لما تلقت الدول خبر تعليمات إنكلترا إلى الأمير بوشان سيمور بأن يضرب الإسكندرية إذا اضطر إلى ذلك لمنع تحصين القلاع أو لحماية رعايا جلالة الملكة، فأنذر الأمير حكومة مصر بضرب القلاع في صباح ١١ يوليو؛ صُدم مؤتمر السفراء في الآستانة صدمة عنيفة يصح أن يقال إنها أطارت صوابه. ولكن وزارات خارجيات الدول وقع منها خبر ذلك الإنذار وقعًا متباينًا مختلفًا، فألمانيا والنمسا عدت عمل إنكلترا اضطراريًّا لم تكن لها مندوحة عنه، واستاءت إيطاليا استياءً لم تعلنه. أما قيصر روسيا فإنه أعرب عن اشمئزازه من «هذه الطريقة الإنكليزية»، وأيقنت فرنسا أن إنكلترا أقدمت على ذلك لتضمن لجيشها مركزًا يقدم منه على الفتح الذي انتوته.

أما السلطان عبد الحميد، فإنه احتج احتجاجًا شديدًا، ووصف عمل الإنكليز بأنه مناقض للحقوق الدولية ولا مصوب له؛ لأن أعمال التحصين في قلاع الإسكندرية كانت قد أُوقفت بأمره.

فكل دولة من الدول ردت على إنكلترا بما يتفق مع ميل سياستها هي على النحو الذي ذكرناه، إلا فرنسا فإنها لزمت الصمت ولم ترد على البلاغ الإنكليزي بأية كلمة. وكان ردها بالامتناع عن الاشتراك معها وبإصدار الأمر إلى الأميرال كونار بأن يتجه بأسطوله إلى بورسعيد للسهر على صيانة القناة، وأكبر معنى لذلك أن رئيس وزارة فرنسا لم يشأ أن يمس الاتفاق مع حكومة الملكة فكتوريا.

وفي ١٣ يوليو؛ أي بعد يومين من ضرب الإسكندرية، أبلغت إنكلترا الدول «أنها تعلق أهمية كبرى على اتفاق الدول الأوروبية» وأرادت بذلك أن تقرها الدول على ما فعلت.

أما التعليمات التي صدرت إلى السفراء في الآستانة فكانت سياسية، فبعض الدول رأت أنه لم يبقَ من وجه للعمل بقرار ٦ يوليو، بل بأي وجه كانت الدول تطلب من الباب العالي إرسال جنوده إلى مصر إذا كانت إنكلترا قد تفادت فجأة عن ذلك؟ وإذا هي طلبت ذلك بعد ضرب الإسكندرية تنفيذًا لقرار ٦ يوليو، فلا تكون نتيجة هذا الطلب الرفض، فالأفضل إذن وقف المفاوضات، وأن تستعيد كل دولة حريتها. ولكنهم عادوا إلى الاتفاق بأن يبلغوا الباب العالي مذكرة يوليو، فلما وصل البلاغ إلى الباب العالي في ١٥ يوليو، عاد عن رفضه الأول وأعلن اشتراكه في المؤتمر.

وقال في رده بتاريخ ١٩ يوليو إنه وثق بعزم الدول على إعادة النظام وصيانة سيادة السلطان على مصر، وأنه يشترك في المؤتمر لضمانة عودة النظام إليها. ولكن هذا القول جاء متأخرًا، وتحولت كل الهمم إلى صيانة قناة السويس؛ لأن البدو كانوا يهددونها، فأرسلت إنكلترا إلى الجنرال سيمور بأن يرسل السفن للطواف بالقناة، وأرسلت فرنسا مثل هذه الأوامر للأميرال كونار الذي وقف بأسطوله في مياه بورسعيد. وهكذا رجعوا إلى مؤتمر السفراء بمذكرة أمضتها فرنسا وإنكلترا، وقالتا في مذكرتيهما بتاريخ ١٩ يوليو: إن مسألة القناة وإن تكن متصلة بالمسألة المصرية، إلا أنها منفصلة عنها؛ لهذا تطلبان مع تركيا من المؤتمر أن يَكِل إلى الدول التي تقوم بحماية القناة صيانتها من أن تعطل.

