(١)

لما صدر المرسوم الملكي في ١٣ ديسمبر سنة ١٩٣٢ بإنشاء مجمع اللغة العربية الملكي تناول غير واحد من الكتَّاب والصحفيين هذا المرسوم بالنقد؛ نقدوه في الأغراض التي وضَعها للمجمع، ونقدوه في طريقة تأليف المجمع، ثم نقدوا هذا التأليف لما صدر المرسوم الذي عُيِّن به أعضاء المجمع. وقد ظل الناس بعد ذلك يتتبعون أعمال المجمع لعلهم يجدون فيها ما يهدم هذا النقد الذي وُجِّه إليه عند تأليفه. فلما وضعت الوزارة الحاضرة مشروع قانون جديد بإنشاء المجمع، حورت فيه أغراضه الأولى بعض التحوير، وزادت فيه عدد أعضائه، بحيث استطاعوا أن يعودوا بأغراض المجمع إلى مثل ما كانت عليه في المرسوم الأول، مع تناول أعمال المجمع في السنوات الأربع التي انقضت منذ تأليفه الأول بالتمحيص والبحث. ومراجعة المناقشات التي حدثت في مجلس النواب تدل على أن أعضاءه المحترمين قد أعاروا هذا الموضوع من العناية ما لا يقل عما أعاروه منها للمعاهدة المصرية الإنجليزية.

هل لهذا الاهتمام ما يسوغه؟ وما هو السبب فيه؟

فأما أن للاهتمام ما يسوغه فأمر لا ريب البتة فيه، والسبب في الاهتمام جليٌّ واضح، فمجمع اللغة العربية لا يقف أمره عند ما ذكر من أغراضه في المادة الثانية من قانون إنشائه، وما يقتضيه ذلك من وضع المعاجم والألفاظ، بل هو يتعدى هذا الأمر الجليل إلى أنه أظهر الرابطة الحقيقية في عصرنا الحاضر بين مصر وجميع البلاد التي تتكلم العربية، فإذا ذكرنا أن عدد السكان الذين يقطنون البلاد في العراق والشام وفلسطين والحجاز والمغرب الأقصى يزيد على سبعين أو ثمانين مليونًا، تبين لنا ما لهذه الرابطة من جليل الخطر، وإذا ذكرنا أن في الهند والجاوة والصين وغيرها من بلاد الأرض في أوروبا وأمريكا ملايين أخرى تتكلم العربية، كانت هذه الرابطة أجل خطرًا، على أن الأمر الذي يزيد الاهتمام ويسوغه ويجعله مضاعفًا هو مركز مصر من هذه الأمم التي تتكلم العربية، فهي جميعًا تنظر إلى مصر باعتبارها الشقيقة الكبرى والزعيمة الحقيقة بأن تسير من هذه الأمم جميعًا في الطليعة.

وتصرفات هذه الأمم إزاء مصر مطبوعة كلها بهذه النظرة، فالمؤلفات التي تصدر في مصر تُقرأ في هذه البلاد كما تُقرأ في مصر، وأكثر مما تقرأ في مصر في بعض الأحيان، وطرائق التعليم التي تسير عليها مصر، وكتب التعليم التي توزع في المدارس المصرية هي النماذج لطرائق التعليم وكتبه في البلاد العربية الأخرى، ونظم الحكم نفسها تعتبر مصر فيها المثال الذي تنسج هذه الأمم على منواله، وصحفنا المصرية تُقرأ في هذه البلاد المختلفة بكثرةٍ تؤكد قوة هذه الرابطة، وأساليب كتَّابنا وشعرائنا تعتبر مثالًا يحتذى في البلاد المذكورة كلها، فلا عجب وذلك شأننا من هذه البلاد وشأنها منا أن تنال مسألة لها كل الاتصال بهذه العلاقات اللغوية والثقافية بين البلاد العربية المختلفة كل الذي نالته من الاهتمام، ولا عجب أن يتطلع العالم العربي إلينا في هذه المسألة بالذات باهتمام لا يقل عن اهتمامنا، وعناية لا تقل عن عنايتنا بها، بعد أن يقف على آرائنا والنتائج التي نصل إليها فيها.

فإذا كانت المعاهدة المصرية الإنجليزية تنظم علاقاتنا السياسية بإنجلترا، وإذا كانت معاهدة الامتيازات تنظم علاقاتنا بالأجانب المقيمين معنا في هذا الوادي في المسائل التشريعية والقضائية؛ فإن مجمع اللغة العربية وقانونه وأعماله هو المظهر الرسمي الواضح لصلاتنا بالبلاد العربية جميعًا.

ومما يجعل البلاد العربية الأخرى توجه من العناية لهذا الأمر مقدار ما توجهه له مصر، أن هذه الصلات اللغوية والثقافية هي وحدها الصلات التي لا غنى عن تبادلها بين مصر وهذه الأقطار، فصادراتنا لهذه البلاد ووارداتنا منها يمكن أن تزيد أو تنقص تبعًا لتقدمنا وتقدم هذه البلاد الاقتصادي، وتوثيق صلاتنا وصلاتها بأمم مختلفة أخرى؛ هي تستطيع أن تصدر لأوروبا وأن تستورد منها، وأن تصدر لليابان وأن تستورد منها، وأن تصدر لأمريكا وأن تستورد منها، وما تستطيعه هي من ذلك نستطيعه نحن مثلها. وهذه الروابط الاقتصادية تحكمها المنافع المادية.

فأما الروابط السياسية بيننا وبين هذه البلاد العربية فوِدِّيَّةٌ كلها، لكنها محصورة النطاق؛ لأن تصريف السياسة العالمية في يد غيرنا، فعلاقاتنا بجاراتنا العربية وعلاقاتها بنا متأثرة بالسياسة الأوروبية وأغراضها أكثر من تأثرها بسياساتنا وأغراضنا. لم يبق إذن إلا هذه الصلات اللغوية والثقافية هي التي لا مفر لنا ولا للبلاد العربية المختلفة من تبادلها. وهذا هو السبب في اهتمامها الخاص واهتمامنا الخاص بمظاهر هذه الصلات. وما تبديه شقيقاتنا العربية من الثقة بنا والاعتراف بزعامتنا يلقي علينا في هذا الشأن تبعة كبرى يجب أن نُقدِّرها قدرها، وأن نضطلع بها على الوجه الأكمل غير مدفوعين إلى ذلك بالحرص على هذه الزعامة وكفى، بل مدفوعين إليه بالحرص على أول مقومات الحياة المعنوية لكل أمة من الأمم؛ تلك لغتها وما تستخدم اللغة فيه من فن وعلم وأدب.

