أقبل إلى مكتبه صباح يوم من الأيام، وجلس إلى مائدة عمله حيران واجمًا، ثم أخذ قلمًا وعبث به شيئًا من الوقت ثم ألقاه، ونظر أمامه دون أن يرى شيئًا، وفتح أذنيه جميعًا فلم يسمع شيئًا، والتفت عن يمين وشمال واستلقى في كرسيه، ثم انحنى على مائدته، ثم أهوى بيده إلى زر كهربائي فمسه مسًّا كان يريد أن يجعله رفيقًا خفيفًا، ولكن اضطراب نفسه جعله قويًّا عنيفًا، وأقبل الخادم مسرعًا فألقى إليه أسماء في غير ترتيب ولا نظام، ولا لقب ولا شيء آخر، وإنما هي أسماء يجري بها لسانه، فتنفذ في أذن الخادم كما ينفذ السهم، ثم يسكت وينصرف الخادم وفي نفسه شيء غريب يُحدِّثه أن أمرًا ذا بال يملأ قلب الوزير خوفًا، ونفسه فزعًا واضطرابًا، وأغلق الخادم الباب من ورائه.

وظل الوزير حيران واجمًا قلقًا في مكانه، ينفق جهدًا غير قليل ليحتفظ بما يجب للوزراء من مظاهر الهدوء، واستقرار القلوب في الصدور، ويفتح الباب ثم يغلق وقد دخل فلان، وما يكاد يصافح الوزير حتى يفتح الباب ويدخل آخر، وتتصل هذه الحركة: باب يفتح، وشخص يدخل، وثغر يبتسم عن خوف، وثغور تبتسم عن حيرة، وأيدٍ تلتقي، وكراسيٌّ تقرب من المائدة، وأجسامٌ تستوي عليها، ثم تهدأ الحركة وتستقر الغرفة، ويصدر أمر الوزير بأن لا يفتح الباب إلا إذا دق الجرس، مهما يكن الأمر، ومهما يكن الطارق أو الطارقون.

ثم يسكت الوزير لحظة قصيرة كأنه يجمع الخواطر المشردة في نفسه، أو كأنه يتخذ من هذا الصمت وسيلة يهيئ بها من حوله للاستماع له، ثم يتكلم فلا يخبر بشيء ولا ينذر بشيء، ولكنه يسأل عن شيء، يسأل أصحابه: أقرأتم الصحف؟

فيقولون: نعم.

الوزير: أرأيتم …؟القوم: ماذا؟الوزير: ألم تروا شيئًا؟القوم: شيئًا يستحق العناية؟ لا.أحدهم: كل شيءٍ هادئٍ مطمئن.الوزير: كل شيءٍ هادئٍ مطمئن!أحد القوم: ليس في الصحف شيءٌ غير عادي.الوزير: حتى ولا سفر النحاس إلى سمنود!أحد القوم: إنه يسافر في كل عيد، وتحتاط الوزارة لسفره، وتحتاط لإقامته، وتحتاط لعودته بما هو مألوف من المراقبة والمصاحبة.الوزير: أنا أعلم ذلك! وكنت أُشرِف عليه، ولكن ألا ترون أن سفره في هذه المرة أشد خطرًا من أسفاره السابقة؟أحد القوم: لماذا؟الوزير (مغضبًا ولكنه ضابطٌ لنفسه): لماذا؟ لأني أصبحت وزيرًا من جهة، ولأنه يريد أن ينتقم بعد أن خطفناه من جهة أخرى.

وكأن الوزير قد يئس من أصحابه، فهو لا يحاورهم ولا يستشيرهم، وإنما يلقي إليهم أوامر يسمعونها ويُؤمنون لها في غير مناقشة، ومتى جازت المناقشة بين القواد ورئيس الجيش؟

لا بد إذن من احتياط استثنائي لسفر الرئيس هذه المرة. والوزير يلقي إلى أركان حربه تفصيل هذا الاحتياط، حتى إذا فرغ منه سكت كأنه ينتظر الطاعة والوعد بتنفيذ الأمر، ولكن أحد القوم يقول في هدوء: يجب أن ينفذ كل هذا، ولكن وزارة الداخلية لا تملك وحدها إنفاذه؛ فليس لها على الجيش سلطان، وليس لها أن تأتي بعض هذه التصرفات من تلقاء نفسها، فيجيب الوزير في ابتسامة ملؤها الغضب الهادئ والسخرية الثائرة: دعوا ذلك لي. ليُهيِّئ كل منكم ما يجب عليه أن يُهيِّئه حتى يصدر إليكم الأمر بالتنفيذ.

