‏من أصعب الأمور أن تجمع على المسرح — في منظر واحد — أشخاصًا عديدين ممن تسمح لهم منازلهم بالكلام والاشتراك في الحوار، وأن تنقل الكلام بينهم بحيث لا تتركهم تماثيل جامدة، ومن غير أن يضطرك ذلك إلى الفضول والهراء، وأَشَقُّ من ذلك أن تجعل المنظر وليمة كبيرة لكل من يشهدها من ذوي المراتب الملحوظة، ولكن هذا الذي يتوقاه الحذَّاق ويتهيبه أهل البراعة والافتنان، هجم عليه شوقي بك بلا فهم ولا قدرة؛ فجاءنا في المنظر الثالث من الفصل الأول من رواية خرفه، بوليمة أقامها ملك مصر لوفد الفرس حضرها كبار رجال الكهنوت والدولة، وقال في وصف المنظر إن على المائدة أو الموائد «ألوان الطعام المختلفة من خراف مشوية وباردة وبط صيد، ومن سمك النيل، ومن الحلوى بأنواعها (أيُّ أنواعها يا مولانا؟) وسلال الفاكهة، ووُضِعت هنا وهناك أباريق الذهب والفضة المملوءة من عتيق الخمر».

‏وشوقي يقول في بعض شعره «ولقد ولدت بباب إسماعيلا» وإنه لصادق، فما عدا بنفسه منزلتها، ولا كتب يومًا إلا ما ينم عن هذا الميلاد، وقد كنَّا نظن أنه — وقد دخل قصور الملوك ورأى ولائمها — يعرف كيف يدير الكلام على موائدها ويصرفه من ناحية إلى ناحية، غير أن الذي يقرأ روايته لا يجري بخاطره أنه تجاوز عتبة الباب الذي وُلِد ‏به، فقد جعل الوليمة أشبه بالأَخْوِنة التي يُخرِجها المحسنون في الموالد والأفراح صدقةً لذوي الحاجة من المعوزين والفقراء، وإلا فكيف يتصور عاقل مجرب أن أول ما تجري به ألسنة الضيوف وفاتحة ما يخوضون فيه من الحديث هو الخراف والبط والأوز، كأنهم محرومون لم يذوقوا في حياتهم طعامًا ولم ينعموا بأكل؟ استهل شوقي منظره بأحد الفرس من أعضاء وفد قمبيز الذين جاءوا رسلًا من قِبَله يخطبون بنت ملك مصر — يقول صاحبه:

فيروز، انظر تَرَ الخرافا

حمرًا لطافًا على الخوان

ذا سمك النيل في الأواني

كأنه معصم الغواني

وأعين تلك في جفون

أم ذاك البط في الجفان

‏ ‏فهل هؤلاء وفد ملك عظيم أو فريق من الجياع الضياع؟ وأي آدابٍ تلك التي تتيح للضيوف أن يذهبوا يشيرون إلى ألوان الطعام المختلفة، ويلهجون بذكرها وحمدها؟ وقد كنا نفهم أن يزج شوقي بك بألفاظ النهم والعبارات المشعرة بالحرمان في هذا الفصل، لو أنه جاء في وصف الطعام بشيء يمكن أن يُعَدَّ على أي اعتبار ذا قيمة من القيم، ولكنه لم يَزِدْ على أن وصف الخراف بأنها حمراء لطيفة، والبط في الجفنة كأنه العين في جفنها! لا لسبب يدعو إلى هذا التشبيه أو يجيزه سوى أن هذه جفنة وهذا جفن! نستغفر الله! بل قال شيئًا آخَر، فاسمعْ أو اقرأ لأمير الشعراء:

هذا الخوان قد كمل

من كل جانب حمل

هذا شوي — هذا قلي

والبط في الأطباق

بطبط في الرقاق

من رأسه للأرجل

وهذه الأوز

رجراجة تهتز

قد طيبت بالتابل

أعرفت الآن ماذا بلغ من قدرة أمير الشعراء على وصف الطعام؟ الخوان كامل وعليه المشوي والمقلي، والبط والأوز متبلة رجراجة — ولا ندري كيف تكون الأوز رجراجة تهتز؟ فما وُلِدنا إلا في بيوت آبائنا!