وهذا هو السبب في تتبع الناس في مصر وفي البلاد العربية الأخرى أعمال مجمع اللغة العربية الملكي بالتمحيص، وتناولهم إياها بالنقد في كثير من الأحيان. ولست أريد هنا أن أنقد أعمال المجمع أو أن أدافع عنها، وحسبي أن أذكر أن الجمهور قد اطلع على هذه الأعمال في مجلة المجمع وفي محاضر جلساته التي نشرت، وأن أضيف أن المجمع قد بذل جهودًا كثيرة في وضع قواعد للاشتقاق وغيره أصدر بها قرارات سجَّلتها مجلته، وفي استنباط مصطلحات شتى في الطب وعلم الحيوان والرياضيات والشريعة وفي العلوم الطبيعية وغيرها زاد على الألفين. فإذا وُجِّه النقد إلى ما قام به المجمع من ذلك، فأعمال المجمع ليست السبب الذي أدى إلى هذا النقد، وإنما السبب الذي أدى إليه هو التشعيب العجيب في أغراض المجمع على النحو الذي وضعته المادة الثانية من مرسوم إنشائه في سنة ١٩٣٢، وقد كان حريًّا بالحكومة إذ وضعت تشريعًا جديدًا للمجمع تريد من البرلمان إقراره أن تتلافى هذا السبب، وأن تحدد غرض المجمع تحديدًا يجعل أعماله منتجة حقًّا، ويقضي بذلك على السبب الذي أدى إلى نقدها.

فالمادة الثانية المذكورة تنص على أن أغراض المجمع هي:

(أ) أن يحافظ على سلامة اللغة العربية، وأن يجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر، وذلك بأن يحدد في معاجم أو تفاسير خاصة، أو بغير ذلك من الطرق ما ينبغي استعماله أو تجنبه من التراكيب.
(ب) أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثًا دقيقة في تاريخ بعض الكلمات، وتغيُّر مدلولاتها.
(جـ) أن ينظم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة بمصر وغيرها من البلاد العربية.
(د) أن يبحث كل ما له شأن في تقدم اللغة العربية مما يعهد إليه فيه بقرار من وزير المعارف العمومية.

هذه أغراض لا حدود لها تتناول اللغة العربية وعلومها وآدابها وفنونها جميعًا؛ ولذلك لم يلبث المجمع أن ألف ثماني لجان لتقرير الوسائل التي يحقق بها هذه الأغراض المتشعبة غير المحدودة، فلجنة للرياضيات، وأخرى للعلوم الطبيعية والكيميائية، وثالثة لعلوم الأحياء والطب، ورابعة للعلوم الاجتماعية والفلسفية، وخامسة للآداب والفنون الجميلة، وسادسة لدراسة اللهجات، وسابعة للمعجم، وثامنة للأصول العامة، هذا عدا لجنة المجلة ولجنة خزانة الكتب. وقد وجهت كل واحدة من هذه اللجان عملها إلى المحافظة على سلامة اللغة العربية، وجعلها وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر. أنَّى لهذه اللجان أن تقف عند حد في هذا البحر اللجي الذي لا شاطئ له، فلا عجب أن ضربت اللجان في تيهاء لا أفق لها، وأن قضت السنين تلو السنين في مناقشات قليلة الثمرة، وأن وقعت في نفس الجمهورِ الريبةُ في صالح العمل الذي تقوم به. هذا وليس على المجمع ولا لجانه ذنب، وإنما الذنب على هذه الأغراض التي لا حدود لها، والتي ليس لها أول يعرف ولا آخر يوصف.

والواقع أن المُشرِّع المصري حين أراد في سنة ١٩٣٢ أن يحدد أغراض المجمع قد جمع كل ما جال بالخواطر أو ذُكِر عن المجامع الأخرى في البلاد الأوروبية وصاغه مادة واحدة، ناسيًا أنه حينما أبهم الغرض، واضطربت الغاية؛ فسد العمل، وضعفت ثمرته، ولو أن المُشرِّع حدد هذا الغرض تحديدًا دقيقًا، واختار الرجال الصالحين حقًّا لتحقيق هذا الغرض المعين المحدود لما تعرض المجمع من نقد، ولسار في طريق أدنى إلى بلوغ الغاية من تأليف المجمع.

وهذه الغاية يجب أن تنحصر في وضع معجم عام للغة العربية على طريقة علمية حديثة، ثم وضع معجم تاريخي ومعاجم خاصة، على أن يقدم وضع المعجم العام، وأن يكون هو الهدف الأول من أعمال المجمع، ولو أن ذلك كان، وأخرج المجمع للناس في الدورات الأربعة التي انعقد فيها الحرفين الأولين أو الحروف الثلاثة الأولى من هذا المعجم العام؛ للمس الناس ثمرات عمله بأيديهم، ولقدروا الفائدة الجليلة التي تُرجى من هذا العمل عند تمامه.

ولا أدل على ذلك من السبب الذي أدى بالوزارة الحاضرة إلى وضع قانون جديد للمجمع، وإن كان هذا القانون الجديد قد تأثر بالقانون القديم، ووقع في الخطأ الذي وقع فيه مشروع سنة ١٩٣٢، فالسبب في وضع القانون الجديد يرجع إلى ما رأته وزارة المعارف في عهد وزارة علي ماهر باشا من حاجة المعلمين والمتعلمين إلى معجم حديث لا أمل في أن يضعه مجمع اللغة العربية قبل سنين طويلة، إذ ذاك عهدت إلى لجنة بعضها من رجال وزارة المعارف، وبعضها من أعضاء المجمع في وضع هذا المعجم.

وقد شعر المجمع بما في ذلك من مساس بحقه واختصاصه، لكنه مع ذلك قَبِل الأمر الواقع، ورضي باشتراك أعضائه في هذا العمل، فلما تألفت الوزارة الحالية أبدى رئيس المجمع إلى وزارة المعارف ما يشعر به المجمع من اعتداء على اختصاصه بتأليف لجنة المعجم الوسيط بوزارة المعارف، فكان ذلك هو السبب في وضع القانون الجديد، وفي زيادة عدد أعضاء المجمع؛ لعل في ذلك ما يكفل تحقيق الغاية من الإسراع إلى وضع المعجم الوسيط المذكور.

الحاجة إلى وضع هذا المعجم هي التي دعت إذن إلى وضع هذا القانون الجديد، وتعديل مرسوم سنة ١٩٣٢ بموجبه، مع ذلك يستطيع الإنسان أن يؤكد في غير مغالاة أنه ما دامت أغراض المجمع قد بقيت لم تتغير؛ فسيعود المجمع سيرته الأولى، وسيظل النقد يُوجَّه إليه، مع أن القانون هو الجدير بالنقد، فأما المجمع فغير جدير به؛ لأنه ينفذ القانون.