ولما وصل طلب إنكلترا وفرنسا إلى مؤتمر السفراء أحيل إلى الدول، فأجابت ألمانيا أنها توافق على أن يتباحث السفراء بالأمر دون أن يعطوا أحدًا انتدابًا، ولكل دولة أن تفعل ما يعنُّ لها في هذا الشأن.

وانضمت إلى رأي ألمانيا روسيا والنمسا؛ لأن مؤتمر السفراء اجتمع ليطلب من تركيا إرسال جنودها إلى مصر، لا لأمر آخر. فلما تلقت فرنسا وإنكلترا هذا الجواب، أبلغت الباب العالي أنهما تقومان بهذه المهمة — مهمة حماية قناة السويس — مع الدول التي تشاء الانضمام إليهما. وفي اليوم ذاته فتح البرلمان الإنكليزي لحكومته اعتمادًا بمبلغ مليونين و٣٠٠ ألف جنيه، وفتح البرلمان الفرنساوي لهذا الغرض اعتمادًا بمبلغ ٩٤١ ألف فرنك؛ أي ٣٧٦٤ جنيهًا. وكان التعليل الذي عللت به طلب الاعتماد الكبير «اتخاذ المعدات العسكرية إذا دعت الضرورة للتدخل بشئون مصر»، وأما البرلمان الفرنساوي فقد فتح الاعتماد الصغير للإنفاق على حماية القناة.

***

والآن ندع أولئك السفراء في مؤتمرهم الذي فشل، لنعود إلى مسلك الحكومة الإنكليزية التي قال قنصلها منذ الساعة الأولى إن حكومته ليست مرتبطة بأي قرار تقره الدول، وإذا كانت قد تأخرت عن تنفيذ إرادتها، فلأنها كانت تريد التخلص من فرنسا التي شبهتها صحف الإنكليز يومئذٍ ببقايا باخرة محطمة تتعلق بسفن سليمة.

والظلم مهما كان كبيرًا، فإن للحق على قلب الظالم صولة، فلهذا يحاول المعتدي أن يغتصب من الحق قوة أو ستارًا أو حجة لعمله.

فماذا عملته إنكلترا؟ إن الأميرال بوشان سيمور وجد الحجة بقوله إنه اكتشف فجأة أن المصريين يحصنون قلاعهم، وأنهم ينصبون بطاريات جديدة يوجهونها إلى سفنه في مراسيها، وكانوا يعرفون في أوروبا أن الوقت قد حان لتعمل إنكلترا عملها، بدليل أن الموسيو فرسينه كتب إلى الموسيو دي فورج في ٤ يوليو يقول: «إنه لا يدهشني أن أرى إنكلترا غدًا تقدم على ضرب الإسكندرية إذا ظل المصريون يحصنون قلاعهم.»

ولم يكن تحصين القلاع حجة تكفي، فأرسل وكيل قنصل إنكلترا في مصر تلغرافًا إلى اللورد غرنفل في ٢٦ يوليو قال فيه: «أما الآن فالمسألة ليست إنقاذ الخديوي من أظافر عرابي باشا والحزب العسكري، ولكنها إنقاذ مالية مصر وتجارتها من الخراب؛ فإن درويش باشا قد فشل وأرسل إلى السلطان تلغرافًا بفشله، وطلب إمداده بثلاثة وعشرين تابورًا لإعادة النظام.»

فلما وصل الخبر إلى النظار المصريين أبلغوا القناصل أنهم لا يسمحون لجندي تركي واحد بالنزول في الأراضي المصرية، وأبلغوا بعد ذلك درويش باشا ذاته أن مهمته قد انتهت، فلم يبقَ له ولرفاقه إلا أن يعودوا إلى بلادهم.

