كان مما يضحك حقًّا موقف ذلك النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية منذ أسابيع حين طالب رئيس الوزراء مسيو منديس فرانس بالاحتجاج على الحكومة المصرية؛ لأن إذاعتنا تؤيد المجاهدين في سبيل الاستقلال من التونسيين والمراكشيين، وحين طالب بإنذار مصر بأنها إذا لم تكُف عن هذه الإذاعة فسينشأ في الإذاعة الفرنسية قسم خاص، يُسمى قسم مصر الحرة ويقاوم حكومة الثورة في مصر.

كان مضحكًا حقًّا موقف ذلك النائب؛ لأنه إن دل على شيء فإنما يدل على سذاجة تشبه سذاجة الأطفال، أو يصور غضبًا يُخرج الناس عن أطوارهم ويُطلق ألسنتهم بالسخيف من القول ويردهم أطفالًا، وإن كانوا شيوخًا أو كهولًا، فلسنا نعرف نحن وليس الفرنسيون أنفسهم يعرفون أن شيئًا خارج مصر يمكن أن يُسمى مصر الحرة؛ وإنما الشيء الذي نعرفه نحن ويعرفه الفرنسيون وغيرهم من شعوب الأرض، أن مصر الحرة إنما توجد في وطنها المقسوم لها وداخل حدودها الطبيعية وهى حرة بطبعها؛ لأنها قاومت الطغيان الملكي الداخلي حتى ظفرت به وانتصرت عليه وقاومت الاحتلال الأجنبي حتى مهَّدت لخروج جنوده من مصر في أقرب وقت ممكن.

فمصر الحرة تلك التي أراد ذلك النائب أن يدعو لها في الإذاعة المصرية وأن يغيظ بها حكومة الثورة، لا توجد إلا في خياله وفي خيال رئيس الوزراء منديس فرانس الذي استجاب له فيما يظهر.

كان ذلك الكلام مضحكًا، ولكنه كان محزنًا أيضًا؛ لأنه يثير في النفوس ذكريات قريبة العهد جدًّا لم ينسها الفرنسيون وإن نسيها المصريون؛ لأن المصريين يحسنون وينسون إحسانهم، يصدرون في هذا الإحسان عن طبيعتهم الكريمة الخيرة، ويعلمون أنهم يؤدون به واجبًا إنسانيًّا، وهم من أجل ذلك لا يعتمدون به على أحد ولا ينتظرون عليه من أحد جزاءً ولا شكورًا.

فقد كان يوجد منذ عهد قريب جدًّا شيء يُقال له فرنسا الحرة، وكانت مصر في مقدمة البلاد التي آوت فرنسا الحرة تلك، ومنحتها من العون والتأييد ومن العناية والرعاية ما مكَّن لها في الأرض، وأتاح لها أن تكون حقيقة واقعة بعد أن كانت كلامًا يُقال.

في ذلك الوقت كان الجيش الفرنسي منهارًا أمام الجيش الألماني، وكان الوطن الفرنسي محتلًّا، تفعل به جنود هتلر أشنع الأفاعيل، وكان الشعب الفرنسي منقسمًا قسمين؛ أحدهما مشرَّد في أقطار الأرض يرفض الهزيمة ويأبى الإذعان، والآخر مستقر في أرض الوطن مستسلم للأقدار، يُضمر فريق منه البغض للمحتلين ويتهيأ للمقاومة، ويُظهر فريق منه حب المحتلين ومسالمتهم وتمكينهم من التنكيل بالأحرار من الفرنسيين.

في ذلك الوقت كانت مصر تأوي فريقًا من الفرنسيين المدنيين المستقرين فيها واللاجئين إليها، وفريقًا آخر من الفرنسيين العسكريين الفارين إليها من جيش فرنسا في سوريا ولبنان. وفي ذلك الوقت كانت مصر تشمل هؤلاء الفرنسيين جميعًا بحبها لهم وعطفها عليهم، وتيسير العسير من أمرهم، وتُسخر إذاعتها لرفع صوتهم الخافت الضئيل ونشره في أقطار الأرض. والفرنسيون لا ينسون من غير شك أن أول تنظيم لجيشهم المقاوم إنما كان في أرضها حين ألفت قلوبهم المنهزمة أول فرقة شاركت الحلفاء في حرب ألمانيا وإيطاليا.

