أمَّا أنَّ في مصر نظامًا مستقرًّا فأمر لا سبيل إلى الشك فيه، ولولا ذلك لما غاب رئيس الوزراء عن مصر، ولما فرغ قلبه للقاء عظيم إيطاليا واستقباله وزيارة المتاحف والآثار والانتقال بعد ذلك إلى حيث يستريح أو ينتظر الأقدار. وأمَّا أنَّ هذا النظام دستوري كأحسن ما تكون النظم الدستورية وديموقراطي كأكمل ما تكون النظم الديموقراطية يأمن معه الناس على الأنفس والأموال، وعلى ألوان الحريات كلها، وحرية التفكير والقول والكتابة والقراءة بنوع خاص، فأمر لا سبيل إلى الشك فيه أيضًا. وآية ذلك أن من شك في شيء من هذا فأمره إلى النيابة والقضاء، وإلى الإدارة قبل النيابة والقضاء. ولست أعرف دليلًا أنصع، ولا برهانًا أسطع، من القوة التي تكره الناس إكراهًا على أن يؤمنوا بما لا يستطيعون أن يؤمنوا به لو تركوا أحرارًا.

نحن إذن هادئون وادعون قد خضعنا للنظام واطمأنت إليه أجسامنا وقلوبنا وعقولنا. وأظن أني قد أرضيت رئيس الوزراء بعد هذا الاعتراف الصريح بما يحب أن نعترف به ونؤمن له. وأظنني أستطيع بعد ذلك أن أتحدث فيما أشاء من أمورنا العامة دون أن يكون لرئيس الوزراء عليَّ سبيل.

وفي نفسي مسألة تشغلني منذ أيام، بل منذ أسابيع، بل منذ نهضت هذه الوزارة القائمة بالأمر؛ وهي أن حظ حكومتنا من الذوق بعيد عن أن يحقق الأمل ويرضي الحاجة، ويحسن فيها رأي الناس. ومن الواضح أن الذوق أمر كمالي يصح أن تأخذ منه الحكومة بالقليل والكثير ويصح أن تنبذه الحكومة نبذًا، وأن تدعه للمتحذقين المترفين من المصريين والأوروبيين، دون أن يكون لذلك أثر في استقرار النظام وملاءمة الدستور لحاجة البلاد وطاقتها. وإذن، فنستطيع أن ننقد حظ الحكومة من الذوق دون أن نسخطها أو نغيظها أو نثير غضب النيابة أو نضطر إلى مجلس القضاء.

الذوق شيء كمالي إذن، وهو أسلوب من أساليب الحضارة، وفن من فنون الترف الذي ينشأ عن الرقي في العلم والتربية والأخلاق، وعن تهذيب الشعور وتصفية الطبع وتعديل المزاج. والذين يحبون هذه الخصال كلها يجتهدون في أن يكون لهم منها حظ، فإن لم يوفقوا خدعوا أنفسهم أولًا، وخدعوا الناس بعد ذلك عن أنفسهم، وظهروا مظهر المهذبين المشذبين، الذين قد استكملوا نصيبهم من الذوق حتى أصبحوا فيه القدوة التي لا تشبهها قدوة، والمثال الذي لا يشبهه مثال. ومن أخص مظاهر الذوق فيما يقول المترفون المتحذقون ألا تظهر الفرح إذا كان الناس من حولك مأزومين، وأن تجتهد ما استطعت في ألا تؤذي الناس، ولا سيما حين يكون أمرهم إليك، وحين تقوم منهم مقام رئيس الوزراء.

كذلك يقول أصحاب الترف والمتحذقون. وهم جميعًا يعلمون أن رئيس وزرائنا لم يمتز من غيره بالذكاء وحده ولا بالفطنة وحدها، ولا باللباقة وحدها ولا بالحزم وحده، وإنما امتاز بخصال أخرى إذا اجتمعت إلى هذه الخصال — التي ذكرتها آنفًا — جعلت من رئيس الوزراء رجلًا كاملًا بالمعنى الذي كان يفهمه من الرجل الكامل أفلاطون وأرسطاطاليس. امتاز رئيس الوزراء بالظَّرف فيما يأتي من حركة، وخفة الروح فيما ينطق به من لفظ، وامتاز فوق هذا وذاك بالذوق في جميع أقواله وأعماله.

