وإن شئت فقُل: فالدك روسو، وإن شئت فقُل: بونكاريه، وإن أحببتَ فقُل: جنبته، وإن لم يعجبك خطباء الفرنسيين فقُل: دزرائيلي، أو قُل: جلادستون، واختر من شئت من زُعماء الخطابة وأَعْلَام البيان، فأطلق اسمه على رئيس وزرائنا الرَّجل الطيب بشرط أن لا تختاره عربيًّا، ولا يونانيًّا، ولا رومانيًّا؛ فما ينبغي أن يُشبَّه رئيس وزرائنا بالخُطباء المُتقدمين، وما ينبغي أن يُقرَن الخطباء المتقدمون إلى رئيس الوزراء، إنما الخطباء الأوروبيون المُحدثون وحدهم هم الذين يُتاح لهم أن يطمعوا في مثل هذا الشرف العظيم فيُشبَّه بهم رئيس الوزراء أو يُشبَّهوا هم برئيس الوزراء!

فأمَّا غيرهم من الخطباء فحَسْبُهم أنْ يُشَبَّه بِهم زُعماؤنا الآخرون، أو أنْ يُشَبَّهُوا هم بِزُعمائنا الآخرين، فليكن رئيس وزرائنا الرَّجُل الطيب واحدًا من هؤلاء الخطباء الأوروبيين الذين ذكرناهم أو الذين لم نَذْكُرهم. وأكبرُ الظَّنِّ أننا نظلمه بهذا التشبيه ونغض من منزلته البيانية بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة التي لم يسمع الزمان مثلها من قبل، ولن يسمع الزمان مثلها من بعدُ إِلَّا حينَ يَخْطُب رئيس الوزراء في حزب الشعب، أو في مجلس من مجلسي البرلمان.

وإنا لنحاول واثقين بالعجز والإخفاق، وتحليل هذه الآية البيانية، وتيسير ما تعسر من أَمْرِها؛ ليفهم الناسُ بعض هذه المعاني العُليا التي هبطت على أهل الإسكندرية أمس، نُحاول ذلك فلا ندري بأي شيء نبدأ ولا إلى أي شيء ننتهي، وأبلغ الكلام وأبرعه ما لا يستطيعُ النقاد أنْ يأتوه من بين يديه ولا من خلفه، ولا أن يمسوه من فوقه ولا من تحته؛ فأنت إذا شِئْتَ أَنْ تتحدث عن خطبةِ رَئِيسِ الوزراء أنفقت الوقت والجهد واحتملت المشقة والعناء لتُحلل هذه العواطف الرَّقيقة الساحرة التي أراد رئيس الوزراء أن يعرب عنها لمواطنيه من أهل الإسكندرية، فأوجزها أبلغ الإيجاز في كلمات جامعة تحار فيها الألباب، وتتقطع دونها أعناق الخطباء.

فرئيس الوزراء قد نشأ بين الإسكندريين، ورئيس الوزراء قد درج على شواطئ البحر الزَّاخر الذي يغمر الإسكندرية بمائه الملح، ورئيس الوزراء حين نشأ بين الإسكندريين ودرج على ساحلهم الجميل قد ملأ قلوبهم حبًّا لهم، وإعجابًا به فامتلأت نفوسهم ثقة وأملًا، وفخرًا، وكبرياء.

ورئيس الوزراء لهذا كله لم يكد ينضم إلى حزب الشعب أثناء تكوينه، ولم يكد الإسكندريون يعلمون بذلك، بل يتسامعون به، حتى استيقنوا أنَّ الحزب خير كله، وبر كله، وأملٌ كله، ونَجَحَ كله؛ لأنَّ رئيس الوزراء ينضم إليه، ورئيس الوزراء قد نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل؛ لذلك أقبل الإسكندريون على حزب الشعب إقبالًا وانهالوا عليه انهيالًا، وانثالوا إليه انثيالًا؛ لتجمع بينهم وبين رئيس الوزراء صلة النشأة في الإسكندرية والاضطراب على ساحلها الجميل من جهة، وصلات المبادئ الحزبية والتعاون على خدمة الوطن من جهة أخرى، ولتكون العلاقات بينهم وبين رئيس الوزراء كأقوى ما ينبغي أن تكون؛ لأنه نَشَأَ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل؛ فهم يثقون بشخصه الضعيف.