في ذلك الوقت كانت حكومة مصر كريمة لا تبخل بالمعونة على شعب كريم أصابته المحنة وعبثت به الخطوب، وكان شعب مصر كريمًا يجود بالمال والجهد وبالحب والعطف لشعب صديق؛ ألمَّت به الكارثة واضطرته إلى أن يطلب معونة الأصدقاء. في ذلك الوقت لم تبخل مصر على صديقتها فرنسا البائسة بمال بذلته سخية به، ولا بجهد أنفقته غير مترددة في إنفاقه، وفي ذلك الوقت أقبل رئيس فرنسا الحرة الجنرال دي جول فتلقته مصر حفية به، مكرمة له، وأتاحت له أن يتحدث إلى مواطنيه من الإذاعة المصرية يدعوهم إلى المقاومة ويحرضهم على أن يثوروا بالمحتلين.

كان هذا كله أثناء الحرب العالمية الثانية حين خفَت صوت فرنسا وحين سخَّرت إذاعتها لخدمة المحتلين، وحين كان صوت فرنسا الحرة يرتفع من مدينتين اثنتين إحداهما لندرة والأخرى القاهرة.

كانت فرنسا الحرة حقيقة واقعة أتيح لها بفضل المعونة التي شاركت مصر فيها أن تنظم المقاومة وأن تصبح شيئًا مذكورًا بعد أن لم تكن شيئًا ذا بال، وأن تشارك في النصر بعد أن انفردت فرنسا بالهزيمة في أول الحرب، وكان طبيعيًّا أن تنسى مصر ما قدَّمت من خير وما أسدت من جميل؛ لأن مصر لا تبيع المعروف ولا تأخذ له ثمنًا، وكان طبيعيًّا أيضًا أن تذكر فرنسا هذا المعروف ولا تنساه ولا تجزي مصر به عقوقًا وجحودًا ونكرانًا.

والشيء الذي أحققه ولا أشك فيه، هو أن الشعب الفرنسي يذكر لمصر هذا المعروف ويحفظ لها هذا الجميل، ويُقدِّر ما قدمت إليه من يد أثناء المحنة، ولكن الشعب الفرنسي شيء، والحكومات الفرنسية على اختلافها شيء آخر.

وقد لاحظت منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها أن في فرنسا ظاهرة خطيرة، هي إخلال التوازن فيها بين الشعب والدولة؛ فالشعب الفرنسي لا يكاد يعرف الدولة الفرنسية والحكومة، لا يكاد يؤمن لهما، وإنما هو يحيى حياته مستسلمًا للظروف التي تحيط به غير حافل بالحكومة ولا آبه للبرلمان، يرى أن شعبًا مثله لا بد من أن يكون له برلمان فينتخب النواب والشيوخ حين يدعو إلى انتخابهم، ولا بد من أن تكون له حكومة فيعرف الحكومة حين تؤلَّف له. ولكنه يمضي بعد ذلك في سبيله غير حافل بالنواب والشيوخ الذين انتخبهم، ولا آبه للوزراء الذين يديرون أموره العامة. وهو يخضع لسلطان الدولة كارهًا لهذا الخضوع، ولو استطاع لأعلن الثورة والعصيان، فمن الظلم للشعب الفرنسي أن تحمل عليه كثرة الآثام التي تقترفها حكوماته المختلفة في أقطار الأرض على تباعدها. لقد كان الشعب الفرنسي يكره الحرب في الهند الصينية أشد الكره؛ لأنها كانت تزهق نفوس أبنائه وتسفك دماءهم وتُضيع عليه أمواله في غير نفع، وما زال يقاوم هذه الحرب حتى ظفر بوقفها. وما أشك في أن الشعب الفرنسي يكره السياسة التي تصطنعها حكوماته في شمال أفريقيا؛ لأنها تكلفه أثقالًا لا يحب أن يحتملها، لا أستثني من ذلك إلا المستعمرين الذين يقيمون في شمال أفريقيا، ورجال المال الذين يستغلون أموالهم في استذلال الأفريقيين، وأولئك وهؤلاء قلة ضئيلة بالقياس إلى الشعب الفرنسي المغلوب على أمره.

ولست أقول هذا عن الظن، وإنما أقوله عن العلم اليقين، فاقرأ الصحف الفرنسية إن شئت؛ فسترى صحف المال والاستعمار تؤيد الحكومة في عبثها، وسترى صحف الشعب على اختلاف أحزابه تناهض الحكومة في هذا العبث. وقد خُدع الشعب الفرنسي برئيس وزارته القائم منديس فرنس حين أمره يمضي الهدنة في الهند الصينية ويريد أن يخرج من مشكلات أفريقيا الشمالية، ولكنه لم يلبث أن رأى تسلط المستعمرين والماليين على السياسة الخارجية الفرنسية، فأدركه كثير من خيبة الأمل، وقال القائلون: حكومة كغيرها من الحكومات تخرج من مشكلة لتتورط في مشكلة أخرى.

