كتب إليَّ بعضهم — أو حدثني فقد نسيت على قرب العهد — أنه سمع في الطريق ناسًا يصيحون: «حرامي! حرامي!» وبعد خطوات رأى رجلًا عالي السن يمشي الهوينى، وبعضهم مُمْسِكٌ به، ومن حولهما خلق كثير، ثم أقبل شرطي، فرفع يده ولطم الرجل لطمةً قال مُحدِّثي إنه أحس أنها أطارت أسنانه. وجارى الناس الشرطي فانهالوا على «الحرامي» لطمًا وصفعًا وركلًا، ويسألني: إذا كان هذا الرجل مذنبًا فإنه سيلقى جزاءه الذي قضى به القانون، فلماذا هذه المهانة وذلك الإيجاع؟

وأظن أن هذه قصة ليس فيها جديد؛ فإنَّا نرى نظائر لها كل يوم، وقد يكون لهذا الشرطي بعض العذر، وهو أنه أولًا شبه أمي، لم يُثَقِّفْهُ أحدٌ لا في البيت ولا في المدرَسة ولا في حيث يعمل، أو كان يعمل قبل أن يصبح شرطيًّا، وأنه وجد هذا الرجل مقبوضًا عليه في «حالة تلبس» — إذا كان هذا هو التعبير القانوني — وأنه أخيرًا سيتعبه ويُحوجه إلى الذهاب إلى «القسم» والإدلاء بأقواله في التحقيق إلى آخر ذلك، وهذا عناءٌ، أيسر منه وأخف أن يتمشى ويتفرج على خلق الله في المنطقة التي وُكِّلَ إليه أن يحرسها ويراقبها.

على أني أرى هذا هينًا بالقياس إلى غيره ممَّا رأيته بعيني رأسي؛ فقد زرت مرة مركزًا اجتماعيًّا — أو لا أدري ماذا يسمونه — في بعض الريف، وهذه المراكز مجعولة للإرشاد والتوجيه وترقية الأحوال من وجوهها المختلفة، ومع ذلك رأيت الناس يُضربون ويُشتمون ويُهانون! حتى لقد كرهت البقاء، فانصرفت يائسًا من أي جدوى لمثل هذه المنشأة.

ودخل عليَّ ذات يوم ولد لي، وكان طفلًا صغيرًا يلبس «بنطلونًا» قصيرًا، وإحدى ساقيه تدمى، والدم يسيل من جرح تحت الركبة إلى الحذاء، فتعجبت وسألته عن الخبر، فقال: «نسيت كراسة، فضربني المدرس برجله — أي بحذائه — فكان ما ترى.» فطهرت الجرح على قدر ما أستطيع، وقصدت بالولد إلى طبيب؛ اتقاء لعواقب هذه الركلة بحذاء قذر.

وكتبت إلى المدرَسة أُعرب عن دهشتي وتعجبي، وأقول إني معلم قديم لم أحتج أن أعاقِب تلميذًا — ولا بنظرة — في عشر سنوات، وأن التربية لا تكون بالضرب، فما ظنك بالركل بالحذاء، وأن أطفال أُمَّةٍ يُرْكَلُون بالأرجل وهم يتعلمون وينشأون، لا خير فيهم لهذه الأمة، لأنهم سيكونون «جيلًا من العبيد الأرقاء».

وقد تلقيت اعتذارًا واستغفارًا، وكان ناظر المدرسة رجلًا طيبًا كريمًا، وأراد أن يُجري تحقيقًا مع المدرس، فأبيت هذا، وجاء المدرس إليَّ يعتذر، وبالغ في الاعتذار حتى لقد خَجِلت — لا منه بل له — بل لأن للمعلم كرامة، دونها كل كرامة، وقد كان المسيح عليه السلام يُسَمَّى «المعلم» وكذلك الفلاسفة الكبار القدامى، غير أن الذي زاد عجبي وسخطي أن حضرة الأستاذ حدثني أن معلمه في صغره ضربه فأحدث له «عاهة مستديمة» في إصبع! ومع ذلك يضرب التلاميذ ويركلهم بالحذاء!

رويت هذا كله لأقول إن هذا بعض ما أورثنا الاستبداد الطويل القديم، فنحن أحرار بحكم القانون ومتساوون في الحقوق والواجبات بحكم الدستور والقانون، ولكن أثر الاستبداد القديم الذي ظل قرونًا مديدة لم يزل، فالموظف يعد نفسه حاكمًا، وللحاكم أن يفعل ما يشاء، وغير الموظف «رعية»، وعلى الرعية الطاعة ولو ظُلِمَتْ. حتى أعمال البر والخير لا تخلو من معاملة الذين هم موضع البر والإحسان، بالقسوة والعنف والغلظة، أو على الأقل جدًّا بقلة الترفق، حتى المستشفيات تُساء فيها معاملة المرضى — ولا سيما المستشفيات الحكومية — لأنَّ عمالها في طبقة «الحكام».

هذه العقلية تتغير، ولا يمكن أن تتغير إلا بوسيلتين: الأولى التعليم الصالح، وهو ليس مجرد تحفيظ مبادئ العلوم المختلفة، بل هو قبل كل شيء توجيه وتهذيب. والثانية التربية الاستقلالية وقوامها فهم الطفل واحترامه، وتعويده الشعور بكرامته — كرامته الشخصية، وكرامته العائلية، وكرامته الاجتماعية، وكرامته القومية، وكرامته الإنسانية — ومعرفة حقوقه والحرص عليها، واحترام واجباته ومسئولياته الخاصة والعامة.

وأعترف — وأنا أتأمل أحوالنا كلها — أني أكاد أيأس من صلاح الحال، ولكنِّي تعودت الكفاح، فأنا أدفع اليأس بالتشبث بالأمل ولو كان خيطًا ضئيلًا.

ألا مَنْ لهذه الأمة المسكينة التي تحمل عبئًا ثقيلًا من عشرات القرون!! ربُّنا قادر أن يهيئ لها من يطرح عنها هذا الذي أورثتها قرونُ الاستبداد والاستعباد، أليس الله قادرًا على كل شيء؟ أليس معدن الأمة سليمًا؟ إذن فلا يأس؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.