الحرب سِجَال، والأيام دُوَلٌ، والانتصار شيءٌ لا يحب الاستقرار، وإنما يحب أن ينتقل ويدور بين هؤلاء السادة الذين يختصمون حول مناصب الحكم في هذه الأيام. كان النصر أول الأمر للوزارة وأنصارها؛ فاشتدُّوا على صدقي باشا، وقست قلوبهم، وأرسلوا إليه سهامًا، منها الطائش ومنها المصيب، ولكنها كلها مُفسِدة للجو، مثيرة للشك والريب. ومن الحق أن نسجِّل أن هَجْمة الوزارة وأصحابها على خصمها العنيد وصديقها الحميم كانت عنيفة مخيفة، تضاءل لها صدقي باشا وتضاءل، حتى أعلن الهزيمة واستسلم للقضاء ونزل على حكم خصومه؛ فقبل المفصولين، وارتاح لعودتهم إلى الحظيرة.

ولكن خصوم صدقي باشا لم يوفَّقُوا في تدبير الانتصار، وإنما أصابهم ما يُصِيب بعض الظافرين من البطر والأشر والاعتداد بالنفس، وهذه القسوة التي تدعو إلى الإجهاز على الخصم، فأمعنوا في الهجوم، حتى غزوا حزب الشعب في عُقْر داره، واضطروا رئيسه إلى أن يطلب إلى المرض زيارة خفيفة وإلمامةً قصيرة، تُعْفِيه من أن يرى وجوهًا لم يكن يُحِبُّ أن يراها، ويسمع ألفاظًا لم يكن يحب أن يسمعها، واندفع الأبطال في الميدان يُمْعِنون في الحرب، ويجدُّون في اتباع المنهزم؛ حتى اضطروا خصمهم إلى أن يُلْقِيَ السلاح، ويعلن الهزيمة، ويرفع إلى نائبه في حزب الشعب استقالته من رياسة حزب الشعب.

هنالك ثمل المنتصرون، ولم يملكوا أنفسهم، فمضوا يحاربون غير محارب، ويجاهدون غير مجاهد، وغرَّهم بأنفسهم الغرور، ولم يقدروا أن من الانهزام ما يكفل النصر، وأن من التسليم ما يهيئ للفوز، وأن الحرب كَيْد وخُدْعة، وأن صاحبهم ماهر في الخديعة والكيد، وأن اليأس قد يجدد القوة، ويُعِيد النشاط. لم يقدروا شيئًا من هذا، فمضوا يتبعون خصمهم المنهزم، ويلحون في ذلك حتى اضطروه إلى أن يثوب إلى نفسه ويدعو إليه فلوله، ويثبت لهم بعض الشيء. فما هي إلا أن يفعل حتى يتغيَّر وجه الحرب؛ فينهزم المنتصر، وينتصر المنهزم. وتدور الدائرة؛ فإذا صدقي باشا رئيسٌ لحزب الشعب، وإذا الوزارة محرجة أشدَّ الحرج أمام حزب الشعب، وأمام الذين كانوا يعقدون بها الآمال، وينوطون بها الأماني، ويظنون أنها مستأثرة بالميدان.

هنالك استيأس أنصار الوزارة؛ فجاهدوا جهاد المستميت، وكشفوا أسرارًا، وهتكوا أستارًا، وأذاعوا أخبارًا، ونشروا خزيًا وعارًا. وهنالك لجأ صدقي باشا إلى فضل من مكر، وبقية من دهاء؛ فأثبت أن خصومه هؤلاء ليسوا هناك، وأنهم أضيق ذراعًا وأقصر باعًا من أن يمكروا به أو يفوزوا عليه، ودلت قصة القطن والتدخل في سوق العقود على أن الوزارة وأنصارها لم يُحسِنوا الاختيار، ولم يُوَفَّقُوا إلى صواب الرأي حين وضعوا وزير المالية الجديد بإزاء وزير المالية القديم في ميدان الحرب والقتال، وساحة الطعن والنزال، وأن حسن صبري بك على ذكائه الخارق ونبوغه الفائق لا يستطيع أن يثبت لصدقي باشا ساعة من نهار، وإن كان مؤيدًا يأوي إلى ركن شديد؛ فقد أظهرت قصة القطن هذه أن صدقي باشا تدخَّل في سوق العقود ثلاث مرات، وكان تدخله هذا معيبًا خليقًا باللوم، ولعله أن يكون خليقًا بما هو أشد من اللوم، وسئل وزير المالية أن يجلِّي وجه الحق في ذلك، ولو قد فعل لسحق خصمه سحقًا، ولَمَحَقَ عدوه محقًا، ولكن وزير المالية لم يحسن الهجوم ولم يحسن الدفاع؛ فأفسد الأمر ولكن على نفسه، ومكَّن لصدقي باشا من أن يعلن أن وزير المالية القائم قد فعل فعله، وسار سيرته، وتدخَّل في سوق العقود كما تدخَّل، وأضاع من المال مثل ما أضاع.

