اليوم يوم الاثنين ١٥ من شهر أغسطس، وهو عيد السيدة البتول، شفيعة الضيعة الصغيرة المطمئنة في حضن من أحضان لبنان. ولقد سمعنا في البكور ومن بعيدٍ الناقوسَ يدعو لذكر الله، وينادي أهل القرية والجيرة الأقربين للابتهاج بعيد البتول الطاهرة.

قمت وأولادي من النوم مبكرين، وطلبنا إلى صاحب المنزل أن يعد لنا ما نتزود به من الطعام، وأن يهيئ لنا سيارة إلى حيث يحتفي القوم بعيد البتول المطهرة.

ها هي السيارة تسير بسرعة، وتتلوى صاخبة في منحنيات الجبل، وها هي الرئات تمتلئ بالهواء الطلق المنعش المعطر بما ينبت الوادي الجميل، ثم رست بنا السيارة على مقربة من الكنيسة بعد قليل من الزمن، وفي ساحتها الضيقة نرى من هم من بائعي الحلوى والملابس والفاكهة والأحذية ولعب الأطفال وغير ذلك مما يُباع في هذه القرى ويُشرى، وها هم القوم، نساء ورجالًا وشيبًا وشبابًا وصبية، يلتفون حول الباعة، ويلتف بعضهم حول بعض ويتزاحمون بالمناكب، وها هي أصوات التراتيل وأنغام ما يصدر من الخوري وأعوانه تدوي في الكنيسة دويًّا، وها هم الناس يدخل داخلهم للصلاة، ويخرج بعد أدائها من يخرج وهم يتبادلون فيما بينهم بسمات وتحيات ودعوات.

ثم انتهت الصلاة، وفرغ القوم من واجباتهم نحو ربهم، وازدحمت بهم الساحة.

ها هو فتى صحيح البدن، مفتول العضل، مورد الخدين، يرتدي سروالًا جديدًا، ويتمنطق بحزام، وعلى رأسه لبدة من الصوف محمرة مصفرة، يشير لصاحب له ويصيح في حَمِيَّة بصوت مسموع: «اليوم يومك يا طنوس!» وها هو الفلاح «طنوس» الشبيه بصاحبه في زيه وهيئته يُخرج من جيبه مزمارًا من الغاب، ويتوسط القوم، وينفخ فيه نفخات تحول إلى نغم منسق، ثم يلتف الفتيان حول «طنوس» في أزيائهم الريفية، ويأخذ كل منهم بذراع صاحبه ويدورون على الأرض دورات منتظمة وهم يضربونها بأرجلهم راقصين رقصة «الدبكة» متوافقين مستبشرين هانئين.

اليوم يوم طنوس! ودار الراقصون ثم داروا، ونفخ الزامر وأشجى، وأخذت أتنسم من أفراحهم التي سرَتْ إلى قلبي موجاتها، ثم قلت في نفسي: حيَّا الله «طنوس وقومه! وحياةً لمن يذكرون عن خير أيام الدنيا هي التي تُقرِّب بين قلوب البشر في الفرح البريء؛ لتخفق تلك القلوب بما يفيد أن في الناس المحبة، وعلى الأرض السلام.»

ساعة عند نبع الدلبة

في كروان، وعند وادٍ سحيق من أوديتها المخضرة، ينحدر من أعلى الجبل يقال له: «نبع اللبن»، ويرى الناظر من ضيعة «فاريا» شلال هذا النبع ينصب فضي اللون مستقيمًا مسرعًا على صخور صلبة هائلة بعثرتها يد الطبيعة في الوادي بلا ترتيب ولا تنسيق، وحيث يسير ماء هذا النبع في المجرى مزهوًّا مرغيًا مزبدًا مرتطمًا على الأحجار، ترى ثمة عينًا صغيرة متوارية تعلو قليلًا عن المجرى الزاخر، وتصب فيه ماءها السلسبيل النقي رويدًا، ومن غير جلبة ولا ضجيج.

ويزعم أهل الرأي من الرعاة السذج ومن على شاكلتهم من الفلاحين، أن ماء هذه العين المنزوية المتواضعة صالح خفيف هاضم للطعام، ويقولون بما يخالف ذلك عن ماء النبع الصاخب ذي الدوي وذي الضجيج. ولعل الحق فيما يزعمون؛ فلطالما طُلب الخير عند المنعكفين المتوارين، وقلما كان عند المزهوين الصاخبين. وقد يقصد القاصدون إلى «نبع الدلبة» فيقر قرارهم في قهوة صغيرة، ويَرْوُون ظمأهم بجرعات مثلوجة من إبريق فخار صغير يُمْلأ من نبع الدلبة الحَيِي المُتواري، وهكذا يُمتِّع المرء بعض حواسه الظاهرة والباطنة عند هذا النبع المتواضع.