ولا يعترض على ذلك بأنه ما دام وضع المعجم الوسيط هو السبب في تعديل قانون المجمع، فإنه سيسارع إلى وضعه، فقد كان وضع المعجم هو السبب في إنشائه في سنة ١٩٣٢، فلما أضيفت إليه أغراض أخرى — جعلت حدود غايته مبهمة — لم يكن له بد من تأليف اللجان، ومن تناول عشرات المسائل، ومن تأجيل مسألة المعجم هذا التأجيل الذي اضطرت معه وزارة المعارف في العام الماضي إلى تأليف لجنة خاصة بوضع المعجم الوسيط.

كان وضع المعجم سبب إنشاء المجمع في سنة ١٩٣٢ إجابة لحاجة ملحة شعر بها المصريون وأهل البلاد العربية جميعها منذ زمان طويل. وقد كان أول مظهر شبه رسمي لهذه الحاجة وسدادها، أن حكومة رشدي باشا سمحت، في سنة ١٩١٧، لمجمع لغوي غرضه أن يضع معجمًا أن يجتمع في دار الكتب المصرية، لكنها لم تعطه من الصبغة الرسمية ما يكفل بقاءه، فصار وجوده ضئيلًا إلى حد أن قيام الحركة الوطنية وسفَر لطفي بك السيد، مدير دار الكتب إلى أوروبا في الوفد، كان كافيًا لحله والقضاء عليه نهائيًّا.

وفي سنة ١٩٢٧، أيام الائتلاف، أبدى مجلس الشيوخ رغبةً — بناء على اقتراح الشيخ المحترم محمد شفيق باشا — في إنشاء مجمع لغوي، وقد طلب معالي وزير المعارف العمومية إذ ذاك إلى مدير الجامعة إبداء رأيه في هذه الرغبة، فوضع مدير الجامعة مذكرة في ٢٧ نوفمبر سنة ١٩٢٧ عن إنشاء المجمع، أشار فيها إلى ما تقدم من عمل حكومة رشدي باشا في سنة ١٩١٧، وحبذ إنشاء مجمع للغة العربية تكون أغراضه:

أولًا: وضع معجم لغوي يفي بحاجة الوقت الحاضر.ثانيًا: وضع معجم للمعارف (إنسيكلوبيديا).ثالثًا: أن يضع في المسابقة ما يرى ضرورة أو منفعة للتأليف أو الترجمة فيه من الموضوعات العلمية المفيدة للجمهور، ويقرر المكافأة عليها.رابعًا: أن يفحص ما يقدم إليه من المؤلفات في العلوم والآداب، ويقرر قبولها أو المكافأة عليها أو رفضها.

وكان رأيه أن يتألف المجمع من هيئة علمية تُختار من بين من لهم أثر ظاهر يدل على ميلهم لخدمة العلم أو خدمة اللغة، سواء أكان ظهور ذلك الميل بالتأليف أو بالترجمة.

ولما عين مدير الجامعة وزيرًا للمعارف العمومية في سنة ١٩٢٨ وضع مذكرة جديدة في سنة ١٩٢٨ رفعها إلى مجلس الوزراء، وطلب فيها إنشاء مجمع لغوي.

لكن الوزارة استقالت في سنة ١٩٢٩ قبل أن تنشئ المجمع. وفي سنة ١٩٣١، أرسلت الحكومة المصرية خطابًا إلى بعض البلاد الشرقية تسألها رأيها في إنشاء مجمع للغة العربية لوضع قاموس عربي يحتوي على الكلمات الفنية والتعابير والاصطلاحات الحديثة، وقد ردت الحكومة العراقية في ١٨ حزيران سنة ١٩٣١ جوابًا على كتاب الحكومة المصرية المؤرخ في ٢٧ أيار من تلك السنة، بأنها تشاطر مصر رأيها بشدة الحاجة إلى هذا القاموس، وتذكر أنها تبادلت الآراء في كتاب الحكومة المصرية، وقررت تشكيل مجمع لغوي عام يعهد إليه القيام بوضع القاموس المطلوب، على أن يُؤلف في مصر، وأن تشترك حكومات جميع الأقطار العربية في وضع هذا المعجم.

إلى يومئذ كانت الفكرة من المجمع متجهة إذن إلى وضع معجم عام يشتمل، فيما يشتمل عليه، الكلمات الفنية والتعابير والاصطلاحات الحديثة، وذلك صيانة للغة أن يتطرق إليها الفساد بسبب الدخيل في ألفاظها مما تستعمله الصحف ويستعمله الكتَّاب ولا يَمتُّ إلى اللغة العربية بسبب، ولا يرجع المستمد منه إلى قاعدة من قواعدها، أو أصل من أصولها. وكانت هذه الغاية هي الغرض الأول والأساسي من تأليف المجمع.

وقد حدث في أثناء ذلك أن عَلِم المغفور له الملك فؤاد الأول، أن المستشرق الألماني والعالم الكبير الأستاذ فيشر قد قضى أربعين سنة في وضع معجم تاريخي للغة العربية، فأفضى برغبته إلى رجال حكومته الذين كانوا يفكرون في إنشاء المجمع أن يكون وضع مثل هذا القاموس التاريخي من عمل المجمع. وقيل في أثناء ذلك: إن دراسة اللهجات لها في رأي جماعة من المستشرقين أهمية خاصة في حياة اللغة العامية.

ثم عهد إلى مشترعي الحكومة المصرية في وضع قانون بإنشاء المجمع وأغراضه، فماذا يصنعون؟ رجعوا كعادتهم إلى التشريع الفرنسي وقانون إنشاء الأكاديمية الفرنسية التي تألفت سنة ١٦٣٥، أي من ثلاثة قرون مضت، فوجدوا المادة الرابعة والعشرين من القانون المذكور تنص على ما يأتي:

الغرض الأساسي من الأكاديمية أن تعمل بكل عناية ونشاط لتضع قواعد للغتنا، ولتكفل صفاءها وبلاغتها ومقدرتها على الوفاء بمطالب العلوم والفنون. ووجدوا المادة السادسة والعشرين تقتضي الأكاديمية وضع قاموس وقواعد أجرومية، وقواعد للبيان وأخرى للشعر، ووجدوا خطابًا من الأكاديمية إلى الكاردينال ريشليو الذي أنشأها تقترح به: «تطهير اللغة من الأدران التي اندست إليها من حديث الجماهير، ولغة المحامين، وعبارات الخطباء».

يجب إذن أن يجعل هؤلاء المشترعون غرض مجمعنا جامعًا لأغراض المجمع الفرنسي، ولمطالب البلاد العربية، كافلًا طبع القاموس التاريخي الذي وضعه الأستاذ فيشر أو قاموس من نوعه، وكافلًا كذلك دراسة اللهجات في مصر وغيرها من البلاد العربية؛ وبذلك وضع هؤلاء المشترعون المادة الثانية من قانون المجمع، وهي التي سلف نصها.