وآية ذلك أنه على كثرة ما يثقله من أمور الدولة، لم يقصر يومًا من الأيام في ذات الأصدقاء والأولياء والزملاء؛ فهو يشاركهم فيما يختلف عليهم من أحداث الحياة حلوها ومرها، وهو يودعهم إذا سافروا، ويزورهم إذا عادوا. وهو يسلك في ذلك طريقًا لم يسلكها رؤساء الوزارات الذين سبقوه إلى تصريف الشئون في هذا البلد السعيد به، العزيز بحكمه. أولئك الرؤساء كانوا يسرفون في المجاملة أحيانًا فيواسون الأصدقاء بأنفسهم، ويودعونهم بأنفسهم، ويهنئونهم بأنفسهم. ولم يكن هذا الإسراف دليلًا على استقامة الذوق ولا اعتدال المزاج، فرؤساء الوزارات ناس من الناس، ولكنهم ممتازون، يجب أن يعرفوا لمكاناتهم أقدارها، وألا يبتذلوا أنفسهم بكثرة التهنئة والتعزية والتوديع والتسليم. وإنما الذوق المستقيم والمزاج المعتدل في ذلك أن ينصرف رئيس الوزراء إلى أعمال الدولة، وأن يرسل عاملًا من عمال مكتبه لتوديع وزير إن سافر مهما يكن هذا الوزير وتعزية صديق أو نصير إن ألم بهذا الصديق أو النصير مكروه. كذلك يفعل رئيس الوزراء. وسنرى بعد أن يستقيل من فيشي أو من القاهرة، أتمضي هذه السُّنة في خلفائه أم يعود هؤلاء الخلفاء إلى السُّنة القديمة التي مضى عليها رؤساء الوزارات من قبل!

رئيس وزرائنا إذن مثال للذوق المستقيم في مصر، ولكنه لم يكد يرتحل عنا حتى ساءتنا منه أشياء نخشى أن يتعرض معها ذوقه الكامل لشيء من النقد الخفيف أو الثقيل.

أول هذه الأشياء: رحلته. والناس عن الرحيل في شغل بما هم فيه من فقر وضيق. ستقول: ولكن الوزراء قد سبقوه إلى السفر! وأجيبك: وقد سبقه كثير من الموظفين؛ وسيسافر بعده وزراء وموظفون آخرون. ولكن لا تنسَ قول الشاعر القديم:

إذا كان رب البيت بالدف مولعًا

فشيمة أهل البيت كلهم الرقص

وكان الحق على رئيس الوزراء لذوقه وذوق زملائه، وذوق الموظفين، أن يضرب نفسه مثلًا لهؤلاء جميعًا، فيصبر على القيظ في هذه السنة التي يصبر فيها الناس على الجوع. وأنا واثق بأن رئيس الوزراء كان يريد أن يفعل هذا؛ لأن ذوقه السليم كان يأمره به ويضطره إليه. ولكن أعباء الحكم تخرج الرجل أحيانًا عن طوره، وتورطه فيما لا يقره الذوق. ورئيس الوزراء لم يسافر رغبة في السفر ولا حبًّا في الراحة، ولكنها سياسة الدولة فرضت عليه في آخر لحظة — بعد أن رفض الإنجليز مفاوضته في هذه الأيام — أن يزور مدينة القياصرة؛ ليلقى موسوليني، وليتشرف بلقاء جلالة الملك وقداسة البابا. وإذا تعارضت سياسة الدولة والذوق، فالسياسة فوق الذوق من غير شك. ومن كان في روما واحتاج إلى الراحة في فيشي فلا جناح عليه أن يستريح! نعم، ولكن الناس طوال الألسنة لا يريحون ولا يستريحون، وهم كالثعلب الذي لم يستطع أن يبلغ العنب فوصفه بأقبح الأوصاف. لم يستطع هؤلاء الناس أن يحتجزوا لأنفسهم أجنحة خاصة في السفن، ولا أن يهيئوا لأنفسهم استقبالات فخمة في نابولي، ولا أن يقيموا لأنفسهم مدينة القياصرة ويقعدوها، ولا أن يظفروا بمأدبة موسوليني وعطف جلالة ملك إيطاليا وبركة قداسة البابا. لم يستطيعوا من هذا شيئًا، واستطاعه كله رئيس الوزراء، فهم يحسدونه وينقمون منه ويلهجون به، ويقولون: أسرف رئيس الوزراء في ماله إن كان قد أنفق على هذه الرحلة من ماله الخاص، ومن الحق عليه أن يضرب نفسه مثلًا للناس في الاقتصاد والاعتدال. وأسرف رئيس الوزراء في مال الدولة إن كان قد أنفق على رحلته من مال الدولة؛ فالدولة فقيرة في هذه الأيام، وليس من الرفق بها ولا من العطف عليها أن يحملها رئيس الوزراء مثل هذه النفقات، على حين هي مضطرة إلى الاقتصاد من مرتبات صغار العمال. ويغيظهم من أمر هذه الرحلة ما أعلن من وصف المأدبة التي أقيمت لرئيس الوزراء في دار المفوضية المصرية بروما. والمأدبة الأخرى التي أقامها رئيس الوزراء لموسوليني. فإن في هذا الوصف ما يغيظ ويغري في وقت واحد، إسراف في الترف، وغلو في التأنق، وأزهار كأنها لم توجد في روما فتستحضر خاصة في جنوى، وكل هذا على حساب الدولة من غير شك. والناس هنا يلقون ألوان البؤس، ومنهم من يأرق الليل كله؛ لأنه لا يدري ماذا يصنع ليطعم أبناءه إذا كان الغد. وإذا لم يكن بد من هذا الإسراف، ومن استحضار الأزهار من جنوى في الوقت الذي تنشر فيه الجريدة الرسمية أكثر من ألف حجز في أسبوع واحد على صغار الناس وكبارهم. فقد كان الذوق يقضي ألا يتأرج عطر هذه الأزهار حتى يصل إلى مصر، وألا تعلن كل هذه الأخبار في الصحف. فإن للمصري كغيره من الناس عقلًا يفهم به، وقلبًا تضطرب فيه ألوان الشعور المختلفة. ومنها أنه لا يجوز أن تنفق الأموال على هذا النحو، حين تجد الحكومة أقسى ألوان العناء في جبايتها ويخضع الفلاح لأشنع الصروف والمحن في أدائها.

