في مجال الذكريات متسع رحيب لصاحب هذه الذكرى التي نحتفل بها اليوم. وقد يغني السبب الواحد لإحياء ذكرى الشاعر العربي، وتغني المناسبة الواحدة للعودة إليه.

ولكن صاحب الذكرى — خليل مطران — غني بالأسباب التي تحيي ذكراه مع الذكريات العربية، من قديمها العريق إلى حديثها المتجدد، ومن تواريخها الحاسمة في عصورها الأولى، إلى تواريخها الحاسمة في العصر الذي نحن فيه.

قديمه في العروبة متصل بتاريخ سيل العرم يوم جلا الأسلاف من بلاد العرب العاربة إلى بلادهم المستعربة في الجزيرة وما حولها، فخرجت قبائل الأزد إلى حيث استقر بها القرار في الحجاز أو تهامة أو عمان أو العراق. واستقر أجداده في بادية الشام، ولم تبرح لهم بقية فيها إلى اليوم.

ومهما يكن من إسناد النسب المتفرق بين الأسر؛ فالأمر الذي لا ريب فيه أن البادية التي نشأ فيها الخليل قد تكلَّمت العربية كما تكلمت بها سلالة العرب منذ أقدم العصور، تكلَّموا بها يوم كان اسم بلده بعلبك «بعل البقاع» … ويوم كان اسمها قبل ذلك «بعل بقعوب»، ويوم كانت مدينة بعل الأخرى في أطراف الباقع تسمى مدينة التمر «تمر» أو «تدمر»، ويعرفها الرومان بهذا الاسم؛ فهي عندهم مترجمة إلى «بالمير» Plamyra أي بلد النخيل.

لا جرم كانت العربية لغة الأمة ولغة الأم في تلك البقاع، ولا عجب أن نعلم أن الخليل سمع الشعر من نظم أمه ومن نظم جدته، وسمعه من حوله في رواية الألسنة، قبل أن سمعه من رواية الكتاب.

ملك ذكراه العريقة في أوانها الذي لا ينقضي مع الزمن، ولكنه أحق ما يكون بالذكرى يوم يتلاقى التاريخ والحياة، ويوم يجتمع ما تفرق به سيل العرم، فإذا به سيل دافق من موج متلاحق، تغيب الموجة منه في أطواء الموجة، ولكن السيل اللجيَّ حاضر لا يَغِيب.

أما الجديد من ذكريات الخليل فهو تاريخ سد كسد «مأرب» لولا أنه سد يصدعه العرب بأيديهم ليخرجوا من ورائه إلى فضاء الحرية وينطلقوا من حجاب الظلمة إلى النور.

تاريخه هو تاريخ الوثبة العربية بين الأسر والاستقلال، يكاد مولد الخليل ومولد النهضة يتقابلان، فقد ولد في فترة الإحياء التي انبعث فيها طلاب الحياة للغة العربية في كل صوب، وفتح عينيه ومِن حولِه أناسٌ يريدون لها الحياة لكل سبب يخطر على البال.

كان يغار عليها من يغار على قومه ولسانه، وكان يدرسها من يستغربها من غير أهلها لينفذ إلى المجهول من أسرارهم وأسرارها، وكان كل من يناهض الدولة التركية يريد النهوض باللغة العربية؛ إما لأنه عربي يطلب الكرامة لقومه، وإما لأنه ينصر العرب لأنه يخذل الدولة التي تحكمهم، وإما لأنه يبحث عن التاريخ ولا يعنيه ذووه.

ويشاء القدر أن يتفق على خدمة اللغة العربية — يومئذٍ — من لا يعرفون بينهم شيئًا يتفقون عليه: شرقيون، ومستشرقون، ومستعمرون، وأعداء ألداء للاستعمار، ونيات شتى، وأعمال تحمد مغبتها وإن لم يحمد كل ما تطويه نياتها.

بدأت هذه الحملة الشعواء حوالي مولد الخليل في السنة السبعين، وبلغ الخليل أشده عند أوائل القرن العشرين، وهذه هي الفترة التي تبين فيها الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وكان فيها عمل الرواد ألزم ما يكون.

نعم. كانت نشأة الخليل أحوج فترة إلى الرواد والأدلاء، وكانت السنوات في صباه الباكر إلى أن جاوز الأربعين مرحلةَ الاستطلاع والتطلع في سبيل النهضة والتقدم، وفي سبيل المعرفة والثقافة على التعميم.

كانت محاسن الأدب العربي — فضلًا عن الآداب الغربية — سرًّا مجهولًا لا يعرفه غير العلماء والمتعلمين السابقين، ويعرفه معهم أصحاب الملكات والأذواق ممن أضافوا نعمة الفضل الموهوب إلى نعمة الفضل المكسوب، وكان الظلام تتلألأ فيه المصابيح هنا وهناك بين قمة وقمة، وبين حين وحين.

فلم تكن فترة من فترات النهضة أحوج إلى الأدلَّاء والهداة من هذه الفترة بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. ثم تفتَّحت أبواب المطابع والمدارس عن ذخائر شتى من الأدب العربي القديم، وعن ذخائر أخرى من الآداب الغربية على اختلاف اللغات، ولا سيما اللغتين الفرنسية والإنجليزية، فانتهت مرحلة من النهضة، واتصلت بها على الأثر مرحلة أخرى، ولم تنتهِ الحاجة إلى الأدلاء والرواد في هذه المرحلة الجديدة، وإنما اختلف العمل المطلوب واختلفت الريادة في هذه المرحلة وما قبلها.