بهذه الصورة انبسطت أغراض المجمع، وتشعبت غاياته، وانبسطت تبعًا لذلك أعماله، وتشعبت لجانه، وبهذه الصورة استطاع المجمع أن يعتقد أن من حقه ومن اختصاصه أن يضع المصطلحات والألفاظ اللازمة لكل العلوم والفنون والآداب.

وهذا خطأ إذا جاز للمشرع الفرنسي في سنة ١٦٣٥ أن يقع فيه، وإذا جاز للأكاديمية الفرنسية أن تقع أول إنشائها فيه، فليس يجوز لمشرعنا ولا لمجمعنا أن يقعا اليوم فيه؛ ففي ذلك الزمن الذي أنشئ فيه المجمع الفرنسي كان مفروضًا في كل عالم وفي كل أديب أن يحيط بكل المعارف الإنسانية، كان تصورهم في هذا كتصور العرب في القرن الثالث الهجري، فلا عجب أن يدور بخاطرهم أن يضع المجمع كل شيء، لكن التاريخ الذي نعرفه، أو الذي يجب أن نعرفه قد دلَّ على أن هذا الأمر غير ممكن، وأن تقدم العلوم والفنون قد زاده صعوبة وتعذرًا؛ لذلك لم يبق وضع المصطلحات العلمية والفنية من عمل الأكاديمية الفرنسية، وأصبحت هذه الأكاديمية واحدة من خمسة مجامع يضمها المعهد الفرنسي: أحدها للعلوم الطبية والطبيعية، والآخر للتاريخ والأدب القديمين، وثالث للفنون، ورابع لعلوم السياسة والأخلاق، والخامس هو الأكاديمية الفرنسية، وأعضاء كل واحد من هذه المجامع أخصائيون في علمهم أو فنهم، وفي لغة هذا العلم أو الفن.

والتطور إلى ناحية التخصص وتقسيم العمل، على هذا النحو، طبيعي في عصرنا الحاضر، وهو وحده الكفيل بسلامة اللغة وعدم اضطرابها، فالمتخصصون في أي علم أو فن هم وحدهم الذين يستطيعون تحديد الكلمات التي تصلح صلاحية دقيقة لأداء الأغراض التي يريدها هذا العلم أو الفن على وجه دقيق، فأما اللغويون والأدباء فلا يستطيعون وحدهم وإن بذلوا جهد الجبابرة أن يضعوا الألفاظ الدقيقة التحديد لأي علم من العلوم، أو فن من الفنون، وغاية ما يصنعه هؤلاء أن يسجلوا في المعاجم ما يستقر عليه رأي الأخصائيين في مختلف العلوم والفنون. وهذا أمر شعر به رجال الأكاديمية الفرنسية منذ إنشائها، وهو الذي اقتضاهم أن ينفقوا في وضع معجمهم نحو ستين سنة، إذ بدءوه في سنة ١٦٣٩، ولم تتم طبعته الأولى إلا في سنة ١٦٩٤. وقد طبع القاموس بعد ذلك عدة مرات ليؤدي أغراض التطور في اللغة، فكانت طبعته السادسة والأخيرة هي التي ظهرت في سنة ١٨٣٥، ثم ظهرت بعد ذلك ملاحق مكملة سجل فيها أعضاء الأكاديمية ما جدَّ في العلوم والفنون من كلمات أقرها الأخصائيون في هذه العلوم والفنون.

وهذا هو النظام الطبيعي الذي يجب تطبيقه في البلاد العربية كما طُبِّق من قبلُ في غيرها.

والواقع أن مجمع اللغة في أي بلد من البلاد ليس من خصائصه وضع ألفاظ جديدة في العلوم والفنون، وإنما على المجمع تسجيل ما يستقر في التداول من هذه الألفاظ، ويصبح بذلك ذا حياة لا مفر من الاعتراف بها والإذعان لها.

ومهما يضع أي مجمع من الألفاظ والمصطلحات، فإن هذه الألفاظ والمصطلحات تبقى عديمة الحياة، ولا يحيا منها إلا ما يُقرُّه الأخصائيون في العلم والأدب والفن، وما يُقرُّه الجمهور بعدهم.

فاللغة ملك للجمهور وليست ملكًا لمجمع من المجامع، ولا لرجل من الناس، فإذا وضَع لفظًا لم تقبله جمهرة العلماء أو الأدباء أو ذوي الفن مات هذا اللفظ ولم يعد له من سبيل إلى الحياة حتى يُبعَث في ثوب جديد يُقرُّه الجمهور.

من أجل ذلك اختلف الأمر في شأن الألفاظ وإقرارها بين عصور الترجمة وعصور التأليف.

كان العرب الأولون حين ترجموا العلوم اليونانية ينقلون الألفاظ اليونانية التي لا يعرفون لها مقابلًا في العربية كما هي، فيقولون الأرتماطيقا والماتيماطيقا والأناليطيقا والهرطقة، وكان الغربيون في القرن السادس عشر يفعلون ذلك حين كانوا يترجمون الكتب اللاتينية، فكانوا يضعون اللفظ كما هو، فلما تأقلم العلم عند العرب، ولما تأقلم في الغرب، وجد العلماء الوسيلة إلى اصطناع الألفاظ الأصلية في اللغة لهذه المسميات التي نقلت على أصلها الأعجمي، فقالوا الحساب للأرتماطيقا، والرياضة أو الرياضيات للماتيماطيقا، أو شيء من ذلك في مصر، فنحن ما نزال نعتمد في الكثير من علومنا على أوروبا، وكنا حميلة أكثر مما نحن اليوم منذ بضع عشرات من السنين، وفي هذا يقول مدير الجامعة في مذكرته التي وضعها في سنة ١٩٢٧: «لا أنكر أننا إلى مستقبل غير قريب في أشد الحاجة إلى تعليم بعض العلوم بلغات أجنبية استبقاءً للصلة بيننا وبين ينابيع العلم في البلاد التي سبقتنا في المدنية، ولكنا — مع الأسف — لا نزال بعيدين عن أن يكون هذا هو غرضنا من تعليم العلوم باللغات الأجنبية، بل شأننا الحالي أننا عاجزون عن أن نؤدي العلم بلغتنا أداء تامًّا، عاجزون عن أن نضع من المؤلفات في العلوم المختلفة مطولات يمكن أن تعتبر أمهات لعلم واحد من العلوم، أو لفن واحد من الفنون، ولعل أكبر عقبة في ذلك هي أن لغتنا لم تخدم في القرون الماضية الأخيرة، فلم تتطور مع الحركة العالمية.»

