كيف نحكم على الحضارات المختلفة ونقارن بينها؟

لعلنا نَجِدُ الجواب العلمي على ذلك في متابعة إنجازاتها الروحية والمادية، ما استُخدِم منها في زمانه ثم اندثر، وما بقي على تقلب الزمان كما كان، وما انتقل إلى حضارات أخرى فتطور واستمر في أشكال جديدة. بهذا المنهج تقوم الحضارات من خلال التاريخ، فتثير ما تثير من تقدير وإعجاب ونقد. ولعل الجانب المادي يحظى باهتمام خاص، لا لأنه أجلُّ الثمرات حتمًا، ولكن لشدة تأثيره من ناحية وسرعة الاستجابة إليه من ناحية أخرى، فضلًا عن قابلية الناس للتعامل معه والانتفاع به. من أجل ذلك لم يبعث نتاج حضاري ما تبعثه الصناعة الحديثة والتكنولوجيا من دهشة وإكبار مقرونين بالإعجاب غير المحدود.

وعندي أنه يوجد وجه آخر للمقارنة بين الحضارات يتمثَّل في «الفرد» العادي من المجموعة البشرية المنتمية إليها، في الإنسان الذي تتجسَّد فيه حضارة ما بكلِّ محاسنها ومساوئها، وهو في النهاية أصدق شاهد عليها. إنه شاهد عليها بما يحمل من رؤية عن الكون والحياة والناس، شاهدٌ عليها بما يتمتع به من صحة جسدية وعقلية ونفسية، شاهدٌ عليها بما ينبض به قلبه من سعادة أو تعاسة، وبما يملك من طاقات إبداعية وأخلاقية، وأخيرًا وليس آخرًا بما لديه من استعداد لحب الآخرين واحترامهم وحسن معاشرتهم، وإن اختلفوا معه في اللون أو اللسان أو العقيدة أو فيها جميعًا. ولا تعجب من حكمي هذا؛ فقد وُجِدَتْ الحضارة من أجل الإنسان، ولم يوجد الإنسان من أجل الحضارة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.