لا يدري الإنسان كيف يهتدي إلى تعريف نفسه، والعجب في الأمر لمن يُعَرِّفها يا تُرى، هل تُراه يُعَرِّفها لفائدة الأحياء الكثيرة من غير بني آدم وحواء؟ هل تُراه يُعَرِّفها لفائدة الآدميين؟ وإذا وقع اختلاف في التعريف والاعتراف فعلامَ يدل هذا الاختلاف؟

على أن الواقع أن التعريف كله عمل من أشق الأعمال الفكرية، وإنْ شئتَ فقُلْ إنه كلام أشق من جميع أنواع الكلام.

التعريف صعب ولو كان لشيء معروف غير مجهول، وخُذْ مثلًا لذلك تعريف «الصحافة»، وهي من الشهرة بحيث نستخدمها في الإعلان عن الأشياء التي نريد أن يَعْلَمها مَنْ يجهلونها، فماذا تقول في تعريف الصحافة أو الصحيفة؟

ورقة لنشر الأخبار؟

فما القول في الصحيفة التي تَنْشُر مع الأخبار أقوالًا أخرى في العلوم أو الفنون أو السياسة؟

نُضِيف إذن أنها تنشر الأخبار وقد تنشر معها هذا وذاك وذلك من المنشورات الصحفية، ولكننا لا نستوفي الإحصاء إلا إذا سردنا الموضوعات، ثم قلنا في النهاية «وغيرها وغيرها» مما هو مجهول أو غير مذكور.

وهل تُرانا قد عرَّفنا الصحيفة بعد هذا الإحصاء وهذه الإشارة إلى غيرها وغيرها وغيرها؟

كلا، فهنالك الفَرْق بين النشرة التي تُذاع مرة واحدة أو الكتاب الذي يجمع تلك الموضوعات وبين الصحيفة الدورية ذات المواعيد المنتظمة، وهنالك الفَرْق بين اليوميات والشهريات والأسبوعيات، فإذا أجملتها كلها في كلمة «المواعيد» فإنك لا تستطيع أن تحصر الفوارق بين ما تحتويه بحسب هذه المواعيد أو بسبب العلاقة بين الوقت والموضوع.

تلك بعض الصعوبات في تعريف الصحيفة، فكيف بتعريف الإنسان وما اتفق في الصفة قط إنسانان اثنان؟

قيل: إنه حيوان ناطق، وقيل: إنه حيوان اجتماعي، وقيل: إنه حيوان ضاحك، وقيل في شيء من السخرية: إنه حيوان لابس!

ويرى أهل البصر بالتعريفات أن «الحيوان الضاحك» أصدق هذه التعريفات؛ لأن الضحك شيء لا يفهمه الحيوان ولا يتعلمه، وقد ينطق بالألفاظ وقد يفهم بعض الفهم على نوع من الأنواع.

أما «الحيوان الاجتماعي» فتلك صفة لا تخص الإنسان وحده، وكثير من الأحياء العليا والحشرات يعيش في جماعات.

وسَخِر بعضُ المعلِّقين على التعريفات كما سَخِر المنطقيُّ الضاحك الذي عرَّف الإنسان بأنه حيوان لابس، فسأل أولئك الساخرون منكرين ومنتقدين: وما القول في سكان خط الاستواء؟!

قال صاحب التعريف: القول فيهم أنهم في حَمَّام دائم، وتعريفنا لا ينسحب على الإنسان في حالة الاستحمام … وكذلك يحدث مع الحيوان الناطق أنه يكُفُّ عن النطق أحيانًا بجميع معانيه، وكذلك يَحْدُث مع الحيوان الضاحك فإنه قد يَكُفُّ عن الضحك وقد يجاوز الكفَّ عن الضحك إلى البكاء.

قُلْ إذن: إن الإنسان حيوان لابس!

وقُلْها لتزيد الإنسان تعريفًا إلى تعريفات، أو تزيده تنكيرًا إلى تنكيرات، فلا ضير أن يكون التعريف وسيلة إلى التنكير؛ لأننا سنسمع قريبًا أن هذا «الحيوان اللابس» إنما يلبس ليراه الناس لا ليستتر أمامهم كما هو المفهوم.