ووجَّه درويش باشا نداء إلى الأمة المصرية في ٢٨ يونيو، فأنكر عليه راغب باشا رئيس النظار هذا الحق، ولم يكن لذلك النداء من أثر في الرأي العام.

وزعم وكيل قنصل إنكلترا أن السكينة لم تَعُد، وأن الاضطرابات تزيد، وأن الأروام واليهود أهينوا في بنها واعتُدي عليهم.

عاد عرابي والنظار إلى القاهرة في ٢٧ يونيو، فأخذ عرابي يدعو للتجنيد العام ويهدد بنزع ملكية المهاجرين وأعداء الوطنيين الذين وصفهم بالثوار.

أما تحصين القلاع فكان يجري سرًّا بالرغم من أوامر السلطان. وأرسل راغب باشا إلى الباب العالي يبين تظاهر الإنكليز بالعداء، ويطلب من السلطان الإذن بتحصين الأسوار. وادعى سيمور في الوقت ذاته أن المصريين يسدون مدخل الميناء، فأمرت وزارة البحر الإنكليزية الأميرال أن يمنع إقفال الممر بمياه الميناء؛ فإذا طلب ذلك من المصريين ولم يمتنعوا، فليحطم القلاع والحصون حتى يسكتها، وعليه قبل ذلك أن ينبه الأجانب وسفن الدول.

وفي ٤ يوليو ذهب قنصلَا فرنسا وإنكلترا إلى راغب باشا ليبلغاه الأوامر التي تلقاها الأميرال سيمور، فذهب وكيل البحرية في اليوم التالي إلى أميرالية الأساطيل، وأبلغهم أن مدخل الميناء لا يُسد ولا يُمس، وأرسل طلبة عصمت قائد الجيش إلى الأميرال سيمور كتابًا يؤكد له ما تقدم، وأرسل الباب العالي تلغرافًا إلى الخديوي يقول له فيه: إذا ظلت أعمال التحصين مستمرة يكون هو ونظار الحكومة مسئولين.

ولكن الإنجليز تظاهروا حينًا بالسكوت ليتموا استعدادهم وليُبعدوا عن البلاد رعاياهم، فأرسل وكيل قنصلهم تلغرافًا في ٦ يوليو يقول فيه: إنه لم يبقَ من رعايا جلالة الملكة في القاهرة سوى ثلاثة إنكليز و٧٠ مالطيًّا.

وفي اليوم ذاته أرسل الأميرال سيمور إلى طلبة عصمت بأنهم لم يفوا بوعدهم، وأنهم نصبوا مدفعين، فإذا استمروا في ذلك يهدم القلاع. فرد عليه طلبة ينكر ذلك ويستثير في نفسه العاطفة الإنسانية.

وفي يوم ٧ يوليو دعا قنصل فرنسا زملاءه للنظر في الأمر، فقرر القناصل أن يطلبوا من دولهم التوسط في لندن، ثم كتبوا كتابًا جماعيًّا إلى الأميرال سيمور يقولون فيه: إذا لم يكن رد طلبة مُرضيًا، فإنهم يتعهدون له بأن ينالوا من المصريين ما يرضيه. فأجابهم الأميرال سيمور أنه لا يكتفي بعد الآن بالأقوال، بل هو يريد الأفعال، وأنه على أتم الاستعداد لأنْ يطلق مدافعه لأول حركة تدعو إلى الشبهة والارتياب.