والناس لا يقفون عند هذا الحد من النقد بل هم يتجاوزونه إلى شيء آخر ليس عليهم فيه ذنب، وإنما الذنب على الصحف. فالصحف تنشر لهم في كل يوم أخبار رؤساء الوزارات حين يتزاورون وينتقلون من عاصمة إلى عاصمة، فلا تثار حولهم هذه الضجات العنيفة التي أثيرت حول رئيس الوزراء حين زار روما، ولا تشغل بهم الصحف كما شغلت برئيس الوزراء حين زار روما. ونحن نقرأ من حين إلى حين انتقال مكدونلد إلى باريس؛ هربوا إلى لندرة فلا نرى أن الصحف تعنى بما يقام لهما أو يقيمان من ولائم وبما يحضر لهما أو يحضران من أزهار، وإنما تعنى الصحف بأحاديثهما السياسية وجهودهما لخدمة فرنسا أو إنجلترا.

وشر من هذا أن هذه الأخبار التي تذاع عن رئيس الوزراء في رحيله وإقامته لا تضحك المصريين وحدهم، بل تضحك الأجانب أيضًا؛ لأنها تترجم لهم في الصحف الأجنبية كل يوم فيتفكهون بها إذا خلا بعضهم إلى بعض في المساء. وهم في حقيقة الأمر لا يضحكون من أمر خاص برئيس الوزراء وحده؛ ولا يتفكهون بأمر خاص برئيس الوزراء وحده، وإنما يضحكون من المصريين جميعًا ويتفكهون بهم جميعًا.

ويقولون: ما أبعد هذا الشعب عن العزة والحرية! ولو قد كان عزيزًا حرًّا لما رضي أن تنفق أمواله على هذا النحو ومثاله من أنحاء الإسراف. يقولون: ما أقل حظ هذا الشعب من الذوق، وما أخلقه أن يكون محدثًا! ولو قد كان على شيء من الذوق، ولو قد كان بعيد عهد بالحياة السياسية؛ لما قبل أن تهزأ به الصحف إلى هذا الحد، فتنشر له هذه الأخبار معتقدة أنه سيقرؤها وسيجد فيها متاعًا ولهوًا! كذلك يقول الأجانب.

أما المصريون فيقولون مثل هذا إذا خلوا إلى أنفسهم. يضحكون من هذه الأخبار ويسخرون من الصحف التي تنشرها، ويستحون من الأجانب الذين سيقرءونها. ولكن ماذا يصنعون والنظام مستقر والدستور قائم، والحريات مكفولة والقول مباح لكل إنسان؟ ماذا يصنعون؟ ولمَ يصلحون ذوق الحكومة، وقد عجزوا عن إصلاح سياستها الداخلية والخارجية وعن إصلاح إدارتها وعن أخذها بأن تكون حكومة مصرية لا حزبية؟!