روح الملابس وروح الشرائع

ففي أوائل القرن الماضي كتب الفيلسوف الأيقوسي توماس كارليل رسالة وافية في هذا الموضوع، خلاصتها أن الإنسان يلبس للزينة ولا يلبس للدفء أو للحياء، وأن الناس لو أنهم طُولِبوا بخلع الثياب، لغضب ذوو اللهو والمجون منهم قبل ذوي المروءة والحياء.

قال بلسان صاحبه الذي يروي عنه: «إنه يستطيع أن يؤلف كتابًا عن روح الملابس كما ألَّف مونتسكيو كتابَه عن روح الشرائع؛ لأن الملابس تدل على الأمم كما تدل عليها شرائعها، وهذه وتلك لا تأتي مصادفة ولا تأتي عَرَضًا وإنْ تبدلت الأزياء والألوان، ولكنها تُعبِّر عن الذوق والفكر والعقيدة، وتختلف من عصر إلى عصر على حسب اختلاف الأجيال المتعاقبة في أذواقها وأفكارها وعقائدها.»

وصفوة كلامه ما قدمناه من أن الإنسان يظهر بملابسه ولا يستتر، وأنه يُبْدي روحه وعقله حين يستر ما يستر من جسده وأعضائه.

السباعيان

ومن طريف أمر هذا الفيلسوف الأيقوسي عندنا أنه قد تكفَّل بنقل فلسفته إلى اللغة العربية أخوان فاضلان؛ هما: الأستاذ محمد السباعي رائد الترجمة الحديثة في مصر، والأستاذ طه السباعي وزير التموين الأسبق. فنَقَل السباعي الكبير كتابَ الأبطال الذي تكلم فيه الفيلسوفُ عن النبيِّ العربيِّ وجعله نموذجًا للنبوة، ونَقَل أخوه كتابَ فلسفة الملابس، كأنه يعلم بوحي الغيب أنه سيتولى أمر الملابس ويدبر توزيعها على المصريين في أشد أزماتها العالمية أثناء الحرب الماضية.

قال الفيلسوف في بداية فصوله الأولى:

إن الإنسان لا يجري مع الصدفة العمياء، لا في سَنِّ الشرائع ولا في خياطة الملابس، بل ما تزال اليد العاملة مهتدية بنور العقل تنقاد بزمامه وتذعن لأحكامه.

وإنك لتجد فكرة فنية كامنة في كل ما يبتكر من الملابس على اختلافها وكل ما يبذل من المساعي في سبيلها، وما جسم المرء وملابسه إلا البقعة التي عليها والمواد التي بها يُشاد ذلك الهيكل الرائع الفخم؛ شخص الإنسان.

فسواء أرأيته يرفل في البرود المسبلة الأذيال ويختال في رقاق النعال، أم رأيته يسمو بالقلنسوة العالية من خلال الأوشحة والمناطق والأحزمة والقراطق، أم أبصرته منتفخًا في الأطواق المنشأة والحشايا المشمعة، أم ألفيته قد شدَّ نَفْسَه وقسَّمَها أجزاء متميزة وخرج إلى الملأ مجموعة من أربعة أعضاء، كل ذلك يتوقف على نوع هذه الفكرة الفنية، وهل هي إغريقية أو غوطية قديمة أو غوطية متأخرة أو حديثة مُولَّدة …

ثم تأمَّلْ أي معانٍ جليلة تنطوي عليها ألوان الملابس، فمن الأسود القاتم إلى الأحمر الوهاج. أيُّ خصائص روحانية وصفات نفسانية يكشفها لك اختيار الألوان؟! فإذا كان التفصيل يُنْبِيك عن طبيعة الذهن والقريحة؛ فإن اللون ليخبرك عن طبيعة القلب والمزاج، ولا بدعَ؛ فهذا كله يجري بين الشعوب كما بين الأفراد بفعل الأسباب والمسببات … ذلك الفعل الذي لا ينقطع عمله ولا يُنْكَر أثره وإن كان في غاية التعقيد والالتباس، فما من حركة من حركات المقص إلا وهي مُنَظَّمة مُدَبَّرة بمؤثرات دائبة عاملة ليست بالخفية ولا بالمبهمة على ذوي البصائر الجلية والأفهام النافذة.

