ثلاثة رجال يفكرون في الموت:

الرجل الذي يقارب عيد ميلاده في مرحلة من مراحل العمر المرسومة، ولا سيما بعد الأربعين.

والرجل الذي يؤمن برسالة له في الحياة، وقد علم أنه أدى هذه الرسالة أو أدى منها المهم، ولم يبق منها إلا القليل الذي يستغنى عن وجوده.

والرجل الذي يتَّصل بعالم الغموض والأسرار، ويقف بقَدَم في عالم الموت وقَدَم في عالم الحياة.

لهذا لا نستغرب ما قرأناه من أن هتلر يفكر اليوم في الموت، ويتوقع اقتراب الأجل، ويقول لمن حوله إن الوقت قصير وإن العَجَلة واجبة، وأنه يشرع في أمور كثيرة، ويستحثُّ أعوانه على السرعة، ولا يطيق الإرجاء والتسويف؛ لأن هتلر كان مشغولًا في الأشهر الأخيرة باقتراب عيده الخمسيني الذي احتفل به الألمان منذ أربعة أيام؛ ولأن هتلر يؤمن برسالة له في الحياة، وهي إحياء الأمة الجرمانية والاستقامة بها على طريق المجد والسيادة، وقد بلغ من ذلك شوطًا هو قصارى ما يتاح للرجل الواحد والفترة الواحدة.

ولأن هتلر من المتَّصلين بعالم الغموض والخفاء: يصوم كما يصوم النساك، ويروِّض نفسه على المشقات، ويتورَّع عن الخمر والتدخين، ويحب الموسيقى الغامضة، ويأوي إلى الوحدة في القمم السحابية الساكنة، ويهيء «الفالكيري» الذي يعكف عليه في ساعات الخلوة ليكون ضريحًا له بعد مماته!

روى الكاتب الصحفي المشهور كارل فون ويجاند — وهو من أعرف الناس بالزعيم الألماني — أنه قال يومًا لسفير فرنسا أندريه فرنسوا بونسيه: «إن النهاية من رسالته في هذه الدنيا تقترب.» وكرر مثل هذا الكلام لأناس من خلصائه الأقربين، وبدت آثار هذا الاعتقاد في هجومه على كثير من الخطط والمغامرات.

وهتلر من المؤمنين أشد الإيمان بهذه الرسالة في الحياة، حتى قيل إنه كان لا يبالي بالحراس قبل بضع سنوات؛ لأنه كان على يقين أنه لن يقتل ولن يُصيبه سلاح القاتلين قبل توطيده الأساس الذي من أجله خلق ومن أجله ترعاه عناية الله!

وقرأنا أخيرًا أنه مثابر فيما بين الساعة الثالثة والرابعة من كل يوم على الكتابة في «إنجيل» جديد يستوفي به ما بدأه في كتاب «جهادي» قبل بضع عشرة سنة؛ أي قبل ظهوره في ميدان الزعامة.

واسم هذا «الإنجيل» الجديد «جهاد ألمانيا»، يتلوه ملحق وجيز باسم «جهاد أوروبا»، فملحق وجيز آخر باسم «الخلاص من طريق الإرادة والتسليم».

ثم تنتهي الرسالة في عالم التأليف حيث انتهت الرسالة في عالم الجهاد.

***

في كم سنة ينتهي الكتاب الجديد بأجزائه الثلاثة؟ أو في كم سنة يرجو الزعيم الألماني أن تتمَّ مهلته من عالم الغيب؟

لقد أتم كتابه في نحو السنتين، وكان يستعين في تأليفه وتحضير أفكاره بثلاثة من أصحابه هم: كارل هانشوفر، ورودلف هيس، وألفريد روزنبرج، وكان يشتغل بالدعوة والتأليف والتنظيم في وقت واحد، فلم يكن الوقت الذي استغرقه في الكتاب أطول من الوقت الذي يخصصه الآن لإنجيله الجديد، وهو ساعة أو فوق الساعة بقليل من كل نهار.