ولقد كان هذا هو الشأن في علومنا وفنوننا جميعًا حين كانت تدرس في مدارسنا العليا وفي كليات الجامعة بلغة أجنبية، فقد كنا نصطنع ألفاظًا غربية لنؤدي بها أغراضنا العلمية حتى في حياتنا العادية، كان ذلك شأن المحامين في مرافعاتهم ومذكراتهم، وشأن القضاة في أحكامهم، وما يزال ذلك شأن الأطباء في تشخيص الأمراض وفي وصف الدواء، وهو الشأن كذلك في الأمور الهندسية المختلفة، وفي شئون الصناعة والتجارة، وفي شئون الزراعة نفسها.

فلما صار تدريس الحقوق إلى اللغة العربية لم يكن للأساتذة والطلاب بد من أن يلتمسوا في كتب الفقه الإسلامي والتشريع القديم مسميات للأسماء التي كان الأقدمون يعبرون عنها بألفاظ فرنسية أو إنجليزية؛ بذلك استعربت لغة القانون كلما انقضت سنوات على تدريسه باللغة العربية، وبذلك تداول القضاة والمحامون والمتصلون بهم جميعًا هذه الألفاظ العربية الصحيحة، وصار معجمنا الفقهي غنيًّا جدًّا بالألفاظ والتعبيرات القانونية، وإذا لم نستطع القول بأننا قد بلغنا من ذلك كل ما نريده في القانون الدولي العام والخاص، وفي بعض العلوم التي تدرس في كلية الحقوق بلغة أجنبية، فلسنا نشك مطلقًا في أن هذه العلوم لو درست باللغة العربية لما انقضت بضع سنوات قبل أن يجد الأخصائيون فيها الألفاظ الدقيقة الصالحة لها تمام الصلاحية، والتي تنكر الكثير مما يضعه رجال المجمع من الألفاظ لهذه الأغراض، ولردت ألفاظ رجال المجمع إلى عالم النسيان فضاع بذلك مجهودهم عبثًا.

ولدينا في ذلك مثل نضربه: عهدت وزارة المعارف منذ سنوات إلى رجلين من أساطين اللغة والأدب في ترجمة كتاب «موجز الاقتصاد» لبول لروابوليو — هذان الرجلان هما الشاعران العظيمان المرحوم حافظ إبراهيم بك، وشاعر القطرين خليل بك مطران — ولا شك لدى من يقرأ الترجمة في أنه يقرأ أدبًا قويًّا في أسلوب بديع، لكن الاقتصاد كعلم لم يُفد من حيث ثروته اللغوية فائدة تذكر من وراء هذه الترجمة؛ لأن ممارسة العلم ممارسة تدريس وبحث وجدل تُطوِّع للعالم مما لا تطوعه للغوي ولا للأديب من إحياء الألفاظ في اللغة، وتحديد معانيها تحديدًا دقيقًا.

ولو أن علوم الطب أو الهندسة أو ما إليها بُدئ في تدريسها جميعًا باللغة العربية في كلياتنا المختلفة؛ لأمكن للأطباء المشتغلين بالتدريس وللمهندسين المشتغلين بالتدريس ولغيرهم من العلماء المشتغلين بالتدريس في أي فن أو علم أن يجدوا الألفاظ التي يقرُّها الذوق الفني أو العلمي، كما أن الكتَّاب أو الأدباء هم وحدهم الذين يستطيعون أن يحددوا الألفاظ التي تُعبِّر عما يدور بخاطرهم ما وجدوا تحت يدهم معجمًا حديثًا في نظامه، دقيقًا في إحاطته بتطورات اللغة، وفي بيان الصحيح والخطأ مما حدث في استعمالها.

لسنا ننكر أن ابتداع المصطلحات قد ييسر للعلماء المشتغلين بالتدريس العثور فيما يضعه المجمع على شيء يرضي هواهم العلمي أو الفني، لكن ما يعثرون عليه من ذلك لا يوازي المجهود الذي ينفقه رجال المجمع، ولا يوازي إضاعة هؤلاء العلماء والمشتغلين بالتدريس وقتهم في تمحيص ما يكون غير صحيح من المصطلحات التي وضعها المجمع.

أمَا وهذا الأمر ثابت لا وجه للمرية فيه، فما جاء في الفقرة الأولى من المادة الثانية لمرسوم إنشاء المجمع في سنة ١٩٣٢، وما نقله المشرع الحالي عنه بنصه وفصه، من تكليف مجمع اللغة العربية بجعل هذه اللغة وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر، وذلك بأن يحدد ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب، ما جاء في هذه الفقرة ينافي طبائع الأشياء، ويخرج المجمع عن المهمة الأساسية التي يجب أن يكرِّس جهوده فيها.

وهذا هو ما وقع بالفعل، مع الشيء الكثير من الأسف، وهذا هو ما استغرق أكبر جهد المجمع واستنفد الوقت من أكثر لجانه، وحسبك أن تطلع على محاضر جلساته لترى فيضان الجدل حول الألفاظ وتحديد معانيها لتلائم حاجات العصر الحاضر، أي لتخرج عن المعنى الذي كان لها في الماضي إلى معنًى حديث لم يكن معهودًا من قبلُ، فهل نسمي ناطحات السحاب أُطمًا أو صرحًا أو طربالًا؟ أمرٌ استغرق من المجمع جهدًا أي جهد، وهل نسمي التليفون إرزيزًا أو مسرة، أو نكتفي بأن نقول عنه إنه التليفون؟ قد كان موضع عناء هو الآخر، وهذا وغيره قد استغرق من السنين الأربع الماضية ما كان واجبًا أن يُستغرق في أمور أخرى أعوَد بالفائدة على اللغة، وأكثر اتصالًا بمهمة المجمع كما يجب أن تُفهم هذه المهمة في العصر الحديث.

ونرجئ الكلام في بقية أغراض المجمع، وفي تأليفه ومؤهلات أعضائه إلى الأسبوع المقبل.

(٢)

من الخطأ أن يعهد إلى مجمع اللغة العربية بتحديد المصطلحات في العلوم والفنون المختلفة، فهذه المصطلحات من وضع العلماء الأخصائيين في هذه العلوم والفنون ممن يقومون بمهمة التدريس أو التأليف فيها، فإذا أردنا أن نبلغ باللغة إلى أداء مطالب العلوم والفنون في تقدمها، وأن تكون ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر، فالطريقة المثلى لذلك أن تجعل العربية لغة التعليم في كليات جامعاتنا في مصر وفي غير مصر من البلاد العربية، وما حدث من تطور اللغة إلى أداء جميع المطالب الفقهية والتشريعية بعد تدريس القانون وعلومه في كلية الحقوق باللغة العربية ليس إلا مثلًا لذلك.