ونحن في أوان الربيع

ونحن الآن في أوان هذه الفلسفة؛ لأننا في منتصف شهر أبريل وفي أوائل فصل الربيع، وقد سبقنا الطبيعة بأسبوعين أو ثلاثة فظهرت الألوان والأشكال على الثياب والأزياء قبل أن تظهر في الحدائق والبساتين.

و().

وصدق الله العظيم …

ولم يكذب القائلون: إن الإنسان حيوان لابس، ولا كذب القائلون: إنه يلبس ليظهر ولا يلبس ليتوارى عن الأنظار.

كلا … ولا كذب كارليل حيث قال: إن عقائد الناس وأفكارهم تظهر من ملابسهم وأزيائهم كما تظهر من شرائعهم وقوانينهم، فإن ملابس العصر الحديث — ولا شك — لم تكن معقولة قبل عشرة قرون، وإن ملابس العصور الأولى ليست معقولة ولا مقبولة لو ظهر بها الناس في هذه الأيام.

والأمر — بَعْدُ — مرتبط بالنفس الإنسانية لا بالأنسجة والأنوال، ولا بالفبريقات والدكاكين.

قبل ألف سنة كان الإنسان يلبس لِيُخْفِي جسدَه ويُظْهِر مركزه الاجتماعي، وكان من السهل أن تنظر إلى إنسان من الناس في عرض الطريق فتعرف من شارته أنه رئيس، أو نبيل، أو تاجر، أو وجيه حضري، أو وجيه فلاح ذو ضياع وكراع.

كان الإنسان يخفي جسده؛ لأنه يؤمن بنجاسة الجسد أو يؤمن بأنه مصدر الخطيئة وآلة الرذيلة.

فلما اختلف الاعتقاد واختلفت النظرة الاجتماعية إلى الأفراد والطبقات ظهر هذا الاختلاف في الملابس والأزياء، فلم يَبْقَ اليوم من ينكر الجسد لأنه جسد، أو من يخفيه لأنه ينبوع الرذائل والخطايا، ولكنهم ينكرونه لقبحه، ويسترونه لغلظته وضخامته أو لنحافته وهزاله؛ فهي مسألة فن وذوق وليست مسألة اعتقاد ومفاضلة بين الأجساد والأرواح!

وفلسفة الملابس اليوم أنها أقرب إلى الطبيعة الفطرية مع أننا قد غرقنا في الصناعة إلى رءوسنا.

إن الإنسان في عصر الصناعة أقرب إلى ورق التين وجلود الحيوان التي تترك أطراف الجسد عارية مكشوفة في الرجال وفي النساء.

ولو كانت المسألة مسألة صناعة لكانت هذه المفارقات إحدى المضحكات، ولوجب أن يكون الأقرب إلى أوراق التين آباؤنا وأجدادنا الذين عاشوا قبل عشرة قرون وقبل عشرين وثلاثين.

ويدل على هذا أيضًا أن الأمم القديمة التي كانت لا تدين بنجاسة الجسد ولا تلوثه وحده بوصمة الرذيلة لم تكن تثقله بالثياب كما فعل أبناء القرون الوسطى.

والناس اليوم أقرب إلى المساواة في الحقوق الاجتماعية، فهُمْ كذلك أقرب إلى المساواة في الأزياء والأكسية وأصعب على الناظر تمييزًا بين طبقات منهم وطبقات، إلا أن تكون المسألة مسألة ذوق وعادة فلا تُقاس بالمظاهر والشارات؛ ولكنها تُقاس من الباطن بالتفكير والإحساس.