ورأى القناصل بعد ذلك كله أنهم يطلبون من الإنكليز المحال، وأن الوقت قد حان لأنْ يتخذوا همتهم، فأعلن الموسيو مونج وكيل قونصلاتو فرنسا بالقاهرة في دار البورصة والقهوات والأماكن العمومية، الإعلان الذي تلقاه من القنصل دي فورج وهو في الإسكندرية، وهذا نصه: «يُنتظر هجوم الإنكليز من ساعة إلى أخرى، فأبلغوا ذلك للرعايا الفرنساويين، وأرسل السجلات واحضر إلى الإسكندرية دون إضاعة الوقت.» فلما وصل الخبر إلى مأمور الضابطة النشيط إبراهيم فوزي، ذهب إلى الموسيو مونج محتجًّا على عمله الذي عمله الذي كان السبب في جزع الجماهير، وأنه هو مأمور الضابطة مسئول كل المسئولية مهما كانت الحال عن أمن الأوروبيين وسلامتهم، وزاد على ذلك قوله: «إني أقدم رأسي رهينة على صدق قولي.» وعملت بعد ذلك السلطات المصرية عمل إبراهيم فوزي، فاجتمع كبار الضباط عند علي باشا فهمي ووعدوا الكونت غلوريا قنصل إيطاليا أطيب المواعيد، وكان هو القنصل الوحيد الذي ظل في القاهرة وتولى حماية جميع الأجانب وأعطاهم الجوازات لتمكينهم من السفر.

وظل في القاهرة من كبار الفرنساويين الضابطان لارمه باشا وبرناردي بك والدكتور بتري بك، والموسيو بيير مدير شركة المياه، ولم يشأ أن يطيع القنصل الذي أمره بالسفر؛ لأنه يتولى عملًا تتعلق عليه سلامة المدينة. كذلك غوي لوساك مراقب الدائرة السنية، وليشفاليه عضو صندوق الدين، وبورللي بك مدير قضايا المالية ومستشار مجلس النظار. فلما أذاع الموسيو مونج ذلك الإعلان ذهب هؤلاء إلى القنصل في الإسكندرية وأبلغوه «أنهم لا يبرحون مراكزهم ما دامت إنكلترا منفردة بالتدخل، ولو أن فرنسا اشتركت معها لما تلكئوا عن السفر، ولكنهم موظفون في خدمة مصر، والأمانة تقضي عليهم بالبقاء في مناصبهم.» فأطلعهم القنصل على تلغراف سري من وزارة الخارجية «بأن يسافروا مخافة أن يقع لهم ما يعود على الوزارة بالتعب»، وقال لهم إن ذلك أمر حكومتهم فأطاعوا. ومن المعلوم أن الفرنساويين كانوا يُتهمون بمصانعة الوطنيين على ما مر بالقارئ. وكانت نتيجة هجرة الأوروبيين إطلاق يد إنكلترا من كل قيد.

والآن نعود إلى مسألة تحصين القلاع، وهي الذريعة التي تذرع بها سيمور لضرب تلك القلاع والطوابي والحصون.

والذي يؤخذ من تحقيق المجلس العسكري عن تحصين القلاع، أن عرابي ورفاقه كانوا قد أمروا بتحصين القلاع ولكن بطريقة خفية، فعززوا طابية العجمي ولكنها كانت بعيدة عن المرسى لا تعدوه، فلم يكن منها أقل خوف على المراكب، وشهد بعض الشهود أن جنود الألايين الخامس والسادس أنشئوا المزاغل ليلًا في جهات أخرى، وكان الإنكليز يرون ذلك بالأنوار الكاشفة. وأكثر الإنكليز في كتابهم الأزرق من الكلام عن كثرة التحصينات التي أنشئت في خط رأس التين مع نصب البطاريات في طابية السلسلة. ولكن أقوال الشهود جميعًا أمام المجلس العسكري كمحمد شكري وكيل إدارة الطوابي، والميرالاي إسماعيل صبري قومندان طوبجية السواحل، وطلبة عصمت قومندان الموقع، ويعقوب سامي وكيل الجهادية، ومحمد الزمر، وحسن حسني، ومحمود فهمي، من كبار الضباط؛ متفقة كل الاتفاق على أن تلك الأعمال كلها لم تكن لها أقل أهمية.

وهناك عامل آخر لا يجوز إهمال ذكره رواه المؤرخ الإنكليزي رول، وهو أن سيمور الذي كان مطبوعًا على حب القتال حتى أسموه «القنبلة سيمور»، أُخبر بقرب وصول أسطول بحر المانش بقيادة الأميرال دويل، فأحب أن يظفر وحده بإكليل الغار على رأسه دون شريك له في ذلك، فتسرَّع بضرب القلاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.