والضعيف هنا معناها القوي، والضعيف هنا معناها الجذاب، والضعيف هنا معناها الذي يسحر العقول، ويملك القلوب، ويستهوي الألباب. فإن الأشخاص الضعفاء بالمعنى الصحيح للكلمة لا يملأون قلوب الناس ثقة، ولا يشعرونها حبًّا وإكبارًا، ولكنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الخُطَباء البَارِعين يَسْتَعْمِلُون المجاز والاستعارة، ويقصدون بالألفاظ إلى أضدادها؛ فيقولون الضعيف وهم يقصدون القوي، ويعلنون التواضع وهم يُسرون الكبرياء، فإن لم يفعلوا هذا وتكلموا كما يتكلم الناس فليسوا بالخطباء البارعين، وإنما هم خطباء من الطبقة الثانية أو الثالثة كزياد والحجاج لا من الطبقة الأولى كميرابو وجلادستون.

رئيس وزرائنا إذن قد نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، فلمَّا انضم إلى حزب الشعب انضم معه الإسكندريون، ولما أُلِّفت الوزارة أو أُلِّفت له الوزارة ألَّفَها معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل!

وما دام الأمر كذلك؛ فلا ينبغي أن يأتي عملًا حتى يأتيه معه الإسكندريون، أحبَّ صدقي باشا فأحبَّه معه الإسكندريون؛ لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، وخاصم صدقي باشا فخاصمه معه الإسكندريون لأنه نشأ في الإسكندرية ودرج على ساحلها الجميل، ولما أقاله صدقي باشا من الوزارة أقال معه الإسكندريين.

ولما استقال هو من حزب الشعب استقال معه الإسكندريون ولما رجع إلى حزب الشعب رجع معه الإسكندريون؛ فالإسكندريون ظِلٌّ له لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

وما دام الأمر كذلك فسيتبعه الإسكندريون حيثما ذهب وأينما وُجِّه، سيقومون إذا قام، وينامون إذا نام، ويحكمون إذا حكم، ويستقيلون إذا استقال. أتظن أن في الأرض بيانًا يُشبه هذا البيان، وسحرًا يُداني هذا السحر؟!

ورئيس الوزراء غير محتاج إلى أن يتحدث إلى الإسكندريين؛ لأنه غيرُ مُحتاج إلى أنْ يتحدث إلى نفسه، فهو الإسكندريون والإسكندريون هو؛ لأنَّه نَشَأَ في الإسكندرية ودَرَجَ على ساحلها الجميل، ولكنَّ في البلاد قَومًا مُعَارِضِينَ يتهمون صمته ويَظُنُّون به الظنون؛ فهو إن تحدَّث فإنما يتحدث إلى هؤلاء المعارضين ليلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل، ويضطرهم إلى الاعتراف بما كتب الله عليهم من الهزيمة والخذلان. ولولا ذلك لما تكلَّمَ، ولما أضاع وقته ووقت الإسكندريين الذين يحبونه ويثقون به؛ لأنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

ورئيس الوزراء قادر على أن يُهمل المُعارضين، ويكتفي بالإسكندرية التي لا يُعارضه من أهلها أحد، لولا أن قلوب الرجال الطيبين كبيرة، عظيمة، واسعة لا تملؤها مدينة ولا سكان مدينة، مهما يكثروا فهو إذن يُحب الإسكندريين، ولكنه يُفكر في المعارضين، ويعنيه أن يَتَحَدَّثَ عنهم وأنْ يتحدث إليهم، وقد فعل.

والغريب أنَّ المعارضين ما زالوا أحياء لم تصعقهم الصواعق ولم تمحقهم المواحق بعد هذه الخطبة التي أَصْلَتْهم نارًا حامية، لا تُبْقِي بعدها باقية.

وما رأيك في رَجُلٍ نَشَأَ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل، وملك من ثقة الإسكندريين ما ينتهي به من القوة إلى أقصاها، ثم وقف يخطب في الإسكندريين ليمحق المُعارضين، فلم يبلغ مما أراد شيئًا؟! أليس هذا دليلًا على أننا في آخر الزمان، وعلى أن الساعة آتية لا ريب فيها كما أن مفاوضات صدقي باشا كانت آتية لا ريب فيها؟!