وهنا ينهض القوم متثاقلين تطيع وجوههم، وتبسم نفوسهم، ثم يتفرقون، وينهض وزير الداخلية خفيف الجسم، ثقيل الهم، قد ألقى على وجهه نقابًا يرسم الاستهزاء بالأحداث والخطوب. ويجتمع مجلس الوزراء وينفض، ويعود الوزير إلى مكتبه ويلقى أصحابه ويفرقهم ويروح إلى داره، وتقول الصحف في هذه الاجتماعات فتُكثر، وتَفتَنُّ الصحف في تأويل هذه الاجتماعات فتُغرب، وينقضي نهار ويتبعه ليل، وتشرق شمس العيد، وتراق دماء الضحايا، ويسعى الناس على اختلافهم إلى زيارة الأحياء، وإلى زيارة الأموات، ويحتشد الوفديون حول رئيسهم، فيزورون قبر سعد، ويسمعون خطبة الرئيس، ويضطربون بعد ذلك فيما يعنيهم من أمور الحياة، وكل شيء هادئ في الأرض، وكل شيءٍ هادئ في السماء إلا نفس الوزير، وإلا قيادة الجيش والشرطة.

فأما نفس الوزير فمضطربة يؤرقها الخوف فلا تنام، ويبسم لها الأمل فلا تجزع، فالوزير يغدو ويروح ظاهر الهدوء، ولكن من وراء هذا الهدوء اضطرابًا عظيمًا. وأما قيادة الجيش والشرطة فمضطربة تأمر وتنهى، وتدعو وتجيب، ترسل فصائل هنا وفصائل هناك، وتُسيِّر أيضًا قطارات وادعة وأخرى مسلحة، وهي قائمة وقاعدة، وهي مبرقة مرعدة، وهي مرغية مزبدة.

ورئيس الوفد يزور بيت الأمة فيتحدث فيما شاء الله أن يتحدث فيه، ويلقى ما شاء الله أن يلقى، ويتقدم النهار فيركب القطار وينظر، فإذا ناس يريدون أن يُحيُّوه، وشرطة تدفعهم عن هذه التحية، وهو قد ألف ذلك واطمئن إليه، فلا يحفل به، ثم يعلم أن وزارة الداخلية قد ندبت من كبار الضباط من يرافقه في القطار فيبسم ساخرًا. وما يزال القطار في طريقه بين تحية المحيين من الشعب، ودفاع المدافعين من الشرطة والجند حتى يصل إلى سمنود.

هناك يرى ما لم يكن قدَّر، ويلقى ما لم يكن انتَظرَ، هناك الجنود المجندة، والسيوف المجردة، هناك أداة الحرب كاملة، وقوة الحصار قد وُزِّعت أحسن توزيع، وطوقت المدينة تطويقًا مُحكمًا، فأخذت على الخارجين منها والقاصدين إليها طرق البر والنهر، فليس من يستطيع أن يفصل عنها، وليس من يستطيع أن يدنو منها. أما الطرق الزراعية فمسدودة، وأما السكك الحديدية فمحروسة، على أطوالها المختلفة، وأما النهر فتترجج على صفحته الهادئة الباسمة سفن عشر تحمل الجنود المتأهبين لحماية المدينة أن يغزوها الغزاة، أو يأخذها الفاتحون على غرة.

وعلى رأس هذه القوة الفخمة الضخمة ضابط كبير، وفي جيب هذا الضابط الكبير كتاب مختوم قد أُمِر ألا يفضَّه حتى يصل إلى مركز القيادة؛ هناك حيث يكون الحصار. فإذا انتهى إلى مركز القيادة هذا فضَّ الكتاب، فإذا فيه أمْرٌ قد خُطَّ بحروف من الحزم والعزم، ومن البأس واليأس، وإذا هو يأمر بألا يترك رئيس الوفد ينتقل إلا من سمنود إلى القاهرة، فإن حاول غير ذلك أو شيئًا يشبهه اختُطف اختطافًا، ورُدَّ إلى القاهرة عنوة واقتدارًا.