‏والملك الداعي صاحب الوليمة والمحتفي بالضيوف، جالس كالصنم على كرسيه! لا يُخرِج من بين شفتيه سوى سؤال واحد يلقيه على رئيس الوفد:

سيدي لو تقول لي

كيف قمبيز والقدح؟

‏حتى إذا أجابه فارسي بأن قمبيز في شغل عن الخمر«بطول غزوته» لم يفهم الملك الغبي، بل عاد يسأل:

«أين تُرَى يشربها؟»

‏كأنما الملك في هذه الدنيا رهن بالخمر، كيف يشربها المرء وأين؟ نعم أين؟ فهل ظن أنه يشربها في الحارة أو تحت بئر السلم، وفيما عدا هذا السؤال السخيف لا يبالي فرعون شيئًا، ولا يحتاج حتى أن يفتح فمه! بل يجلس إلى آخر الوليمة صنمًا كما بدأ، ولا يخطر له أن يعرف شيئًا عن شئون فارس التي تهدده، وتلجئه إلى التمويه وإرسال أخرى باسم ابنته خوفًا من قمبيز وفرقًا، والأحاديث تدور من حوله بين أعضاء الوفد الفارسي تارة، أو بين المصريين تارة أخرى، وهو — الملك — يصنع ماذا يا تُرَى؟ يأكل؟ أم يرخي ذراعيه ويقعد تمثالًا؟ ورئيس الوفد إلى جانب الملك، ومع ذلك يدور هذا الكلام:

أحدهم لرئيس الوفد:

مولاي ألقِ السمع

وابعثِ النظر

ماذا تُرَى؟

الرئيس:

أرى

«بهارا» قد سكر

الأول:

فتاك غني الرئيس: وما

وفتاي قد شعر الذي ضر؟

الأول:

صدقت، لا ضرر!

الرئيس:

ونحن ما نصنع؟

الأول:

شرب وسمر!

الرئيس:

ونحن أيضًا بشر

وهم بشر

فَلْيشربوا من هنا

هنا إلى السحر!

‏فهل تعرف أسخف من هذا الحوار على مائدة الملك، وعلى مسمع منه؟ نعم، ثم ما هو أسخف، وذاك أن نتيتاس الجالسة إلى المائدة تأبى لها سخافة شوقي إلا أن تجعلها تحدِّث نفسها — نفسها لا أحدًا من الناس — بهذه القصيدة الطويلة التي يسود الصمت أثناء إلقائها، والتي لا يسمعها أحد لأنها نجوى:

مضى الغادر لم يشعر

بما حملني القدر

ولا رقَّ له ناب

على جرحي ولا ظفر

‏ويا هذا، كيف يرق الظفر والناب … إنما يرق القلب؟

تكلمت فلم يسمع

وأنَّى يسمع الصخر؟

لقد غامرت في تاسو

وتاسو في الهوى غمر

كم استشفيت بالسحر

فما عافاني السحر

وكم ناديت آبائي

فما لباني النصر

وكم جئت إلى الصبر

فما آواني الصبر

جزاء المعرض التياه

منك الصد والكبر

هبيه نأت الدار

به أو نزح القبر

هبي معرفة الغادر

لم يأتِ بها الدهر

أقلي شغل الفكر

فقد أتعبك الفكر

هبيه مرت السن

عليه ومشى العمر

فلم يبقَ له نهي

على الغيد ولا أمر

ولم يبقَ له في البا

ل تمثال ولا ذكر

ولو عقل شوقي لكانت إحدى اثنتين: إما أن يكتفي من تحديثها نفسها بين هذا الجمع ببيت واحد فيه الغناء عن كل هذا اللغو، وهو قولها:

