الحكومة عندنا قوة مركزية شمولية، تُظِلُّ الوطَنَ من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه، وهي بحكم نظامها القائم تهيمن على الاقتصاد كما تهيمن على السياسة والحياة اليومية، بِيَدِها أجهزة الرقابة من كل نوع، وبِيَدِها قوة التنفيذ غير المحدودة؛ لذلك فإن مسئوليتها شاملة، ويجب أن تتعادل مع قوتها؛ ولذلك أيضًا يُعْذَر الناس — إذا ادْلَهَم أَمْرٌ أو استفحل انحراف — إن تساءلوا: أين الحكومة؟!

أجل، إن أنواعًا كثيرة من الانحرافات لا يمكن السيطرة عليها كاملة؛ فالفسق والرشوة والاختلاس لا يمكن حصارها بإحكام يمنعها دائمًا قبل وقوعها، وإن أمكن أن تؤدي اليقظة والمتابعة إلى ضبطها وحصرها في أضيق الحدود، كذلك العنف والاعتداء والخطف والنشل، كل أولئك انحرافات يمكن مطاردتها ومعالجتها ولا يمكن محقها بضربة واحدة، خاصة في هذا الزمن العسير المضغوط بشتى العلل.

غير أن كل انحراف يَهُون نوعًا ما بالقياس إلى ظاهرة خطيرة كَثُرَ الكلام حولها هذه الأيام؛ ظاهرة أصحاب الملايين الذين أَفْرَخَهم مجتمعُنا. المفترض أنه يتجه نحو الاشتراكية، أو قُل: العدالة الاجتماعية، ولا يجوز أن نشك في حقيقة هذه الظاهرة لسبب بسيط، وهو أنها تناهَتْ إلينا على ألسنة رجال من المسئولين لا يجوز الشك في حسن نواياهم، ولا في وزنهم وتدبرهم لما يخاطبون به الناس، ولنَدَعْ جانبًا ما يُذاع على ألسنة الناس في الشوارع. وخطورة هذه الظاهرة تتجاوز المجال الفردي لتمارس أثرها الأسود في مصائر الناس، ومعاناة الجماهير، وسمعة الوطن والدولة.

ويقول البعض: لعل هذه الملايين ثمرة عمل مشروع وكسب حلال، لا خروج به على قانون، ولا استغلال فيه لجماهير الشعب الكادحة. وإني أتساءل: أي عمل مشروع هذا الذي يجمع الملايين في فترة قصيرة من الزمن؟! … ولو كان العمل مشروعًا والرزق حلالًا، فهل أدَّى ما عليه من حق الدول والناس في الضرائب؟ … وهل إذا كان قد فعل، فهل يمكن أن تتراكم ملايين في ظل قانون الضرائب القائم؟!

وإذن؛ فمما لا شك فيه أن هذه الثروات الخيالية قد تكوَّنَتْ من وراء القانون والشرعية والحلال، وأنها تصبح مفهومة في دنيا العمولات والتهريب والاحتكارات الخفية وغيرها.

وسؤال آخر يحيرني: هل الذين كشفوا الظاهرة قد وصلوا إليها بالاستنتاج والتخيل من خلال أفكار مجردة وظاهرات روحية؟ أو من واقع أمثلة حية وشواهد قائمة؟ وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا لم يُفْضُوا بما لديهم إلى الجهات المختصة ولو سرًّا في حالة عدم استيفاء الأدلة؛ لِيُولوا الموضوع ما يستحقه من تحريات وبحوث حتى تنال أيديهم المنحرفين؟

وسؤال آخر: ما دام الأمر انكشف للبعض، فكيف لم تكشفه بنفسها قبل ذلك — أو حتى بعد ذلك — الجهاتُ المختصة بالرقابة والمتابعة؟!

المسألة ليست ثانوية ولا مما يقنع الإنسان فيها بالأسف والحزن؛ فالنهب على هذا النحو لا يجوز بحال في دولة تعاني ما تعانيه دولتنا من اختلال الميزان وسوء الحال، وهو جريمة شنعاء في حق الجماهير التي تشقى في سبيل لقمة العيش، وتعاني ليلها ونهارها سوء التغذية وكثرة الأمراض ونقص الخدمات.

ولعل حاجتنا إلى الأحزاب أو المنابر أقل — في هذه اللحظة على الأقل — من حاجتنا إلى أمناء الشرطة والمخبرين والسجون والمشانق.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.