زعموا أن وزارة المالية تدخلت في عهد الوزير القائم في سوق العقود، هذا شيء لا شك فيه، ولكنهم زعموا أنها تدخَّلت لتُتِمَّ ما بدأ به صدقي باشا قبل أن يستقيل، لا لتبتدئ شيئًا جديدًا.

هذا شيء لا شك فيه أيضًا. قالوا: وأقبل الموظف المختص فعرض تدخُّل صدقي باشا على الوزير، وعرض عليه أن الوزارة مضطرة إلى أن تتدخل هي لتتم ما بدأ الوزير المستقيل وتصفي حسابه، قالوا: وأظهر الوزير أنه فهم، وأظهر الوزير أنه اقتنع، وأعلن الوزير أنه موافق، قالوا: وكتب الموظف المختص مذكرة سجَّل فيها ما عرض على الوزير، وسجل فيها موافقة الوزير على ما عرض عليه، ثم أتمَّ الموظف المختص ما لم يكن بُدٌّ من إتمامه، وأنفذ الموظف المختص ما تم عليه الاتفاق بينه وبين الوزير، وعلم صدقي باشا بهذا كله.

وكان صدقي باشا ماهرًا، أمهر من صبري بك. وكان صدقي باشا ماكرًا، أمكر من صبري بك. وأين يقع صبري بك من صدقي باشا؟! فأعلن صدقي باشا إذن في بيان من بياناته ما أعلن من أن الوزير القائم قد فعل فعله وسار سيرته، وتدخَّل في السوق كما تدخل، ولم يكد صبري بك يقرأ بيان صدقي باشا حتى هاج وماج، وثار وفار، وطلب الموظف المختص، فسأله عما يقول الوزير المستقيل: أحقٌّ هو؟ قال الموظف: نعم، وقد عرضت عليك فأقررته. قال الوزير: كلا، لم تعرض عليَّ شيئًا، ولم أقر شيئًا، إنما خدعتني وغششتني. ثم لم يقف الوزير عند النذير، وإنما أنزل العقاب، وكان العقاب صارمًا، وحسبك النقل إلى أسوان، وقلب الوزير وزارته رأسًا على عقب؛ فوسع اختصاصًا وضيَّق اختصاصًا، ونقل الرؤساء من غرفهم إلى غرف أخرى، ونقل الأعمال من أيدٍ إلى أيدٍ أخرى، معتقدًا أن الموظف المختص قد غشَّه، مع أن الموظف فيما قيل لم يزد على أن أنفذ أمره وحقَّق ما تم الاتفاق عليه.

وقد زعم نائب من النواب أن الموظف قد طُلِبَ إليه أن يمحو من ملف هذه القصة شيئًا كان قد أثبت فيه، وينزع منه ورقة كانت قد استقرت بين أوراقه، فلما أبى الموظف اشتدَّ غضب الوزير، ولولا لطف الله لزلزلت به الأرض أو لقذفت به الريح في مكان سحيق أبعد من أسوان.

وأذاع الوزير بيانه الذي قال فيه جملته المشهورة: إن الوزير لم يأمر بالتدخل في سوق الكونتراتات لا قليلًا ولا كثيرًا. قالوا: وانتهى الأمر إلى مجلس الوزراء، فحاول أن يقف من وزير المالية على شيءٍ واضحٍ جليٍّ أو يظفر منه بتفصيلٍ بَيِّنٍ صريح، فلم يقف على شيء، ولم يظفر بشيء، فلم يقرَّ الوزير، ولم يتضامن معه، وإنما تركه في هذه القصة وحيدًا فريدًا، قالوا: وأعاد الرئيس الجديد للموظف المختص هذا درس المسألة وأطال النظر فيها، فظهر له أن هذا الموظف مظلوم، وأنه لم يغشَّ الوزير ولم يخالف عن أمره، وراجع الوزير في أمر النقل، وما زال به حتى أقنعه، وحتى حمله على إنصاف هذا الموظف.

قال الرواة: ويوشك الوزير أن يصدر قرارًا بإلغاء هذا النقل إن لم يكن قد أصدره بالفعل، ومن الخير أن يعود الوزير إلى إنصاف المظلوم، ومن الخير أن يُلْغِي الوزير قرارًا كان قد اندفع إلى اتخاذه في غير تمهل ولا أَنَاة، ولكن من الخير أيضًا أن يلاحظ الوزير وأن يلاحظ زملاؤه وأن يلاحظ أنصاره أن حرب صدقي باشا لم يكن ينبغي أن تجري على هذا النحو، وأن العجلة من الشيطان، وأن الإقدام على غير بصيرة سبيل إلى الزلل، ووسيلة إلى الخطأ، ومدعاة إلى الظلم وإلى إثارة الشر في غير مقتضٍ للشر.