وقد كانت للأزياء والأشكال وطأة شديدة على كل طبقة غنية أو فقيرة في القرون الغابرة، فلا يتصرف الإنسان بملبسه حسب مشيئته، ولا يزال حُكْمُهم على الملابس حُكْمَ المَثَل السائر بين أولاد البلد عندنا … «كُلْ ما يُعْجِبك، والْبَسْ ما يُعْجِب الناس.»

إلا أن الواقع اليوم أن سلطان العرف يسمح للفرد ببعض الحرية أو بكثير من الحرية إلى جانبه، فلا نعجب إذا رأينا مئات الشبان والشيوخ بغير طرابيش، أو رأيناهم بالقمصان دون «الجاكتة» والصدار، أو رأيناهم يختارون من الألوان ما كان مُحرَّمًا على كل أحد أو كان الجمع بينه بمثابة الخروج على المجتمع والابتذال.

وقد تدرَّج الناس من ملابس السهرة السُّود إلى ملابس السهرة البِيض، ومن الردنجوت الأسود إلى الردنجوت الرمادي في عشر سنين أو أكثر من عشر سنين، وعلمنا منذ سنوات أن أحد الأمراء ضرب كاتبًا في دائرته؛ لأنه رآه يلبس الطربوش القصير كأنه يجترئ على حرية الاختيار بعدما تقرر مكان الطربوش الطويل باختيار الأمراء وذوي السلطان، فإذا كان لاختلاف الأطوار في هذه الأمور دلالة مفهومة فكل دلالة لها تقول لنا إن روح الملابس وروح الشرائع بمنزلة واحدة في تفسير الأحوال الاجتماعية وتفسير الأخلاق والأذواق والحقوق.

توحيد الأزياء

وتوحيد الأزياء ينبغي على هذا أن يكون توحيد معانٍ لا توحيد أشكال وألوان.

فلا ضير من عشرة ألوان للقميص، أو أربعة ألوان للحذاء، ولا من الطُّول حينًا والقِصَر حينًا في هذه القطعة، أو في تلك من اللباس، وإنما الضير كل الضير أن يكون لهذا الاختلاف معنى السيادة من جانب، ومعنى الحرمان من جانب آخر، وهذا هو الذي يُلاحَظ الآن على غير قصد من اللابسين وصانعي الملابس، فليس الاختلاف هو المهم، بل المهم هو معنى الاختلاف ودلالته على الفوارق والحدود، وعلى المزايا والحقوق.

ويبدو لنا أننا إذا نظرنا هذه النظرة لم نَجِدْ أنَّ التفاوت بيننا في الأزياء أكثر من التفاوت بين الأمم الأجنبية والأمم الأوروبية على الخصوص؛ لأن طربوشنا شيء واحد، وقبعاتهم عشرات ومئات تشترك في اسم القبعة ولا تشترك في الشكل ولا في اللون ولا في المادة التي تُصْنَع منها، وقد تكون أشكال الملابس الريفية والحضرية عندهم أزياء مختلفات كاختلافها بيننا أو أبعد من هذا الاختلاف.

أفيون الفلاسفة

إلا أننا مع هذا الفضل العميم الذي أسبغه الناس على الثياب فيما تقدَّمَ، أو أسبغته الثياب عليهم، لم يَدُرْ بأخلادنا أنها ترتقي إلى مقام القداسة الصوفية التي ارتقى بها إليها الفيلسوف الحديث ألدوس هكسلي في رسالته الأخيرة عن «أبواب الإدراك» وتحدَّث فيها عن تجاربه للمسكالين ذلك العقار الذي نسميه بحق «أفيون الفلاسفة» بعد ما قرأناه من وصفه ومن إطناب الفيلسوف في مزاياه!

وقبل أن نُلِّم بأطراف من تلك المزايا نُجْمِل تاريخ هذا العقار وبيان آثاره كما جمعها ألدوس هكسلي من مصادره العلمية، ولا ننسى أنه من أقطاب المفكرين ذوي الثقافة العلمية في العصر الحديث.

يُؤخَذ المسكالين من نبات الصبار الذي يضع أبناء الأقاليم العليا في الصعيد فصيلة منه إلى جوار المقابر؛ لأنه رمز للري والغضارة.