وخلاصة الاختلاف بينهما أنه كان كالاختلاف بين العمل على أضواء المصابيح وبين العمل في باكورة النهار، أو كان كالاختلاف بين الإنسان على أثر اليقظة وعمله بعد المسير على نهج الطريق.

ولم تكن حصة الخليل في عهد اليقظة حصة المتيقِّظ المستفيد وكفى، بل كان له فيها عمل الموقظ المفيد بين أبناء جيله وبين الكثيرين من أبناء الجيل الذي تلاه، وبخاصة من كان منهم بحاجة إلى الإلمام بالجيد المختار من الأدبين: أدب العرب، وأدب الأوروبيين في العصر الحديث.

صفوة القول في بيان فضله على نهضة التجديد أنه كان منذ نشأته الأولى هاديًا بصيرًا إلى موضوعات الشعر التي يَحسن بالشاعر العصري أن يَنْظِم فيها؛ فنَظَم في وصف الطبيعة كما نظم في وصف المجتمع، ونظم في التعبير عن العاطفة كما نظم في التعبير عن الحياة العامة، ونظم في القصة التاريخية كما نظم في القصة الاجتماعية، ونظم للفرد من أصحابه كما نظم للأسرة من أصحابه وأصحاب ذويه، وكان مطبوعًا ملهمًا في جملة هذه الأغراض، ولا استثناء منها للغرض الأخير، وإن حسبه بعض النقاد في جملة الاستثناء الذي يحتاج إلى المعاذير.

ونحب أن نؤكد هذا الرأي فيما يقال عن قصائد الخليل التي نظمها في التهنئة والعزاء، وفي التحية والمجاملة، فإنها لم تكن شذوذًا عن القاعدة المأثورة فيما يحسن بالشاعر العصري أن ينظم فيه؛ لأنها كانت على الأغلب الأعم من وحي طبيعته، ولم تكن من وحي التكلُّف والتقليد.

لقد كانت حياة الأسرة شيئًا مهمًّا في حياة الخليل منذ طفولته الأولى، وكانت علاقته حيث أقام علاقات بالأسر والبيوت قبل أن تتعلَّق بهذا السيد أو بتلك السيدة، وكان الرجل في تربيته وفطرته مجامِلًا مطبوعًا على المجاملة، فكان وجه الغرابة أن يخلو ديوانه من التهنئة والتعزية ومن التحية والعتاب، ولم يكن الغريب أن يُلِمَّ على قلة أو على كثرة بتلك الأغراض في كل ديوان.

ذلك مأخذ — على غير وجه — من المآخذ التي حَسِبَهَا بعض النقاد على الخليل. وإنه ليذكر على سبيل الاستطراد بمأخذ آخر يجور فيه النقاد بعض الجور، ومن الحق أن نثوب به إلى قسطه من الاعتدال.

يؤخذ على الخليل شيء من الضعف أو من فرط التصرف في العبارة، ويسميها المنفلوطي — رحمه الله — «عجمة كفحمة المنجم، تتخلله جواهر الماس النفيس» ولم يخطئ المنفلوطي كل الخطأ، ولكنه على ما نرى لم يصب كل الصواب.

فمن الحقائق التي تثبت اليوم بالمراجعة والاستقراء أن الخليل من أصح شعراء عصره لغة، وأشدهم رعاية لقواعد المفردات والتراكيب، وأن الأخطاء اللغوية أندر في ديوانه من أكثر الدواوين، ولا غرابة في ذلك ممن تعلم العربية على أبناء اليازجي، وعاصر المتقدمين بين زمرة المحررين المتحررين.

أما الأسلوب فلا نكران أنه كان يقع في الأسماع موقع الغرابة، وقد يقع فيها أحيانًا موقع النفور، ولكننا نسأل: أكان في وسعه أن يأتي بالمعنى الجديد في أسلوب مطروق مأنوس؟ أكان في وسعه أن يسير في الطريق لأول مرة، كأنه يسير فيه معبَّدًا مطروقًا منذ أعوام؟

ونقول: كلا، لم يكن ذلك في وسعه، وإن كان في وسعه أن يجعل مواقع خطواته سكة ممهَّدة لمن يسلكها بعده، وهو ما لم يوفق له في كل ما قال.

على أنه قد تفرَّد في خصلة من الريادة حيث تكررت الخصال وتعدَّد الرواد، وتلك هي الخصلة التي فسحت له البحبوحة في مجال الذكريات، وأقامت له هذه الذكرى بعد عشر سنين من مغيبه عن الدنيا، وسوف تقيمها بعد عشرات ومئات.

تلك هي الصلة التي امتد بها الزمن من سد مأرب إلى سد الأسر والجمود، تلك هي الصلة التي تتخطى حدود التاريخ والجغرافية، وتجمع في أواصر العروبة بين العقائد والأنساب.

كان شاعر الأقطار العربية قبل أن تتحطم بينها أسوار السدود والقيود. وكان مطران الأدب الذي يترنَّم برسالته من يتلو أصاحح الإنجيل، ومن يرتل آي القرآن.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.