المصريون يصبرون على ذوق الحكومة كما يصبرون على سياستها، وعلى إدارتها وعلى بقائها في مناصب الحكم. والغريب من أمر هذا الاعوجاج في الذوق أنه قد عمَّ حتى تناول الذين يتصلون بالحكومة من قريب أو بعيد، فلا يكاد وزير من وزراء الدولة المسافرين ينتقل أو يتحرك أو يتكلم حتى تهتز أسلاك البرق بما فعل أو قال، ولا يكاد سفير من سفراء الدولة يأتي شيئًا من الجِد القليل أو السخف الكثير حتى تفيض الصحف بجِده وسخفه. وقل مثل ذلك في وكلاء الوزارات وكبار الموظفين وصغارهم، والذين يمثلون مصر في المؤتمرات، والذين ينجحون في أداء الامتحانات! أخبار هؤلاء جميعًا تنشر في إطناب وإسهاب مع ما يليق من المبالغة التي يراد بها خداع الناس، والعبث بالعقول. ما أشد حاجة مصر إلى أن تنشأ فيها مدرسة للذوق يتعلم فيها الموظفون ورجال السياسة — ولا سيما جماعة من الوزراء والمستوزرين — ومن النواب والشيوخ والذين يرشحون أنفسهم لمجلسي النواب والشيوخ! وإلا فما رأيك في هذا النائب المحترم الذي لم يمنعه ذوقه من أن يكتب باللغة الإيطالية التي لا يتكلمها ولا يفهمها فصلًا ينشر في صحيفة إيطالية ثناءً على رئيس الوزراء، بينما رئيس الوزراء في روما والصحف الإيطالية نثني عليه بما شاء وما لم يشأ؟!

أترى هذا النائب لو تخرج في مدرسة الذوق هذه كان يمضي باسمه في صحيفة إيطالية فصلًا كتب في لغة لا يفهمها ولا يتكلمها؟ وأمثال هذا النائب كثيرون تلقاهم في مصر وتلقاهم في الشرق، وتلقاهم في الغرب وهم يدعون لبلادهم دعاية سيئة، لا لأنهم يريدون السوء؛ ولكن لأنهم يضطرون إليه اضطرارًا ويدفعهم إليه أنهم لم يمروا بمدرسة الذوق.

لقد قرأت منذ أسابيع فصلًا نشره وكيل لمجلس النواب كان مستشارًا فيما مضى من الزمان، فأصبح زعيمًا سياسيًّا في هذه الأيام. قرأت هذا الفصل الذي كتبه صاحبه ينقد فيه سياسة المعارضين، فهممت أن ألفت إليه رئيس الوزراء، لا لأن فيه إسرافًا في الشتم أو إقذاعًا في الهجاء، فذلك شيء لا يلتفت إليه الآن؛ بل لأن الصحيفة التي تنطق بلسان الوزارة والبرلمان وتمثل أذكى الناس وأكفأ الناس وأظرف الناس، لا ينبغي أن تذكر الكوستليتة والفطير باللحمة وحلاوة النوجا، ولو أن الزعيم المستشار وكيل مجلس النواب قد مر بمدرسة الذوق هذه لعرف أن مثل هذه الألفاظ إن جازت لبعض الصحف فهي لا تجوز لصحيفة الحكومة والبرلمان، وإن أبيحت لبعض الناس فهي لا تباح للزعماء الذين يكتبون في السياسة العليا.

مدرسة الذوق هذه ضرورة من ضرورات الحياة الجديدة في مصر؛ ذلك لأن النظم تتغير من وقت إلى وقت، والحكم يتنقل في البيئات، وتمثيل الشعب يوكل مرة إلى أولئك ومرة إلى هؤلاء. وكثير من أولئك وهؤلاء لا عهد له بالحكم ولا بتمثيل الشعب، ولا بما يحتاج إليه هذا وذاك من الظَّرف والذوق. ولكن من ذا الذي ينشئ هذه المدرسة؟ أرجو أن لا تفكر الحكومة القائمة في إنشائها؛ فإني أخشى إن فعلت أن تأتي على ما بقي في مصر من الذوق السليم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.