ولو أننا حذونا هذا الحذو في الكليات الأخرى وفي العلوم جميعًا؛ لرأينا اللغة تنهض نهضة لا يتأتى لمجمع من المجامع أيًّا كانت مؤهلات أعضائه وملكاتهم ومواهبهم، ومهما تبلغ الجهود التي يبذلونها لتحقيق غرضهم أن ينهضوا بها هذه النهضة.

يحسب بعضهم أن ما حدث في التشريع والقضاء بعد تدريس الحقوق باللغة العربية إنما حدث بسبب ما بلغه الفقه الإسلامي في عصور الازدهار العربي من تقدم يضارع ما بلغه التشريع الأوروبي في أزهى العصور وأرقاها، وإن ما سوى الفقه والقانون من العلوم والفنون ليس له في اللغة العربية ولا في العلوم العربية مثل هذا الحظ، فإذا دُرِّس الطب أو الهندسة أو الفلك أو الزراعة أو الكيمياء باللغة العربية، اصطدم الطلاب والمدرسون في هذه العلوم والفنون بنقص فاحش في معاجمها وكتبها القديمة، فجنى ذلك على العلوم والفنون وعلى مبادئها وتفاصيلها. وهذا قول يدعو إلى الاستخفاف بما يجب من البحث الدقيق قبل إصدار حكم حاسم كهذا الحكم؛ فقد مارس العرب هذه العلوم والفنون، وكتبوا فيها الموجزات والمطولات، ولقد كانت لهم في الطب وفي الفلك وفي الرياضيات وفي الهندسة مكانة محسودة في عصرهم، لكن الصلة بيننا وبينهم في هذه العلوم والفنون قد انقطعت، بينما ظلت الصلة جارية في الفقه والتشريع؛ لأنهما كانا عماد الحكام وسندهم في عصور القوة والازدهار، ولو أن أحدًا حاول اليوم أن يبعث الطب العربي أو فن العمارة العربية أو الفلك العربي، وأن يجعله موضع بحث ودراسة؛ لألفى فيه من الثروة العلمية واللغوية ما يسكت الذين يتهمون العرب ولغتهم بالقصور، على أن الجهود الفردية في هذه الأمور الجسيمة بطيئة الثمرة، فإذا لم تُعنَ الجامعة بتدريس تاريخ الطب العربي، والفلك العربي والرياضيات العربية، كما تُعنى بدراسة الأدب العربي والفلسفة الإسلامية، فسنبقى في هذه العلوم والفنون حميلة على غيرنا من الأمم الغربية، وسنظل أدنى إلى العجمة في شأنها، وسيكون كلامنا فيها أدنى إلى الرطانة منه إلى الإبانة، وستذهب جهود المجمع اللغوي وغير المجمع اللغوي في وضع المصطلحات العلمية والفنية سُدًى، وسيذهب المال الذي ينفق فيها هباء، وستظل معاجمنا في هذه العلوم والفنون ناقصة نقصًا فاحشًا، وسيبقى العلم والفن غريبين عنا، يردان إلينا كما ترد البضائع الأجنبية يتذوقها بعضنا ويأباها أكثرنا، وستبقى زعامة مصر في العلم والثقافة مضطربة الأساس؛ لأن مصر ستظل طريقًا لانتقال العلم من الغرب إلى الشرق دون أن تسيغه، أو أن تخلع عليه صبغتها وصبغة الشرق والعربية.

وشأن مجمع اللغة العربية في تحديد ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب ليس خيرًا من شأنه في وضع مصطلحات العلوم والفنون، والواقع أن ما أسبغه المشرع على المجمع من هذه الصبغة أدنى إلى أن يكون مضحكًا منه إلى أن يكون عجيبًا، فهو قد خلع عليه بذلك صبغة المُعلِّم في أساليب الكتابة وطرق التصوير. وهذا أمر لم يزعم مشرعٌ القدرة على أن يخلعه على أية هيئة من الهيئات في أية أمة من الأمم، وما نظن «الخالدين» من أعضاء الأكاديمية الفرنسية يدَّعون لأنفسهم هذه الصفة أو يزعمون أنهم الحَكَم الأول والأخير في أمور اللغة وأدبها، دعك من العلوم والفنون ومن الفلسفة والمنطق وأساليبها وتراكيبها، فلم يقل أحدٌ في فرنسا أن (الأربعين) أعضاء الأكاديمية خير كتَّاب الفرنسية، والذين يؤرخون للأكاديمية يذكرون أسماء كان لها الأثر البالغ في توجيه اللغة الفرنسية وأساليبها، ولم يكن أصحابها أعضاء فيها.

وحسبنا أن نذكر من الأسماء المألوفة لنا في مصر اسمي موليير وروسو، فهما لم يكونا، كما لم يكن كثيرون غيرهم من فحول الأدب الفرنسي، أعضاء في الأكاديمية، مع ذلك كان لهما — كما كان لهؤلاء الفحول من زملائهما الذين خُلدوا على الزمان بعد موتهم وإن لم يدخلوا أثناء حياتهم في «مجمع الخالدين» — أثر أكبر من كل ما ترك «الخالدون» في اللغة من أثر. فلو أن الأكاديمية كانت تحدد ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب في اللغة الفرنسية، ثم خضع لها أمثال هؤلاء الفحول النوابغ؛ لبقيت اللغة الفرنسية ضعيفة الأدب متخاذلة، ولكان السبق فيها لحفاظ الأجرومية، والذين يستظهرون المعجم، والذين يعرفون قواعد الفصاحة والبلاغة، وهؤلاء قلَّ أن يكون منهم النابغة الذي ينشئ في الحياة جديدًا، فالنبوغ والإنشاء ينكران القواعد، وينكران التحديد؛ لأنهما هما اللذان يقيمان القواعد، ويصوران الحدود دون أن يحظروا تخطيها، ودون أن يحددوها تحديد تشريع ينفذه المدرسون والأساتذة كما ينفذ الجنودُ القانونَ.

والواقع في الكتابة نثرًا وشعرًا أن الأمر أمر فن وذوق وذاتية موهوبة قبل كل شيء، وقبل أن يكون قواعد وتراكيب يحددها مجمع من المجامع أو هيئة من الهيئات، والكتَّاب والشعراء الذين يحذقون القواعد كل الحذق، ويعرفون أساليب البلاغة كما قررتها الكتب خير المعرفة، وتأبى معرفتهم هذه عليهم الخطأ، أولئك هم الكتَّاب المجيدون والشعراء المجيدون، ولكن شتان بينهم وبين النبوغ، فالنابغة رجل ثائر بطبعه، لا يعرف القيود ولا القواعد؛ لأن القيود والقواعد ملكه وفي أسره، وليس هو مملوكًا لها ولا أسيرها.

