأنا صامت أنظر إليهم ولا أقول شيئًا، حتى استحى القاعدون فوقفوا، وما كادوا يفعلون حتى أومأت إليهم أن يقعدوا. وبدأت الدرس بلا تمهيد، وخرجت أحمَد الله لا على التوفيق في تعليمهم، بل على استتباب «الأمن» والنظام، وكان من فضل الله عليَّ، أني لم أحتج قط — في عشرة أعوام — إلى عقاب تلميذ، أو لومه، أو حتى إلى نظرة غضب، وظل ما بيني وبين تلاميذي عامرًا إلى اليوم.

ولم يكن الأمر يخلو مع ذلك من نوادر، فقد كان بعض التلاميذ يحاولون معابثتي، ولكني أنا كنت حديث عهد بالتلمذة، وكنت في الواقع من أشقى «التلاميذ» وأكثرهم عبثًا، في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي؛ ولهذا كان عبثهم لا يجديهم شيئًا معي، ثم إني كنت يومئذٍ شابًّا متمردًا، زاهدًا في الوظيفة الحكومية، راغبًا في نبذها وفي الاشتغال بالصحافة، ولم أكن أعبأ شيئًا بالمفتشين وغيرهم من الرؤساء، وكنت فوق هذا مغرورًا أتوهم أن ثقافتي أوفى من ثقافة هؤلاء الرؤساء، وكان بعضهم — فعلًا — من الجهلاء الأدعياء، ويظهر أن سلوكي كان يُعجب تلاميذي فرضوا عني، كما رضيت عنهم.

دخل عليَّ ذات يوم مفتش، وكان دخوله غلطًا لأني أدرس الترجمة، وهو مختص باللغة العربية، وعَزَّ عليه أن يعترف بهذا الغلط الذي لا قيمة له، فبقي معي يستمع إلى الدرس، وتحامق فتدخل، وكُنَّا نعالج ترجمة جملة ورد فيها لفظ «كَلْمَى» أي مكلومة أو جريحة، فاستأذن في توجيه سؤال إلى التلاميذ، وطلب أن يذكروا له بيتين من «المحفوظات» وردت في أحدهما هذه الكلمة، فذكروا له بيتي المتنبي المشهورين في سيف الدولة:

فسألهم عن عيب في البيتين، فذكروا له النقد المشهور وهو أن الشطرين الأخيرين يمكن إحلال أحدهما محل الآخر. فقال: «كلا! إنما أراد الشاعر أن يقول إن الموت خائف منك، فقال إنه نائم عليك.» ثم التفت إليَّ وسألني: «أليس كذلك يا أستاذ؟»

وكان صدري قد ضاق، فصحت بصوت عالٍ: «كلا!» فإنه أولًا لا يجوز لك أن تحكم على نية شاعر مات منذ ألف سنة، ثم إن القول بأن الموت يخاف، سخافة مطبقة، فقال الرجل: «لكلٍّ رأيه» وخرج!

وقد استقلت من وزارة المعارف بعد خمس سنوات، وزاولت التعليم بالمدارس الحرة، وتوليت إدارة مدرسة ثانوية، فألغيتُ العقوبات، وكانت المدرسة «تحت تفتيش» الوزارة، فقامت القيامة: هي — أي الوزارة — تقول كيف تلغي العقوبات؟ وأنا أقول إني لا أفهم كيف أعاقب تلميذًا جاءني ليتعلم، والتعليم لا يكون بالعقاب، بل بالإفهام والإرشاد بالحسنى، وهذه تجربتي أمامكم، وهي ناجحة، فلماذا تعترضون؟ فيقولون «الأصول» وقانون نظام المدارس … إلخ إلخ. فأقول: إن هذا أسلوب غير صالح، وأنا لا أوافق عليه.

وقد ظل الخلاف قائمًا إلى أن قامت الثورة المصرية، فتركت التعليم إلى الصحافة، ولا أدري أيهما خير، ولكني غير آسف أو نادم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.