وإذا كان الوزير قد اقتنع الآن بأنه قد ظلم هذا الموظف، فهو قد اقتنع طبعًا بأن أحدًا لم يغشَّه، وبأن أحدًا لم يُخْفِ عليه شيئًا، وبأن أحدًا لم يستبدَّ من دونه بشيء، وبأن قلبه أمور الوزارة رأسًا على عقب لم يكن إلا نتيجة التسرع والاندفاع، وبأن الخير في أن تُرَدَّ الأمور كما كانت، ويرجع كل رئيس إلى غرفته الأولى، ويرجع كل عمل إلى اليد التي كانت تصرفه وتُشْرِف عليه، ويتحدث الوزير مرة أخرى إلى الإجبشيان جازيت، والأهرام، والبلاغ، فيعلن أنه كان مخطئًا في كل ما قال، وأن الذين يعملون معه لا يخدعونه، ولا يغشُّونه، ولا يحتاجون إلى أن ينبِّههم أحد إلى أن على رأسهم وزيرًا مسئولًا ينبغي أن يُرجَع إليه.

ومهما يكن من شيء، فقد استطاع صدقي باشا، وهو الملوم أشد اللوم، أن يُلْقِيَ حجرًا ثقيلًا في مستنقَعٍ كدر، وأن ينظر إلى خصومه هؤلاء وقد أصابهم وحل هذا المستنقع، فهم يتلاومون، ويختصمون ويتَّهِم بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم ببعضٍ، ويتمنَّى كل منهم لصاحبه المكروه. ولو كان صبري بك كفؤًا لصدقي باشا يستطيع أن يَثْبُت له في الميدان لمنعه من أن يلقي هذا الحجر، ومن أن يُثِير كل هذا الوحل.

ونظن أن اختلاف الناس فيما ستنتهي إليه هذه القصة من بقاء الوزير في منصبه أو انتقاله عنه إلى منصب آخر أو خروجه من الوزارة إلى حيث يلحق بخصمه صدقي باشا لا معنى له إلا أنه يصور عجز الوزير عن أن يثبت في هذا الميدان لخصمه العنيد الذي سيغريه هذا الفوز فينثر حول وزير المالية من الأشراك والشِّباك ما يفسد عليه الأمر إفسادًا.

ولعلك لاحظت من هذه القصة كلها أن الصفة الظاهرة في وزير المالية الجديد إنما هي التسرع والاندفاع، والقضاء فيما يُعْرَض عليه من الأمر من غير روية ولا تفكير عميق، وقد نحسن إلى الوزير إن نبَّهناه إلى قضية أخرى قضى فيها على عجل، وأمضاها في غير أناة، لعله أن يُلْغِيَ قضاءه، ويمحوَ إمضاءه، ويعود فيها إلى الحق، كما عاد في أمر الموظف المظلوم.

زعموا أن عضوًا من أعضاء حزب الشعب اشترى ستة وأربعين فدانًا وقراريط من أرض الحكومة بعد لفٍّ طويل، ودورانٍ متصل، وتعقيد إثر تعقيد، أشرنا إليه في أسئلة وجهناها إلى الوزير منذ أيام، وزعموا أن قصة هذا البيع الغريب والشراء الغريب الذي تم، ثم أُلغيَ، ثم استُؤنِف، ثم وقف، والذي يبيح للمشتري أن يدفع أقساطًا من ثمن الصفقة أقل مما كان يدفعه أجرًا لهذه الأرض نفسها؛ زعموا أن هذه القصة لم تتم بعد، وإنما كانت تسلك طريقها إلى القبول أو الرفض، ولكن مشتري الصفقة ذهب إلى الوزير ذات يوم، وقدَّمَ إليه طلبًا يسأله فيه أن يؤجل القسط الأول من الثمن إلى شهر ديسمبر المقبل، قال الرواة: فنظر الوزير في الطلب، ووافق الوزير على الطلب، وأمضى الوزير موافقته هذه، ورد الوزير الطلب وعليه إمضاؤه إلى هذا العضو من حزب الشعب، وأسرع العضو بطلبه هذا إلى مدير الأملاك الأميرية يسأله التنفيذ.

قال الرواة: والطلب نائم عند مدير الأملاك الآن لا يعلم إلا الله أيُنْفِذه قبل أن تتم الإجراءات، أم يَقِفُه إلى أن تتم الإجراءات.

ولعل وزير المالية يوافقنا على أنه لو فكَّر وتأنَّى لما أمضى على غير علم، ولعل وزير المالية يوافقنا على أنه يَحسُن لو استردَّ هذا الطلب من مدير الأملاك وأعاد النظر فيه؛ فقد يرى في إمضائه دليلًا على أن في التأنِّي سلامة، وفي العجلة ندامة، وعلى أن الوزراء يستطيعون أن يعتمدوا على ذكائهم ونبوغهم، ولكن بعد أن يعتمدوا على آراء الموظفين المسئولين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.