وقد اهتدى إليه الهنود الحمر، وقال بعض السياح الأُوَل من الإسبان إنهم يأكلون جذوره، ويُسمُّونها البيتول، ويتناولونه كالقربان المقدس في الصلوات الجامعة.

ويُؤخَذ من التحليل الكيمي أنه يشبه «الإدرنالين» في مادة تركيبه، ولم يتقرَّر حتى الساعة أنه من المخدِّرات أو المنوِّمات. وقد يتعب من يتناوله إذا كان قد أُصِيبَ حديثًا بالبرقان أو كان منزعج الأعصاب، ولكن أثره يزول بعد ساعات ولا يعقب بعده حنينًا إليه أو عادة كعادة التدخين والشراب.

وأراد هكسلي أن يُسلِّم نفسه لأحد العلماء المختصين بتجاربه من الوجهة النفسية، فجرَّبه في ربيع السنة الماضية واستعان المختصون أثناء التجربة بآلات التسجيل والتصوير؛ فقيَّدوا كل كلمة فاهَ بها وصوَّروه في حالات متعددة، وأعادوا عليه ما قاله وأَطْلَعوه على تسجيلاتهم بعد انتهاء أثره؛ ليسترجع في ذاكرته جملة إحساسه به أثناء التجربة.

وهذه خلاصة تلك الآثار كما شرحها في رسالة أبواب الإدراك.

فأول آثاره أنه يجلو الحس، فينظر من تعاطاه إلى الأشياء كأنه يراها خارجة من يد الخلاق لأول مرة، لم تبتذلها ألفة المشاهدة، ويحسبها الناظر كتلك الموجودات التي سُمِّيَتْ لأبينا آدم، يَوْمَ رآها في هذه الدنيا أو يَوْمَ رآها في فردوس النعيم.

ومن آثاره أنه يمحو الإحساس بالزمن المتقطع وبالأمكنة المتباعدة كأنها تتصل اتصالًا واحدًا في دوام لا يقبل التعاقب والانفصال، وهي حالة أشبه بالحالة التي يتغنَّى بها أصحاب التجليات حين يتكلمون عن الأبد وعوالم الخلود.

ومن آثاره ذلك الحس المباشر أو المعرفة الباطنية التي لا تتوقف على تسمية الأشياء بكلمات اللغة ولا على تحليلها وتشريحها بأساليب المناطقة والعلماء التجريبيين، وأقرب المحاولات العلمية للوصول إلى هذه المعرفة المباشرة هي محاولة المدرسة النفسية المسماة بمدرسة الحشتالت، وقد أشرنا إليها في مقالاتنا الأخيرة وفي بعض مؤلفاتنا، وقلنا إنها تحاول أن تُعوِّد العقل إدراك الحقائق جملة واحدة غير متقطعة ولا متفرقة بأجزائها وتفصيلاتها.

أما مكان الأنسجة في هذه التجربة الحسية النفسية، فالكلمة التي سُجِّلَتْ على الفيلسوف عندما عُرِضَتْ عليه محسوسةً ومُصوَّرةً تُغْنِي عن الإسهاب في وصف شعوره ووعيه حين هتف قائلًا: هكذا ينبغي أن يكون النظر … وهكذا ينبغي أن ينظر الناظر، وإلا فلا …

ولعل هذا راجع إلى اجتماع الحواس كلها لتمييز النسيج بألوانه وظلاله ورسومه وملمسه مع التأمل في دقة نسجه ودقة المصور في نقله وإحساس الناظر مع المصور ببراعة هذا في اشتغال حسه عند النقل بكل ما يراه ويتأمله ويجتهد في محاكاته.

قال الفيلسوف ما مؤداه: إن البشرية المسكينة لن تستغني عن الحلم بما فوق الحس أو ما وراءه، ولن يتسنَّى لكل آدمي أن يرتفع بالرياضة الروحية والفكرية من عالم الزمان والمكان إلى عالم الأبد والخلود، فإذا تهيأت له مادة لا ضرر فيها تنقله حينًا بعد حين وراء عالم الشقاء، فربما كانت هذه وسيلة عصر المادة للخلاص من قيودها العمياء؛ لأنها وسيلة مادية يحسها ولا يشك فيها، وقد يتعوَّد — بفضل المسكالين — أن ينظر تلك النظرة العالية إلى الأشياء الحقيرة فيؤمن إيمان المتصوفة بالجمال الحي السابغ على كل شيء، وينفي القبح عن الوجود كله، دون أن يتعاطى المسكالين …!