ولسنا نريد أن نشير إلى ما في القرآن من خروج على قواعد اللغة المألوفة، فالقرآن كلام الله، ولله المثل الأعلى، لكن فحول الشعراء والكتَّاب في العصور كلها وفي الأمم جميعًا هم الذين يؤخذون عادة بازدراء قواعد الأدب واللغة والبيان والبديع، وهم الذين تسجل عليهم المآخذ، ثم لا تنقص المآخذ التي تسجل عليهم من فنهم، ولا تَحُول بينهم وبين النبوغ، بل كثيرًا ما تصبح المآخذ التي يؤخذون بها قواعد يجري غيرهم عليها على أنها بعض حسنات اللغة والإبداع في الأسلوب! تُرى لو حدد مجمع اللغة ما ينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب، ثم جاء الكاتب النابغة أو الشاعر النابغة فعصف بحدود المجمع وحطمها، وسار القُرَّاء والكتَّاب والشعراء وراءه، وخلوا المجمع وراءهم ينعي حدوده وألفاظه وتراكيبه، فما عسى يصنع المُشرِّع؟ وهل يقف إلى جانب المجمع كئيبًا محزونًا ينعى هو الآخر نصوص المادة الثانية من قانون المجمع ويبكي أحرَّ البكاء لعدم احترامها؟ أم تراه يستعين بالجند والخُفراء والمُحضرين والسجَّانين لينقذ هيبة الدولة، وهيبة مجمعها الملكي، وهيبة أعضائه الأماثل الأماجد؟!

وتجري الفقرة الثانية لقانون المجمع بأن من أغراضه أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثًا دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها.

وقد سبقنا إلى القول بأن فكرة المعجم التاريخي للغة العربية ترجع إلى حين علم المغفور له الملك فؤاد الأول بالمجهود العظيم الذي قام به العالم المستشرق الأستاذ فيشر، والذي قضى فيه أربعين سنة كاملة، وضع في خلالها جذاذات للألفاظ العربية وتطورها التاريخي إلى آخر القرن الثاني للهجرة. ونضيف إلى ما سبق أن الأستاذ عرض معجمه على المجمع هنا ليقرر طبعه، والأستاذ عضو من أعضاء المجمع، مع ذلك رأى زملاؤه الأمر جديرًا بأن يكون موضع خلاف، ومالت كثرتهم إلى عدم الفائدة منه، ولولا أن تدخل الأستاذ لطفي السيد باشا وأبلغ المجمع أنه: إذا لم يقم بطبع قاموس الأستاذ فيشر على نفقته، فستقوم الجامعة المصرية بطبعه؛ لكان من حق الأستاذ فيشر ومن حق أي إنسان آخر أن يشك في قرار المجمع، وهل ينتهي إلى طبع هذا المعجم أو إلى إغفال طبعه؟ لكن قرار مدير الجامعة حمَّس المجمع، وجعله يخشى — إن قامت الجامعة بهذا الأمر — أن يُفوِّت على المجمع غرضًا من أغراضه، ولذلك قرر طبع هذا المعجم.

والمعجم كما ذكرنا ما يزال جذاذات يزيد عددها على المليون، ولم يكن أحد يعرف — إلى أن قرر المجمع طبع المعجم — ما تحتوي الجذاذات عليه. وكل ما حدث أن نظم الأستاذ فيشر، بمعونة بعض موظفي المجمع، ثلث الجذاذات لمادة «أخذ»، وقدَّمها للمجمع كمثل لما يكون عليه هذا المعجم التاريخي، فلما اطلع المجمع عليها قرر الطبع بعد الذي عرفه من اتجاه مدير الجامعة، على أن الأستاذ فيشر أراد بموافقة المجمع أن يزيد على معجمه قرنًا آخر هو القرن الثالث الهجري، وأن يجعل استشهادات معجمه تتناول هذا القرن الثالث كذلك. ويقوم جنابه الآن، بمعاونة شبان أذكياء من موظفي المجمع، بهذا العمل الضخم. وليس يسيرًا أن يقدر الإنسان السنين التي يجب أن تنقضي قبل تمام هذا العمل، وقبل تنظيم هذا المليون من الجذاذات. وحسبك أن تعرف أن العمل لم يتقدم إلى اليوم إلى أكثر من الألف في حرف الألف، ولم يتعدها إلى أية كلمة أو حرف غيرها؛ لتقدر عدد السنين التي لا مفر من انقضائها قبل إتمام هذا العمل العظيم.

وليس شك في أنه عمل عظيم، لكن من حق كل من تعنيه اللغة العربية وشئونها أن يتساءل: وما بال التطور للغة فيما بعد القرن الثالث؟ صحيح أن ما وراء ذلك لم يكن من عصور الازدهار، لكن اللغة أصابها فيه ما أصاب البلاد العربية كلها، وما جاء بعد ذلك من نهضة نرجو اليوم اطِّرادها متأثر حتى بعصور الانحلال تأثره بعصور القوة والمجد، فلا مفر لنا من أن نقوم بإتمام هذا المعجم خلال القرون العشرة الباقية بعد ثلاثة القرون التي يتناولها معجم الأستاذ فيشر حين تمامه، أفيكون ذلك من عمل المجمع، أم ننتظر نحن وينتظر المجمع حتى يجيء عالم عظيم كالأستاذ فيشر فيتم عمله، ثم نستعيره نحن منه فيكون عمل المجمع كعمل الناشر، ثم نزعم بعد ذلك أن وضع المعجم التاريخي غرض من أغراض المجمع؟

إن الفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون المجمع لم تُشر إلى قاموس الأستاذ فيشر، بل تحدثت عن وضع معجم تاريخي للغة العربية، وجعلته من أغراض المجمع. وليس ريب في أن كل معجم يراد به أن تكون اللغة وافية بمطالب العلوم والفنون في تقدمها، ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر، لا بد أن يتناول تطور اللغة في عصورها المختلفة إلى هذا العصر الحاضر، ويجب أن يتناول تاريخ الكلمات وتغير مدلولاتها. وهذا المعجم هو العمل الأساسي الذي يجب أن يكون غرض المجمع في رأينا، لكن وضع هذا المعجم لا يتحتم أن يكون على الطريقة التفصيلية التي سار عليها الأستاذ فيشر. والمعاجم التي وضعت في الماضي على طريقة «لسان العرب» لابن منظور في اللغة العربية، والمعاجم الحديثة كمعجم «لتريه» في اللغة الفرنسية، تتناول كلها تطور الكلمات وتغير مدلولاتها على وجه عام. وهذا العمل الضخم يحتاج إلى جهود جبارة، لكن مجمعنا لم يبدأ بعدُ بوضع نظام للقيام به، بل لم يبدأ بعد بالتفكير فيه؛ لأن الغايات الكثيرة الأخرى التي نيطت به قد شغلته عن هذا الغرض الأساسي، وهي جديرة أن تشغله عنه ما دامت موجودة في قانون المجمع؛ لأنها أيسر منه مشقة، ولأن في طبيعة الإنسان أن يتجه وجهة المجهود الأيسر.