وقد تحدثتُ في غير هذا المقال بما كان من تفاؤل بعض الصحف الفرنسية حين حلَّت مصر مشكلاتها مع الإنجليز، ومن انتظار هذه الصحف أن يكون ذلك مقدمة لحل المشكلات في تونس ومراكش. ولكن هذا التفاؤل لم يدُم، وإنما مضى مسرعًا وترك مكانه لتشاؤم بغيض؛ لأن المستعمرين ورجال المال والأعمال كانوا أقوى قوة وأعظم نفوذًا من الشعب الفرنسي العامل الكادح، الذي يشقى بالحرب ولا ينعم بالسلم إلا قليلًا.

وفي نفس رئيس الوزارة الفرنسية القائم منديس فرانس عقدة عسيرة الحل؛ فهو إسرائيلي، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يجحد إسرائيل، وهو من أجل ذلك دعا رئيس الجيش الإسرائيلي إلى زيارة فرنسا، وهو من أجل ذلك يدعو رئيس الحكومة الإسرائيلية لزيارة فرنسا فيما يُقال. وللإسرائيليين في فرنسا وفي بيئات المال والأعمال خاصة نفوذ بعيد المدى. ولكن الذي نعلمه أن الشعب الفرنسي شعب مسيحي كاثوليكي، وأن فرنسا ترى نفسها ابنة الكنيسة الكبرى، وأن الشعب الفرنسي يغالب سخطه على النفوذ الإسرائيلي هذا مغالبة شديدة، ويوشك أن يعجز عن هذه المغالبة، وأن كثيرًا من أعلام المسيحيين الفرنسيين من كتابهم وعلمائهم وأساتذتهم ينكرون السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا، ويجاهرون بهذا الإنكار ولا يستخفون به.

ومن أجل ذلك لا أحفل ولا أحب أن يحفل أحد بهذا السخف الذي يتورط فيه رئيس الوزارة الفرنسية حين يبدي ما يبدي من التقرب إلى إسرائيل، فهذا التقرب لا يخيف أحدًا ولا ينبغي أن يثير في نفوس المصريين والعرب عامة إلا الهزء والسخرية. وسياسة فرنسا الخارجية ليست إليها وحدها ولا سيما في الشرق الأدنى، وإنما هي إليها وإلى حلفائها من الإنجليز والأمريكيين.

ولن تستطيع فرنسا أن تعطي إسرائيل من الأسلحة إلا ما يأذن به حلفاؤها، وما ينبغي أن ننسى أن أسلحة فرنسا إنما تأتيها من أمريكا أو تُصنع بالمال الأمريكي في فرنسا نفسها.

فهذا الخداع الذي يعمد إليه رئيس الوزارة الفرنسية لا يخدع أحدًا؛ لأننا نعرف ما تستطيع فرنسا أن تصنع لإسرائيل وما لا تستطيع أن تصنع.

والخير كل الخير للحكومة الفرنسية القائمة أن ترتفع بنفسها عن هذا السخف الذي يُضحك ولا يخيف، فتقربها إلى إسرائيل لا يُقوي إسرائيل؛ لأن فرنسا نفسها محتاجة إلى القوة، وتَقرُّب إسرائيل إلى فرنسا لا يُقوي فرنسا؛ لأن إسرائيل نفسها محتاجة إلى القوة أيضًا، وتَهجُّم الإذاعة الفرنسية على مصر لا يخيف مصر؛ لأن فرنسا لن تضر مصر شيئًا.

والخير كل الخير أن يثوب رئيس الوزارة الفرنسية إلى نفسه وأن يقدر عاقبة أمره؛ فهو أذكى وأحصف من أن يجهل أن لفرنسا مصالح كثيرة خطيرة في مصر، وأن إصراراه على سياسته هذه الحمقاء قد يُعرِّض هذه المصالح الكثيرة الخطيرة لما لا يحب الفرنسيون أن تتعرض له.

لن تكف مصر إذن عن تأييد التونسيين والمراكشيين في مطالبتهم بالاستقلال، بل لن تكف مصر عن تأييد الجزائريين في مطالبتهم بالاستقلال، وإن زعمت فرنسا أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي؛ لأن مصر لا تؤمن بحق الفتح، ولأن أهل الجزائر ليسوا من فرنسا وليست فرنسا منهم في شيء.

ومصر مؤمنة بأن الاستعمار مهما تكن صوره آثم لا يقره إلا الظالمون، وبأنه خزي لا يليق بالحضارة والإنسانية الحديثة، وهي من أجل ذلك ستقاومه وستؤيد مقاوميه في كل مكان، لا يردها عن ذلك شيء، حتى حنين رئيس الوزارة الفرنسية إلى إسرائيل وتقربه من إسرائيل وإطلاقه ألسنة السوء في مصر.

فإن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، والحق منتصر وإن كره المبطلون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.