وعلى ذلك يستمهل الزعيم عالم الغيب سنتين لإنجاز هذه الرسالة أو لترجمة ذلك الوحي الذي يستوحيه من عالم الغيب! هذا إذا تساوى حجم الإنجيل الأول والإنجيل الثاني بأجزائه الثلاثة، أما إذا أربى الثاني على الأول، وأضفنا إلى الحساب أن الزعيم ينفرد بالتأليف اليوم ولا يستعين بالرفقاء والأعوان؛ فقد تمتد المهلة إلى سنوات ثلاث، وقد تكفي هذه المهلة لإنجاز البقية الباقية من الحملات السياسية، إن كانت هناك حملات مرهونة بحياة الزعيم دون سواه.

***

ولسنا نحن الذين سمينا كتاب هتلر بالإنجيل، فهذا هو اسمه المأثور بين قرائه من الألمانيين.

وإن قراءته لتُفرَض عليهم كما تفرض الكتب المقدسة على أتباع الأديان؛ فلا بد من نسخة من كتاب «جهادي» في شوار كل عروس، ولا بد من نسخة في مكتب كل موظف، ولا بد من نسخة عند كل طالب في الدراسات العالية، وعند كل سفارة، وكل مركز من المراكز السياسية، أو التجارية، أو الفكرية العامة، ويقدرون طبعاته منذ تمام تأليفه بأكثر من مائتين وثلاثين طبعة في البلاد الألمانية وحدها، ويتراوح عدد النسخ المطبوعة منه بين خمسة ملايين وعشرين مليونًا على اختلاف الإحصاء والتخمين.

أما أرباح هذه الطبعات كلها فحق للمؤلف دون غيره، مزيدًا عليها أرباح الترجمات الفرنسية والإنجليزية واللغات المختلفة … وهي مزية عصرية للإنجيل الحديث على الأناجيل القديمة؛ لأنها أناجيل لم يربح كاتبوها درهمًا واحدًا، ولم يخرجوا منها بغُنْم محسوب غير التعذيب والترهيب.

***

كم ربح هذا الوحي العصري من المال؟!

لقد طبعت في شهر فبراير الماضي طبعة إنجليزية كاملة؛ فقدروا ربح المؤلف منها بألفيْ جنيه إنجليزي قد تصل إلى أربعة آلاف إذا ارتفع عدد المبيع منها إلى مائة ألف نسخة، وهو مرتفع إلى هذا العدد في زمن وجيز.

فكم يبلغ ربح الملايين إذا كان هذا ربح الألوف في طبعة واحدة من ترجمة واحدة؟ وكم يبلغ ربح الملايين إذا كان ثمن النسخة في ألمانيا لا يقل عن اثني عشر شلنًا، ولا يزيد في إنجلترا على تسعة شلنات؟

زعم لأديسلاس فاراجو Ladislas Farago صاحب كتاب «الحبشة في غروبها» أن الفوهرر جمع أرباح النسخ الموزعة خلال سنة ١٩٣٤ مائة ألف وستمائة وأربعين جنيهًا، وجمع منها مائة وأربعين ألفًا خلال سنة ١٩٣٧، وأنه لا يعرف الأرباح السنوية على وجه التحقيق، ولكنه لا يبالغ إذا قدرها بمائة وسبعين ألفًا من الجنيهات الإنجليزية.

وقد روى هذا الكاتب أن الفوهرر يقتني الضياع والمطابع ومكاتب الإعلان وبيوت الأجرة وضروبًا شتى من موارد الأموال.

وروى الكاتب غير ما تقدم أن للفوهرر أموالًا مودعة في المصارف الألمانية، وأموالًا أخرى مودعة في مصارف سويسرية وإنجليزية، وأموالًا شتى موزعة بين المصارف في تسعة أقطار أوروبية بأسماء ثلاثة مستعارة، وأنه على تعدد الأقطار التي تفرقت بينها هذه الودائع لا يوجد من ثروة الزعيم الألماني درهم واحد في المصارف الإيطالية؛ لأن الزعيم الألماني — كما يقول الكاتب — لا يطمئن إلى دوام المحور ولا يخطر بباله أن يلجأ إلى الأرض الإيطالية إذا اضطرته الحوادث إلى مغادرة الحدود الجرمانية.

