هل ينبغي أن يكون للإنسان — لكل إنسان — غاية يعتمدها حين يبلغ مبالغ الرجال، ويجعلها نُصْبَ عينه كما يقولون ولا ينفك يسعى لها دائبًا حتى يبلغها أو يقع دونها؟ أو أجعل السؤال هكذا: هل يستطيع الإنسان أن يقول لنفسه: إني أريد أن أكون كذا أو كذا، وسأجعل متوجَّهي إلى غايتي هذه من هنا، وسأجتنب الانسياق مع تيار الحياة، وأتَّقِي أن يقذف بي إلى حيث لا أبغي؟

والسؤال يبدو سهلًا، أليس ينبغي أن يعرف الإنسان مراده من دنياه؟ بلى! ولكن الصعوبة ليست في معرفة ما تروم وتنشد لنفسك، بل في أمور أخرى، منها أنك تصلح أو لا تصلح لهذا الذي تتطلع إليه؛ أي في صحة معرفتك بنفسك، ومنها توجيه الحوادث لك، وإمكان انحرافها بك عن طريقك. وقد سئلت، فقلت بلا تردد أو تلعثم: أي نعم كانت لي غاية مضيت إليها ولم أعدل عنها قط، ولم أفتُر عن السعي لها.

***

ثم دار السؤال في نفسي بعد ذلك، فتبينت أني تسرعت فأخطأت وقلت غير الحق، وأن طول الزمن أنساني أشياء كثيرة وأماني مختلفة، أو قُل إن طول مسيري على الدرب الذي ما زلت فيه أوهمني أن هذا ما كنت أبغي من أول الأمر. والحقيقة أنه: «لم يَكُنْ ما كان شيئًا يعتمد» كما يقول ابن الرومي، ولا أدري ماذا كان مصيري خليقًا أن يكون لو كان أبي عاش حتى كبرت، ولكن الذي أدريه هو أن الفقر الذي صرنا إليه بعده وجهني، فلما أتممت التعليم الثانوي ودِدت أن أتعلم الطب، لا لسبب سوى أن «المصروفات المدرسية» كانت مما يدخل في الطاقة، ولكن الدكتور كيتنج ناظر مدرسة الطب يومئذٍ رمى لي أوراقي في الشارع، وكان دكتاتورًا لا سلطان لأحد عليه ولا مَرَدَّ لحكمه، فجمعت أوراقي المبعثرة، وقلت أدخل مدرسة الحقوق، والسبب في هذا التحول هو أنها كانت المدرسة الأخرى التي يسعني أن أؤدي «مصروفاتها» وكانت خمسة عشر جنيهًا في العام، وما كدت أقدم أوراقي إليها حتى ضوعفت المصروفات، فاستعدت أوراقي، وحرت ماذا أصنع؟ وإذا بمدرسة المعلمين العليا تفتح وتقول: تعالوا تعلموا بالمجان، بل خذوا كل شهر ثلاثة جنيهات في العام الأول، وأربعة جنيهات كل شهر في العام الثاني وهكذا حتى تتخرجوا. وتصور فرحتي: مدرسة عالية لا تكلفني شيئًا، وثلاثة جنيهات ثم أربعة كل شهر، وهي ثروة لفتى دَخْلُ أسرته في الشهر جنيهان ليس إلا، تنفقها على الطعام والكسوة. أما المسكن فما كان له كراء فقد كان لبعض أهلنا دار عظيمة أباحها للفقراء من أقاربه الأدنين أو الأبعدين، ولمن يجيء من الأرياف من أبنائهم لطلب العلم وإن لم يكن فقيرًا، وهكذا شاء القدر — أو المصادفة — أن أكون معلمًا!

وشاءت الأقدار — أو المصادفة — أيضًا أن أشتغل بالأدب لا بالطب ولا بالقانون، فقد كان من زملائي في مدرسة المعلمين الأستاذ عبد الرحمن شكري، وكان كاتبًا شاعرًا واسعَ الاطلاع على الأدب العربي والآداب الغربية، وقد أخرج أول جزء من ديوان شعره وهو في السنة الأولى بمدرسة المعلمين، فكانت له ضجة، وكان هذا الديوان — كما كانت يوميات الأستاذ العقاد — بداية اقتحام المذهب الجديد في الأدب للميدان، وفاتحة الصراع بينه وبين المذهب القديم — مذهب شوقي وحافظ وأضرابهما — وتوثقت الصلة بيني وبين شكري فصار أستاذي وهو زميلي، وكان لي قدر يسير من الاطِّلاع على الأدب العربي، ولكنه كان ينقصني التوجيه، فتولاه شكري، فعكفت على الدرس. ومن الإنصاف أن أقول إن أساتذتنا في اللغة الإنجليزية وآدابها كانوا رجالًا مخلصين أَكْفَاء، فأحسنوا توجيهنا وتشجيعنا، وبفضل شكري عرفت عبد الحميد بدوي (باشا الآن) والسباعي رحمه الله، ثم عرفت العقاد من طريق آخر، وعرفته بشكري فصرنا «ثالوثًا»: العقاد وشكري والعبد لله.

وهكذا صرت أديبًا، وقررت أن أكون «شاعرًا وناقدًا» وأن أنفض يدي من التعليم وأتخلى للأدب، فاستقلت من وزارة المعارف بعد خمس سنوات فيها، واضطررت أن أظل معلمًا خمس سنوات أخرى، ثم كانت الثورة المصرية فهجرت التعليم، وأقبلت على الصحافة لأخدم الثورة بقلمي وما زلت كاتبا صحفيًّا برغمي إلى اليوم، وأديبًا مشكوكًا في قيمة أدبه لأنه غير قادر على التفرُّغ له والانقطاع لتجويده.

سُقْتُ هذا لأقول: من الذي يستطيع أن ينكر يد المصادفة أو الأقدار في هذا؟ ولا شك أن الاستعداد عامل لا يمكن تجاهله وإغفاله، وهذا الاستعداد يظهر شيئًا فشيئًا، ويقوى على الأيام وله أثره البين في مبلغ قدرة الحوادث أو المصادفات على التوجيه، وقد كان من الممكن أن أشتغل بالأدب وأنا طبيب أو محامٍ أو قاضٍ؛ فقد كان ميلي إليه ظاهرًا في صدر حياتي، وعلى الرغم من جهلي، وكنت أنظم شعرًا محطَّم الأبيات مضحك القافية عجيبها ولا أخجل، ولكن المصادفات التي أسلفت الإشارة إليها هي التي جعلتني كما أنا الآن، ومن يدري؟ إن الإنسان ليريد الشيء، فتجيء الأقدار وتريد له غيره، ومن يدري أيضًا؟ لعل الأقدار أدرى بما هو أصلح له وأقدر عليه، وصدق الشاعر:

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.