هبيه نأت الدار

به أو نزح القبر

‏وإما أن يحتال لإخلاء المسرح في بعض المواقف ليتيح لها أن تحدِّث نفسها بهذه الإفاضة، إذا كان يرى لها داعيًا أو يظن أن الشعر يستحقها، أما أن يترك عشرات المدعوين صامتين بينما تُنشِد هي أربعة عشر بيتًا، مفروض أنهم لا يسمعونها ولا يحسونها، فعمل هو من الخرق بالمكان الأوسع، وكان الله في عون الممثلين! إن تحديث المرء نفسه نقمة في وسط الناس، لا يكون إلا جُمَلًا قصيرة أو ألفاظًا معدودة حتى لا يطول شقاء الباقين بما يضطرهم إليه ذلك من الصمت الطويل، ومن انقطاع تيار الحديث، ووقف تدفق الحوار، والحاجة إلى استئنافه على نحو جديد، ووصله من نقطة غير التي بته الشاعر أو الكاتب عندها، والأصل في مثل هذا الحشو — ونعني به تحديث المرء نفسه — أنه لا يمنع استمرار الحوار، كأن لم يحدث شيء يقطعه، ولم ينطق أحد بكلام يفصله ويصد تحدُّره، ولكن سخافات شوقي لا تنتهي.

‏وكما أخطأ شوقي حين جعل وفد الفرس يعرفون بعد ليلة واحدة من حضورهم أن تاسو عشيق الأميرة التي جاءوا يخطبونها لملكهم، كذلك أخطأ مرة أخرى حين جعلهم في هذه الوليمة يقول أحدهم عن تاسو أيضًا:

الحمد لله على

أن لم تحزه فارس

إذن لهامَتْ كاعبٌ

بحبِّه وعانس

‏ ‏‏ثم ماذا في هذا المنظر الذي لا تنتهي عجائبه؟ ثم إن نفريت التي صورها لنا الشاعر أقبح صورة، وأظهرها لنا خليلة فاجرة ترغم أباها على الرضى بفجورها ومسامحة خادمه التي اتخذته هي لنفسها شريكًا في إثمها — لم تكن كما صورها خيال الشاعر المخلط؛ فقد هَمَّ تاسو بذم نتيتاس، فرَدَّتْه نفريت وأثنت عليها وأكبرت تضحيتها، وقالت:

ألَمْ تصبر عن الوطن المفدى

وتسمح بالديار وبالشباب؟

‏والتي تعرف أن الوطن مفدى، وأن للديار حرمة، ليست هي التي يعقل أن تقول إنها لا تبالي أخسفت بمصر الأرض أم جف النيل، وغزا الفرس مصر وضاع الملك، ومع الملك كل ما لها في هذه الدنيا من عز ومتاع!

‏ثم يجيء الأقزام فيتوثبون ويتصايحون أن دوروا وارقصوا وكلوا واشربوا، ولا ندري أين يستطيعون أن يرقصوا والمنظر مكظوظ بالمائدة أو الموائد الملكية!

‏وأخيرًا ينطق الملك ليقول:

يا وجهاء الفرس قالوا لكم

مصر بلاد السحر والساحر

فربما سركموا أنني

أجيئكم بالساحر القادر

‏فيجيء حوتيب، ولأمر ما يرتاع القوم وما فعل شيئًا، ولا قال سوى:

