قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها؛ لأنه عندنا وعند غيرنا من الناس أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أنْ يحتاج إلى الأوليات، ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إنْ كان قُرب عهْده بمصر لم يُمكِّنه من فهم حقائق الأشياء فيها — كما فهم حقائق الأشياء في الصين — ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده، ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أنْ يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سببًا للجاه، وطريقًا إلى السلطان، وأسلوبًا من أساليب الدعاية لغاية من هذه الغايات التي تظهر حينًا، وتستخفي أحيانًا.

وهي أنَّ حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان، وحملها على الهتاف والتصفيق، ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير، والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان، كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أنْ يكون لونًا من ألوان الهزل، وفنًّا من فنون السخرية، بعد أنْ يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضربًا من ضروب العنف، وأسلوبًا من أساليب السخرة والإكراه.

وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أنْ يلائم الرجل الكريم، وما ينبغي له من الشعور بكرامته، والرضى باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة أو مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئًا من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه، وهو في آخر الأمر لهو وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئًا، وإنما يزيدهم حقدًا إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظًا إلى غيظ.

يضيق الناس أشد الضيق بالعمد وبرجال الإدارة وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين؛ لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أنْ يفروا منه فرارًا، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلًا من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون، فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين، ويصفقون محزونين، ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضى، والسخط يأكل قلوبهم أكلًا، حتى إذا انتهت هذه المسألة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين مما رأوا ومما سمعوا، ومما أتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب، وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح، فلا تبقى له باقية، وإنما هو كلام يقال ثم لا يلبث أنْ يُنسى.

وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أنْ تظفر بالتأييد الخالص، وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم، أن تخدع نفسها أولًا، فتخيل إلى نفسها أنَّ الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضى الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلًا لأن تحكم الناس، وتقضي في أمر الجمهور، وهي قد تصل أحيانًا إلى أنْ تخدع نفسها حقًّا — وهذا نادر جدًّا — حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم.

وقد تعجز عن أنْ تخدع نفسها، فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأولياءها من الإنجليز، حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها، وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفًا وسخرة وإكراهًا، وأنه قد كان لهوًا ولعبًا وفكاهة ومزاحًا.

ولعل أصدق الأمثلة لهذه المسألة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا، الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين، ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أنَّ الناس راضون عنه، محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار، حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئًا، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء، والإنجليز يظهرون تصديقه، ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضى المصريين عنه، ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه، حتى إذا دارت الدائرة وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن أنه لم يكن ظافرًا برضى ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمنًا بأن أحدًا يرضى عنه أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أنَّ الإنجليز أنفسهم أبوا أنْ يفاوضوه؛ لأنهم كانوا يعلمون أنَّ الشعب لا يؤيده ولا يميل إليه.

هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعًا، ويتحدث بها الناس جميعًا، ونحن نحرص أشد الحرص على أنْ يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين السامين أيضًا؛ فقد كان لورد كرومر يظن — وكان الإنجليز يظنون معه — أنَّ أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه ويثقون به ويطمئنون إليه، فلما هوى ظهر له وللإنجليز أنَّ أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.

وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر، وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه، فإذا حياة الفلاحين والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحدًا من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أنْ يجمع له المصريين، وأن يُسمعه هتافهم وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم وثقتهم، فالخير للمندوب السامي أنْ يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين؛ فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف، حتى يحلَّ ما بين مصر وإنجلترا من خلاف، ولن يثق الشعب المصري بوزير، ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن، ومهما تكن الظروف، حتى يطمئن الشعب المصري إلى أنَّ هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب، وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أنْ يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع.

والخير كل الخير، والراحة كل الراحة، والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي وكرامة بريطانيا العظمى ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع، حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحرارًا في بلادهم حقًّا، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين، لا خائفين ولا عابثين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.