ويمضي الرئيس في المدينة فإذا حصن محصن، قد مدت فيه المتاريس، وأقيمت فيه الحواجز، وألقيت فيه الشراك والأشباك — تبارك الله — إن لنا إذن لجيشًا قويًّا، وإن لنا إذن لقادة مهرة، وإن لنا إذن لبراعة في الحصار، ومهارة في أخذ المدن واحتلالها، ولكن رئيس الوفد يرفع بصره في السماء فلا يرى طيارة ولا منطادًا. هذا فن من التقصير كان ينبغي ألا تتورط فيه وزارة الداخلية؛ فقد أصبح من اليسير أن يطير الناس في جو السماء! وهي تستطيع أن تأخذ على الرئيس طريق البر والنهر.

ولكن ماذا تصنع لو طار الرئيس في السماء؟! ألم يكن من الحق عليها أن ترصد له في الجو هذه الطيارات الخمس التي اشتريناها منذ أشهر؟ وكيف غاب هذا الخاطر عن وزير الداخلية وقيادة الجيش والشرطة ومجلس الوزراء؟ كل براعة إذن مهما تعظم فهي ناقصة، وكل مهارة إذن مهما تتسع فهي ضيقة، وكل وزير إذن مهما ينبغ فهو في حاجة إلى التعليم. وأنا زعيم لك، إن بقيت الوزارة في مناصبها، وسافر رئيس الوفد إلى سمنود أو غير سمنود، بأن سلاح الطيران سيُعبَّأ له، فتؤخذ عليه طرق الأرض والنهر والسماء!

تبارك الله! لقد كان الناس في حاجة إلى ما يضحكهم ويسليهم في أيام العيد؛ فقد أذن الله لهم أن يضحكوا وأن يتفكهوا، وكان وزير الداخلية هو الذي فتح لهم باب الضحك والفكاهة على مصراعيه. ألم أقل لك منذ أيام: إن وزارتنا لم تبرع في الحكم وحده، وإنما برعت في فن الفكاهة والتمثيل أيضًا؟!

ثم تتصل بنا الأنباء فإذا مدير أسيوط القديم ومدير الغربية الجديد يكتب هو أيضًا كتبًا مختومة، ويلبس هو أيضًا ثوب القائد العظيم، ويرسل إلى رئيس الوفد رسولًا يحمل إليه نذيرًا ألا يخرج من سمنود إلا إلى القاهرة؛ لأن ذلك محظور عليه حظرًا قاطعًا. لن يكون هذا المدير بطل أسيوط وحدها، بل سيكون بطل الغربية أيضًا.

وتتصل الأنباء بنا بعد ذلك فإذا القيادة العليا في القاهرة قد أصدرت أمرها القاطع إلى مدير الغربية ومدير الدقهلية ألا يبرحا إقليميهما أثناء العيد حتى ولا للتشريفات؛ لأن هذين الإقليمين في حال حرب قد أُعلنت فيهما الأحكامُ العرفية ما دام رئيس الوفد في سمنود!

إني لأستحي لهذه الوزارة من الذين سيقرءون الصحف، وسينظرون إلى ما انتهت إليه من سخف وضعف في الرأي لم يعرف تاريخ الحكم الحديث في مصر لهما نظيرًا.

تبارك الله! خطف في قنا، وحصار في الغربية، ما هذا العبث الذي قد سخف حتى لم يبق سبيل لوصفه أو القول فيه!

ما لهذا السخف ترك رئيس الوزراء وزارة الداخلية، ولا لهذا السخف عمد رئيس الوزراء إلى هذا الترقيع الأخير.

أما بعد، فإن للوزارة أن تسخف ما شاءت، وأن تضحك من نفسها وتضحك الناس منها ما أحبت، ولكن هل يحول المرض بين رئيس الوزراء وبين التفكير اليسير؟ أيمنعه المرض من أن يقدر أن الجيش لم ينشأ للتمثيل، وإنما أنشئ لشيء آخر؟ هل يمنعه المرض أن يفهم أن تسخير الجيش على هذا النحو إساءة إلى الكرامة القومية، واستهزاء بما يجب أن يكون بمعزل عن الاستهزاء؟ هل يمنعه المرض من أن يفهم أن هذا الجيش الذي يعبث به وزير الداخلية هذا العبث إنما هو جيش مصر لا جيش الوزارة؟ وأن قيادته العليا إنما هي إلى صاحب الجلالة المصرية؟ وما ينبغي لوزارة مهما تكن، ولا لوزير مهما يكن، أن يعرض للهزء والسخرية جيشًا أُنشئ للدفاع عن مصر، وجُعلت قيادته العليا إلى صاحب عرش مصر؟

ما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى شيء — ولو قليل — من الشعور بالتبعات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.