وعند نبع الدلبة صادفت يومًا اغتبطت فيه نفسي، وغمرتني إذ ذاك موجة من موجات السرور والمرح الحلال، وكان ذلك عند المساء، وفي قهوة صغيرة تتألف من أحجار رصتها يد الإنسان بعضها فوق بعض، فكان منها أربعة حوائط هيَّأت غرفتها ذات باب وطاقتين صغيرتين، وعُرِّشت من سيقان الشجر وفروعه الجافة، وامتدت أمام باب القهوة — الذي يطأطئ عنده الرجلُ الطويلُ قامتَه — سقيفة قوامها بعضُ الأصص، وحفرات تنمو فيها وَرْدٌ وشجيرات ونجوم من ذوات الأزهار والرائحة الزكية، وألقيت على الأرض التي لم تغفلها يد الكناس ورشاش الماء كراسي، ومقاعد من القش، وأخوِنة من الخشب.

قصدت قبيل غروب الشمس مع أولادي وأهلي وصحبة من أصدقاء الترحل والسفر إلى تلك القهوة، وكان حول خوانها الكبير جمع من أطفال الضيعة، ومعهم أخواتهم وآبائهم وأمهاتهم وجداتهم، ومدت على الخوان آنية فيه العنب والخوخ والتفاح، وغير ذلك من الفاكهة، وركام من الخبز، ومن ألوان شهية من الطعام.

حيينا الجمع فردوا التحية بأحسن منها، وتخلَّى لنا الأطفال عن كراسيهم، وانتحينا بها جانبًا، وسرعان ما امتدت أيدي الرجال والنساء إلى مأكلهم، فتلمسوا أطيبه، وشطروا لنا منه شطرًا كبيرًا، وسرعان ما التف صبيتنا بصبية من نجهل أسماءهم وهُويتهم، وتعارف بصبيتنا وصبيتهم آخرون من أناس آخرين، وترك صغار أصحاب القهوة ما خصصوا له من المحل ليجتمعوا بأشباههم من الأطفال، وأخذوا يلعبون ويمرحون جميعًا والهواء منعش عليل، والطبيعة ترسل إلى النفوس معاني النشوة والطرب.

ونقر الناقر على الطبل لجمع هؤلاء المتنزهين القرويين، ونشد المنشدون أزجالًا يردد الجميع نهايتها، ثم تزايدت وارتفعت موجات الطرب، ثم شملت الشيوخ والشباب، وأهل الرزانة، وأهل المرح، ثم أرسل صاحب القهوة أغنية من الزجل المرتجل، وتلطف في نشيده وزجله، فحيانا في رقة وكرم، والماء ينحدر مُدَوِّيًا، والأفئدة تنفجر بالسرور، والجمع يردد من دوي التلال الصاخب وخرير الماء المنحدر نهاية الأناشيد …

فاريا تأتي الجنة

دعنا نغني للأصياح

والطبيعة ترسل إلى دمائنا ما يخلصها من كُدورة الحياة، وأنامل الناقر تضرب في الطبل، والرنات تعب الهواء النقي وتردد:

دعنا نغني للأصياح

وموجات اللهم، ها هي الطبيعة الجميلة ترسل إلى قلب الإنسان عن سبيل نسيمها المنعش، وهوائها الصافي، راحة ومتاعًا حلالًا، فهي تدفع إلى النفس بزهيد الثمن كل ما يهيئ النفس للنعيم والهناء، فالزهور الغضة، والأودية الرائعة، والعيون المتفجرة الجارية، والجداول الصافية، والأشجار الباسقة، والأعشاب الأرجة، كل ذلك يدعو بلسان صادق ناطق بأن الطبيعة البريئة في تقريب بني الإنسان بعضهم من بعض حين يجمعهم حجر ما خلقت إلا من جمال الوجود وجلاله.

فليفزع قادة الشعوب وزعماؤها إلى أحضان أمهم الطبيعة، وليتلاقوا في جميل بقاعها كلما أفسدت الإحن والحياة الاجتماعية دماءهم، وكشرت عن أنيابهم للتنازع والقتال. إنهم ثَمَّ يجدون ما ينشدونه من معاني المحبة والسلام، وعسى أن يكون لبقاع لبنان ما ينبغي أن يكون للبقاع الجميلة من هذه الأثرة!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.