هذه خارقة جديدة في العصر الذي يَتخذ من إنكاره لخوارق العادات غرورًا يباهي به أبناء العصور الغابرة!

وكأنما تتعمد المقادير أن تُنْحِي عليه بالسخرية من هذا الغرور، فلا تمضي فترة من سنة حتى تطلع عليه بأعجوبة جديدة من أعجب خوارق العادات.

فتاة تصبح فتًى، وفتًى يصبح فتاة، وصبي في السادسة يبلغ مبلغ الرجال وطفلة في الثانية تبلغ مبلغ النساء.

وهذه هي الخارقة الأخيرة التي قرأتها في أخبار اليوم.

وفائدتها العلمية يتوفر عليها أطباؤنا وعلماؤنا المختصون، ونرجو أن يظفروا منها بفائدة للعلم في مصر وفي العالم بأسره.

وأما فائدتها العامة، فهي توسيع العقول المتحجرة على قدر ما عندها من الجهل والغرور، ونعني بها تلك العقول التي لم تستفد من علوم القرن العشرين إلا ضيقًا في الإدراك وعجزًا عن التفكير الصحيح يحبسها في زاويتها المظلمة التي تسميها «المعرفة الواقعية» والتجربة العلمية، وهي لا تعرف ولا تجرب إلا على السماع أو على تقليد كتقليد الببغاء.

هذه الخارقة تعلم من يفتح منافذ عقله أن حصر الحقيقة في المألوفات تعطيل للعقل وحجر على التفكير.

فالمألوفات نفسها معجزة لو وقعت مرة واحدة ولم تتكرر أمام أعيننا، ولو أننا رأينا أذنًا تباشر عملية السمع مرة واحدة لكانت عندنا بحق إحدى خوارق العادات، التي لم نسمع بها قبل الآن.

يا حضرات المؤمنين «بلا» على السماع.

إن «لا» على السماع أغبى من أختها «نعم» في ميزان العقل العامل المستقل. وسيفهم هذا الكلام كل إنسان إلا مساكين العقول.

ومساكين العقول الذين يرثى لهم في عصرنا هذا هم سجناء «المألوفات» وصرعى الغرور.

خط اليد

آية أخرى على أن الكتابة الخطية من أساليب الدماغ لا من أساليب اليد التي تقبض على القلم.

ففي هذه الأيام الأخيرة وصلت إلي رسالتان عرفت خطهما على الغلاف من النظرة الأولى، بعد انقطاع الرسائل من صاحبهما زهاء عشر سنين. (كانت الرسائل من صديق العقاد المرحوم الشاعر عبد الرحمن شكري الذي توفي بمدينة الإسكندرية قبل العقاد بسنوات ورثاه العقاد بقصيدته الخالدة التي كان مطلعها:

بعد إبراهيم «شكري» اليوم أودى

قرب الرحل لقد قاربت جدَّا

قرب الرحل ورحب بالنوى

التوى في العيش أن تمسي فردَا

ديوان «ما بعد البعد» للعقاد ص٨٢).

وليس هذا موضع الملاحظة …

موضع الملاحظة أن الرسالتين مكتوبتان باليد اليسرى؛ لأن اليد اليمنى عاقها عائق في الوقت الحاضر يعطلها عن الحركة وعن الكتابة بصفة خاصة.

وفي هذه الملاحظة درس للذين يقارنون بين الأعمال اليدوية والأعمال الفكرية ويقولون: إنهما بمنزلة سواء في ملكات الإنسان.

فحتى الخط لا يصدر من اليد التي تكتبه، بل يصدر أولًا من الرأس الذي يملي على اليدين.

عيد ميلادي

الثامن والعشرون من شهر يونيو، يوم ميلادي الذي أعلنه الآن، لأنه قد مضى عليه ثلاثة أيام.

وكنت إلى سنوات قريبة لا أعلم أنني ولدت في مثل هذا اليوم، ولا أذكر إلا أنني ولدت في شهر يوليو كما جاء في شهادة الميلاد التي قدمتها منذ سنين مع أوراق «الاستخدام».

فلما تحريت الحقيقة — عرضًا — علمت أنني كُتبت في دفتر المواليد بعد ثلاثة أيام في حدود التأجيل المسموح به للدايات وإلا عوقبت على التأخير.

وأبقى ما في هذه الذكرى عندي أنني علمت أن الذاكرة قد تكون أصدق من الدفاتر المحفوظة في السجلات؛ لأن السيدة الوالدة — رحمها الله — صححت لنا ذلك التاريخ المكتوب شهرًا ويومًا وساعة ومناسبة من مناسبات ذلك الحين، ولكنها صححته بالشهر العربي وعارضناه على الأشهر الميلادية فإذا هو مطابق للحقيقة بالجملة والتفصيل.

وليس من عادتي أن أحتفل بهذا اليوم وليس من أصحابي من يعلم به إلا آحادًا معدودين، وقد أنساه حتى تصل إلي باقة أو برقية من بعض أولئك الأصدقاء الأوفياء يذكرونني أنني ولدت والحمد لله.

ولم أنسه هذه السنة على حسب العادة في أكثر السنين، فلما ذكرته سألت نفسي عند مسائه: ماذا في يديك اليوم من تلك السنين؟

ظلال من لياليه وأشعة من أيامه، وحياة تذكر أو تنسى فلا تزيد على نسيج من ظل وشعاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.