‏ ‏سادتي إني في الكف

وفي الجبهة أقرأ

أنا أقرأ لك حظًّا

أنا أقرأ لك عمرًا

أنا الذي بسحري المبين

أستطلع المكتوب في الجبين

ومن غفلة شوقي أنه جعل قراءة «المكتوب في الجبين» منوطة بالسحر! وما هو السحر الذي يعرضه؟ بحث شوقي في جرابه فلم يُلْفِ به سوى المأثور من أيام فرعون وموسى عليه السلام، أيْ انقلاب العصا حيات! ثم طلب الساحر رأس واحد من ‏الضيوف يقطعونه عن بدنه ليرده إليه كما رد العصا عصا بعد أن قلبها حية تسعى، ويأبى المسكين شوقي إلا أن يجعل الساحر يتجه بهذا الطلب إلى الوفد:

جيئوني برأس يُقطَع

فإنني أرده

لجسمه وأُرجِع

فمَن مِن الوفد برأ

سه إليَّ يدفع؟

‏وأدعى من هذا الطلب المريب إلى الرثاء لعقل شوقي أن يورط رئيس الوفد في إحراج رجاله، فيضع على لسانه هذا البيت:

هل منكم يا معشر الفرس بطل

عن رأسه لساحر النيل نزل؟

فيخافون جميعًا ويقولون:

‏‏أحدهم:

رأسي غير هين
ثانٍ:
رأسي عمود بدني
ثالث:

رأسي لدي غالي

رأسي كل مالي

‏فيحكمون على أنفسهم بهذا الكلام الزري، ويكون شوقي هو الذي عرَّضهم لسخافة هذا الموقف، بما ورَّط رئيسهم فيه من مناشدتهم البطولة أن ينزل واحد منهم عن رأسه، ولمَ لا يتقدم هو — الرئيس مثلًا؟ ويقول فيهم فرعون:

حوتيب ما من أحد

هان عليه رأسه

انظر إليهم كلهم

عزت عليه نفسه

‏وينقلب الموقف زراية على الفرس الضيفان وتهكمًا بهم بلا أدنى مسوغ سوى سخافة شوقي، وبعد أن فر العازفات والراقصات يخرج الجمع ولا يبقى سوى نتيتاس، ومع أن نتيتاس ما قبلت أن تُزَفَّ إلى قمبيز في مكان نفريت إلا لتقي بلادها غضبه وتحمي وطنها غزوته، إذا ساءه أن تُرَدَّ خطبته وتُرفَض مصاهرته — ومع ذلك يحدث في ‏آخر هذه الوليمة العجيبة التي يحتفل فيها ملك مصر بوفد الفرس بعد إعلان قبول الخطبة، أن تنفرد نتيتاس فتقول:

أفيقي بنت فرعون

فما يزكو بك السكر

غدًا تذرو رياح الفر

س من موتاك ما تذرو

غدًا يصبغ من شط

لشط بالدم النهر

غدًا يهتك عن أربابك

المحراب والستر

‏فما هي الحكاية يا هذا المخلط؟ إذا كان ذهاب نتيتاس إلى فارس لا يدفع شر الحرب ولا يحمي مصر مصيبة الغزو؛ فلماذا قبلت أن تسافر بدلًا من بنت الملك؟ وفيمَ زعمت؟ وكيف صدقوا أن تضحيتها بنفسها إن هي إلا فداء للوطن؟ وإذا كان سفرها كفيلًا بأن يدفع هذا البلاء وكانت هي تعتقد ذلك — وإلا لما أقدمت على التضحية مباهية منتفخة الأوداج — فلماذا جعلها الشاعر في ختام وليمة التكريم تتنبأ بوقوع الشر وشبوب نار الحرب، وصبغ شطوط النيل بالدم، وانتهاك الأستار، وإزالة حرمة المحاريب والمعابد وخراب البلاد؟ أليس هذا الكلام أجدر بأن يكون بعد أن يقف قمبيز على سر الخديعة، فيَهُمَّ بغزو مصر انتقامًا وتأديبًا؟

‏إلى هنا ينتهي الفصل الأول، وسنحاول في فصل آخَر أن نريك بعض ما حُشِيت رواية شوقي به من سخف وتخليط وتلفيق.

(للكلام بقية)

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.