ماذا؟! يقول رئيس الوزراء للمُعارضين إنه نهض بأعباء الحكم والظروف حرجة والأراجيف مطلقة، فكان من الحق عليه أن يطهر الجو؛ ولهذا لم يستطع أن يحل مشكلة من المشكلات، فيقول له المعارضون: ولكنك لم تطهر الجو، وإنَّما تركته يَزْدَاد فسادًا إلى فساد، تظهر فيه الفضائح إثر الفضائح، والمُخزيات إثر المُخزيات، وتَجْتَرِئ فيه الصحف والألسنة على الوزارة؛ فتسأل عن أعمال وأقوال كان ينبغي أن ترتفع الوزارات عن أن تسأل عنها.

ماذا؟! يقول للمعارضين إنه ماضٍ في مسألة الدَّيْن كما مضى صدقي باشا مُقاضيًا من ناحية، ومُفاوضًا من ناحية أُخرى، فيَقُول له المعارضون: وماذا كنتَ تُنكر على صدقي باشا إذن؟! وما الفرق بينك وبينه؟! وفِيمَ توليتَ الحكم مكانه ما دُمْتَ لا تزيد على أن تسير سيرته وتنفذ خطته؟!

ماذا؟! يقولُ للمُعارضين إنه سيحل مسألة الديون العقارية، ولكن لا بُدَّ له من الوقت ليلتمس الحلَّ الحاسم الذي لا يكلف الخزانة ما لا تُطيق، فيقول له المُعارضون: فأين هذا الحل الحاسم؟! ومتى أنت واصل إليه؟! وما سبيلك إلى تحقيقه؟! وما رأيك في أن المدينين مرهقون قد طال عليهم الأمد، وكاد يهلكهم الانتظار؟!

ماذا؟! يقص على المعارضين حكاية المحامين، فيقول له المعارضون: ولكن المحامين لم يذعنوا للقانون الذي أصدرته، وإنما أنكروه ورءوا أنْ لا طاعة لك عليهم فيه، تحدوا إنذارك فانتخبوا مكرمًا نقيبًا، وتحدوا قانونك فأبقوا مكرمًا نقيبًا، وأنت تنظر إليهم حيران لا تستطيع أن تتقدم، ولا تملك أن تتأخر، وأنت بهذا الموقف الشَّاذ الذي خلقته خلقًا، قد أطمعت الناس في السلطان، وشككتهم فيما ينبغي أن يكون له من الذكاء، والفطنة، والهيبة، والبصر بعواقب الأمور.

ماذا؟! يُريد أن يسكت، فيسأله المعارضون عن أزمة الزيارة للمندوب السامي ما خطبها؟ وكيف نشأت؟ وكيف حلت؟ ويسأله المعارضون عن قصة الكورنيش: ما خطبها؟ وإلى أين انتهت؟ وما موقف صدقي باشا منها؟ وماذا صنعت بالحق والعدل؟! وماذا صنعت بالقانون والدستور؟!

ويسألونه عن أشياء كثيرة لا يستطيع أن يُجيب عليها ولا أنْ يَقُولَ فيها؛ فيصدم المعارضين صدمة عنيفة، يظن أنها ستجعلهم رمادًا تذروه الرِّياحُ، ويُعْلِنُ إليهم أَنَّهم مُكَابِرُون وأَنَّه يحب المعارضة المنصفة، ولكن المعارضين يتلقون صدمته قاتمين باسمين، لم يُراعوا ولم يخافوا، ولم يأخذهم من صدمته شيء يُشبه الخوفَ أو الرَّوع، ثم يَنصرف بعد هذه الخطبة الرَّائعة البارعة رَاضيًا مسرورًا؛ لأنَّه قال للإسكندريين إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل.

أتشك بعد ذلك في أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب خطيب من الطراز الحديث، لا يُشَبَّهُ بزياد أو الحجاج، وإنما يُشَبَّه بميرابو أو فلدك روسو أو درزائيلي أو جلدستون؟!

نستغفر الله! بل هو أبرع من هؤلاء جميعًا؛ لأنَّ واحدًا من هؤلاء لا يستطيع أن يقول إنه نشأ في الإسكندرية، ودرج على ساحلها الجميل!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.