ومن الغريب أنْ يكون التعذيب بعض العيسويات! فليستْ إلى وزيرِ التقاليد ووزارتِه — في ظاهر الأمر — أعمالٌ من شأنها أنْ تدفع إلى التعذيب أو تُحرِّض عليه، إنما وزير التقاليد بحكم منصبه وبطبيعة هذا المنصب خليق أنْ يكون وزير رحمة ورفق، ووزير هداية ونور. فأمَّا الشدة والعنف، فأمَّا القسوة التي قد تنتهي إلى الظلم وقد تبلغ التعذيب، فأمور تُفهَم من الذين يجبون الضرائب، وإنْ لم تُبَح لهم، وهي تُفهَم من الذين يُصرِّفون أمور الإدارة ويُشْرِفون على ما يتصل بالأمن، وإنْ لم يُؤذَن لهم فيها، فأمَّا الوزارة التي تُعلِّم الناس وتُثقِّفهم، وتُكوِّن منهم مواطنين كرامًا يرتفعون عن الذل، وينأون عن النقيصة، ويتجنبون ما يمس المروءة، وينأون عما لا يلائم كرامة الإنسان فلا يمكن، ولا يُعقَل، ولا يُتصوَّر أنْ يصدر عنها التعذيب، ومع ذلك فنحن نتحدث عن تعذيب، ونتحدث عنه بعد أنْ قدَّمْنا بين يديه عنوان العيسويات.

ونحن واثقون كل الثقة، أو نحن نريد أنْ نَثِق كلَّ الثقة، بأن وزير التقاليد لم يأمر بهذا التعذيب، ولم يتقدَّم فيه إلى أحد، وبأنه سينكره أشد الإنكار — إذا علم به — وسيأمر بالتحقيق، وسيأخذ المعذبين في وزارة التعليم بما يستحقون من العقاب، ونحن من أجل هذا — ومن أجل هذا وحده — نكتب هذا الفصل، ونحن نرجو من وزير التقاليد أنْ يسمح لنا في غير حفيظة ولا موجدة ولا كبرياء، بل نرجو أنْ ينسى أنه وزير، وأنْ ينسى أنه كان مديرًا وإنْ لم يستطع أنْ ينسى مقالاته المشهورة «تبصرة وذكرى للرأي العام في أسباب رفَّتَيِ المبنى على التشفِّي والانتقام».

نرجو منه أنْ ينسى الوزارة والإدارة لحظة، وأنْ يذكر أنه كان قاضيًا وأنْ يسمع منَّا هذه القضيةَ، ويمضي فيها حكم الله وحكم القانون وحكم الذوق أيضًا؛ فهذا التعذيب لم يقع مع الأسف على الذين كُتِب عليهم العذاب من الرجال، أو الشبان المكلفين الذين يمكن أنْ تحتمل أجسامهم الضرب، وإنْ كان في غير حق، وأنْ يصبروا على الجوع، وإنْ كان بغير حق، بل أنْ يقع هذا التعذيب على الغلمان والصبيان، الذين إنْ لم يَجُزْ تعذيبهم الآن وهم في طور الطفولة والصبا، فقد يجوز تعذيبهم في الظروف الاستثنائية الشاذة حين يصبحون رجالًا! ماذا نقول؟!

بل إنَّ هذا التعذيب، لم يقع على النساء، ولا على الفتيات اللاتي ظنَّ عمر بن أبي ربيعة أنَّ الله لم يكتب عليهن الأجر الذبول … واللاتي يمكن أنْ يُظْهِر العهدُ الحاضرُ أنَّ الله قد كتب عليهن شيئًا آخرَ غير جرِّ الذيول، وأنَّ مما كتبه عليهن الضرب والجوع.

وإنما وقع هذا التعذيب على صبيَّات لم يبلغن بَعْدُ أنْ يَكُنَّ فتيات ولا نساء، وإنما هُنَّ زهرات تتفتح عقولهن للعلم، وتتفتح نفوسهن للفضيلة كما يتفتح الزهر لضوء الصبح وقطر الندى، وهن تلميذات في بعض المدارس الابتدائية، والغريب أنهن لم يُعذَّبْنَ لذنب اقترفنه أو خطيئة تورطن فيها، وإنما يُعذَّبْنَ لذنب جناه آباؤهن وخطيئة تورَّط فيها آباؤهن، وقد قال الله تعالى: ()، وقال الله تعالى: ().

وقد كان يُقال: إنَّ أَخْذَ البريءِ بذنب المسيء إثمٌ لا يستبيحه إلَّا الطغاة من أمثال زياد والحجَّاج، ونحن نَكْرَه لوزير التقاليد، ولعله يكره لنفسه، ولعل الظروف تكره له أيضًا أنْ يكون كزياد والحجاج.

تحدَّثَ إلينا أبٌ من الآباء بأنَّ له ابنتين في مدرسة العباسية الابتدائية للبنات، وبأنه لم يدفع مصروفاتهما المدرسيَّة إلى الآن؛ لأنه لم يستطع أنْ يدفع المصروفات ولأنه ينتظر فرج الله، وفرج الله قريب من غير شك، وهو قد عوَّد جماعةً من الناس بأنه يزورهم إذا انقضى شهر وابتدأ شهر، قال هذا الأب المسكين: فالمدرسة تطلب إلى ابنتيَّ وإلى غيرهما من الصبيَّات أداء المصروفات وهُنَّ يعجزن عن أنْ يؤدينها؛ لأن أداءها ليس إليهن، وإنما هو إلينا نحن الآباء البائسين المعسرين. قال هذا الأب: أفيُعاقَب البنات على عسرة آبائهن بالضرب، ويُعاقَبن بالحرمان، ويُصرَفن عن الغداء؟! أسمع وزيرُ التقاليد؟! أسمع مراقبُ تعليم البنات؟! أسمع رئيسُ الوزراء؟! صبيَّات يُضرَبن ويُصرَفن عن الغداء؛ لأن آباءهن لم يؤدوا المصروفات المدرسيَّة، ولم ينقضِ بَعْدُ على افتتاح الدراسة إلَّا وقت قصير، أفيريد وزير التقاليد أنْ يُنصِف وأنْ يرعى العدل والحق والذوق، ويعاقب الذين يضربون الصبيَّات ويحرمونهن الطعام لذنب لم يأتينه، أم يريد وزير التقاليد أنْ يكون لوزارته — كما كان لوزارة الداخلية — حظ من القسوة، ونصيب من التعذيب، وسهم في الطغيان؟!

أما بَعْدُ، فما ينبغي لوزير أنْ يصبر على التعذيب أو يغفره مهما يكن مصدره؛ لأن التعذيب إثم في البلاد التي تُحكَم بالقانون والدستور؛ فكيف بالتعذيب إذا صدر في غير حق، وكيف به إذا صدر في مدرسة، وكيف به إذا وقع على الصبيَّات؟!

لِيُفِقْ وزير التقاليد، وليأمر بتحقيق هذه القصة، وليجعل هؤلاء القساة الذين يعذبون البنات نكالًا لأمثالهم الذين يحتاجون إلى أنْ تُلقَى عليهم الدروس، وإلى أنْ يُبيَّن لهم ما يجوز وما لا يجوز …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.