ونحن على اعتقادنا أن الزعيم الألماني خليق أن يملك المال الكثير من أرباح كتابه، وأن نزوله عن مرتب المنصب معناه أنه يملك ذلك المال الكثير، لا نميل إلى تصديق كل ما قاله الكاتب عن ودائع المصارف الخارجية، ولا نستبعد أن يقع فيه بعض المبالغات والتهويلات، وإن كنا مع هذا وذاك لا نستبعد على من يديرون ثروة الزعيم أن يحسبوا للعواقب على اختلافها كل حساب، ومنها حساب الثورات، وحساب الحروب، وحساب العمر الطويل … إذا خطر «لعالم الغيب» أن يبقى صاحب الإنجيل العصري زمنًا طويلًا بعد إتمام عمله في الحياة، كما يبقى المنزل خاليًا في كثير من الأحيان بعد رحيل الملَّاك والسكان.

***

لقد احتفل الألمان بعيد الميلاد الخمسيني لرسول الدكتاتورية في زماننا الحديث.

فهل لذلك عبرة عند من يتحدَّثون بيننا بالدكتاتورية، ويظنون أن هدم الحرية أو هدم الديمقراطية هو السبيل إلى تسليم الأمة المصرية لمن يسمون أنفسهم بالجيل الجديد أو بالدم الجديد؟

نعم لذلك عبرة أي عبرة لمن يفقهون.

فإذا كان هتلر في الخمسين، وزميله موسوليني في السادسة والخمسين، وتلميذهما فرانكو في السابعة والأربعين، ورابعهم ستالين في الستين، فأين هي الدكتاتورية التي تستغني في جوانب الأرض عن خبرة السنين وعن رءوس الشيوخ والكهول المحنكين؟ وأين هو «الدم الجديد» الذي سيستأثر بالسلطان — في بلاد السلطان — دون «الدم القديم»!

الحق أن الحكومة الصالحة مقياسها شيء واحد، وهو مقدار العناصر التي تعتمد عليها من قوى الأمة في شتى نواحيها.

فالحكومة الأرستقراطية فاسدة؛ لأنها تحصر الأمر كله في أيدي السراة والأغنياء.

والحكومة الشيوعية فاسدة؛ لأنها تحصر الأمر كله في أيدي السفلة والجهلاء.

والحكومة العسكرية فاسدة؛ لأنها تحصر الأمر كله في السلاح والقوة الجسدية.

والحكومة الفلسفية فاسدة؛ لأنها تحصر الأمر كله في التفكير والآراء النظرية.

ولكن الحكومة الصالحة هي الحكومة التي فيها نصيب مقدور لكل عنصر من هذه العناصر، وكل لون من هذه الألوان.

وعلى هذا القياس تفسد الحكومة التي يستأثر بها الشيوخ، وتفسد الحكومة التي يستأثر بها الناشئون، وتصلح الحكومة التي يعمل فيها الشاب عمل الشبان، والكهل عمل الكهول، والشيخ عمل الشيوخ.

والمثل الأعلى لكل حكومة نافعة هو المثل الذي لا يُنسى فيه حق من الحقوق، ولا يهمل فيه صوت من الأصوات.

***

عبرة أخرى من الاحتفال بميلاد ذلك الزعيم.

تلك العبرة هي أنه قد عاش لفكرة، ومهَّد للحكم بكتاب، وأراد أن يجمع عمله ورأيه في ملحق لذلك الكتاب.

فهذا زمان لا حياة فيه لغير الفكرة، وإن خيل إلى العابثين أن الحكم كله للسلاح والإرهاب.

ولو لم يكن هتلر ممثلًا لمعنى من المعاني وداعيًا إلى أمل من الآمال، ومبشرًا بالقلم واللسان، لما عرفت الدنيا هتلر الذي يسوق الجيوش ويقعقع بالسلاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.