وما جربناه نحن

ونود من القارئ ألا يسرع إلى الابتسام والاستخفاف وألا يصرف الموضوع بقول القائل المتعجل: إن هي إلا تخريفات مساطيل!

إن مقام ألدوس هكسلي أَجَلُّ من أن يُقابَل بهذه السخرية الرخيصة، وإن دراساته الصوفية — شرقية وغربية — لأوسع من أن تُضاف إلى حساب الجهل والشعوذة، أو حساب التخريف وسهولة التصديق.

وما من حالة وصفها الفيلسوف إلا وهي حالة طبيعية تطيف بالأذهان في ساعات التأمل بغير عقار من قبيل المسكالين أو غير هذا القبيل.

ومن أمانة التجربة أن نقول إننا نمر بهذه الحالات دقائق معدودات من فترة إلى فترة، ونحفظ منها ما وصفناه شعرًا أو نثرًا، فنراه الآن مطابقًا لما وصفه هكسلي في رسالة أبواب الإدراك.

ففي قصيدة الفجر الأول نَصِف الموجودات كما طلع عليها أول فجر وشُوهِدت في أول صباح:

من رأى أول فج

في سماء الكون لاحا

كم تجلى من صباح

قبل أن يُدعى صباحا

وفي مقدمة «مجمع الأحياء» نَصِف الشعور بما وراء الألفاظ والتحليلات؛ لنفهم الحياة «بلغتها ولا نحاول التعبير عنها بلغتنا، وأقرب ما نشبه به تلك اللغة المبدعة أنها وحي ناطق بالمجاز، كامن في العقول والقلوب والأرواح والحواس، تكتبه بطريقة تصويرية كطريقة المعبرين عن المعاني برموز الكتابة المصورة، فتنبت شجرة لتقول النضرة والنماء، وتنشئ ربيعًا لتقول الحب والرواء … بل تبدع كونًا لتقول الله والسماء، أو هي تصور ولا تلفظ ونحن نفسر ولا نقرأ …»

وقلنا قبل ذلك وصف اللحظة الأبدية: «… اذكروا أنكم تتمتعون في كل لحظة من لحظات عمركم بالفرق السحيق بين العدم والحياة، اذكروا أن روح الوجود تغلب فيكم كل لحظة من تلك اللحظات من هاوية العدم إلى قلب الدنيا النابض الجياش.»

***

ولسنا ننقل هذه الأمثلة لندَّعي أننا متصوفون متنسِّكون، فما خطر لنا قط أن ندَّعي هذه الدعوى، وما يعنينا من التجربة كلها إلا أن نُقرِّر أنها تجربة واقعية طبيعية وأنها ليست بمقصورة اليوم، أو مِنْ قَبْلُ، على عقار المسكالين ولا ما يشبهه من العقاقير ولا على المتصوفين المحترفين، وإن بعض العلماء الطبيعيين من أمثال أدنجتون ليتحرجون جدًّا من رفض هذه التجارب بظهر الكف، ولا يزالون على رجائهم أن تُضاف تجارب الحس المباشر إلى تجارب المنطق والتحليل.

ونَعُود من حيث ابتدأنا إلى الملابس؛ تحية لألوان الربيع، فنقول: إن هذا الإنسان حيوان لابس، وإن روح الملابس كروح الشرائع كامنة وراء الظواهر والمحسوسات، وإن هذه المصنوعات البديعة تحكي لنا كثيرًا عن الطبيعة بل عمَّا فوق الطبيعة … فلسفة نسمعها اليوم من العلماء والحكماء، ولا ينفرد بها خبراء الملامح والأعطاف، وعشاق الأشكال والأزياء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.