ودراسة اللهجات أحد هذه الأغراض التي يمكن أن تشغل المجمع؛ لأنها هي الغرض الذي قررته الفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانونه، صحيح أن المجمع لم يتجه بعد وجهتها، لكن هذا الأمر كان موضع عناية الأستاذ نللينو، المستشرق وعضو المجمع، فقد وضع فيها مذكرة قدَّر بها، بحق، ما لدراسة اللهجات في أية لغة من اللغات من الأهمية، وبخاصة في تقدير تطورها وقيمة هذا التطور.

لكنا نخالف الأستاذ نللينو ونخالف مجلس النواب في أن تكون دراسة اللهجات من أغراض المجمع الملكي للغة العربية، وليس يكفي أن يكون لها من جلال الخطر وعظم الشأن ما لها لتكون بعض هذه الأغراض، ولو أن كل أمر من الأمور يتصل باللغة كان من الأغراض الأساسية للمجمع لوجب أن يوضع في قانونه كل علم من علوم اللغة، وكل فن من فنونها، ولصح أن يكون إحياء الأدب العربي والفلسفة العربية والعلوم العربية بعض هذه الأغراض، وقد بيَّنَّا ما في فرطحة أغراض المجمع من خطر على قيامه بالغرض الأساسي من إنشائه؛ وهو وضع المعجم أو المعاجم التي تحتاج إليها اللغة.

ولقد انقضت سنوات أربع على وجود المجمع دون أن يُعير مسألة اللهجات ودراستها أية عناية؛ ذلك بأن هذا الموضوع دقيق لذاته دقة لا تتصل بعمل المجمع اتصالًا أساسيًّا، ولأنه ليس مما يدخل بطبعه في عمل المجمع، فهو ليس من اليسير بحيث تحسن إضاعة الوقت فيه كإضاعته في البحث عن المصطلحات، وهو ليس من الفائدة المحققة بما يدعو المجمع إلى العناية به، ولذلك تركه جانبًا، ولا رجاء في أن يعيره أحد هذه العناية في المستقبل، مع ذلك فهو باقٍ في قانون المجمع على أنه غرض أساسي من أغراضه، وهو قد انتقل من قانون سنة ١٩٣٢ إلى مشروع سنة ١٩٣٧، مع اعتقاد الجميع بأنه أدنى إلى الزينة في القانون، وليس العهد بالقوانين أن تكون فيها زينة أو زخرف، وإنما العهد بها أن يكون فيها ما يجب تنفيذه.

وقد فطنت وزارة المعارف إلى هذه الحقيقة في سنة ١٩٣٦–١٩٣٧، فلما وضعت مشروعًا بتعديل قانون المجمع ألغت من مادته الثانية الفقرة الخاصة بدراسة اللهجات، لكنها عزَّ عليها ألا يكون للمجمع غرض ثالث إلى جانب المحافظة على سلامة اللغة العربية، ووضع المعجم التاريخي كما كان له غرض ثالث في قانون سنة ١٩٣٢، لذلك أضافت غرضًا جديدًا هو إحياء الأدب العربي، وقالت في مذكرتها الإيضاحية تسويغًا لذلك ما نصه: «بقيت أغراض المجمع في جوهرها كما كانت في مرسوم إنشائه، مع حذف ما جاء في الفقرة (ج) من (المادة ٢) من المرسوم خاصًّا بتنظيم دراسة علمية للهجات العربية الحديثة في مصر وفي غيرها من البلاد العربية، باعتبار أن هذا الغرض لا يدخل في صميم أعمال المجمع؛ ولذلك لم يشرع المجمع في أي دراسة من هذا النوع، وأضيف غرض جديد يتصل اتصالًا وثيقًا بمهمة المجمع؛ وهو إحياء الأدب العربي، وبذلك يمكن توفر المجمع على هذا الموضوع لتحقيق ما له من الأثر البعيد في النهضة الأدبية في مصر والبلاد الشرقية».

ولقد رأى مجلس النواب حين عرض عليه مشروع وزارة المعارف، أن إحياء الأدب العربي لا يدخل في صميم أعمال المجمع أكثر مما تدخل دراسة اللهجات؛ ولذلك رفض هذا التعديل وردَّ دراسة اللهجات. وإذا كنا نختلف مع مجلس النواب ولا نرى ما رآه في أمر اللهجات ودراستها، فإنَّا نوافقه حين لم يوافق على جعل إحياء الأدب العربي غرضًا من أغراض المجمع، ونخالف وزارة المعارف في ذلك. صحيح أن هذا الغرض سهل التناول، وأن القانون لو أقره لانصرف المجمع بكله له، ولشغلت المطبعة الأميرية ومطبعة دار الكتب ومطابع أخرى بطبع الكتب القديمة، ولجامل أعضاء المجمع بعضهم بعضًا؛ هذا يقر ما يلذ ذاك أن يطبعه ليقر الآخر بدوره ما يلذ هذا أن يطبعه، لكننا على ثقة من أن المجمع ينصرف بهذا الغرض السهل عن غرضه الأساسي من وضع المعجم والمعاجم الخاصة التي يجب أن يتوفر عليها، فإذا سئل الأعضاء في ذلك قالوا: إنهم بالإحياء يمهدون لوضع المعجم، كما يقولون اليوم إنهم بوضع المصطلحات يمهدون لوضع المعجم.

لا نريد بهذا أن نغض مما لإحياء الأدب العربي من جلال الخطر، ونحن نعتقد أن إحياء الأدب العربي والفن العربي والعلم العربي كإحياء الآداب والعلوم والفنون القديمة كلها للبلاد الشرقية جميعًا من الواجبات الأولى لتقدم هذه البلاد العربية جميعًا، لكن هذا الإحياء من عمل كلية الآداب بالجامعة المصرية، وكلية اللغة العربية بالأزهر، ومن عمل الهيئات الخاصة التي تعنى بالآداب العربية. وهذه دار الكتب تقوم اليوم بقسط محمود من هذا الإحياء، وإذا كان من الناس من يوجه إليها النقد في هذا العمل؛ فذلك لأن النقد يسير، والإنشاء عسير، ولأن هيئةً لم تؤلف لهذا الغرض في الدار ليكون لها على هذا العمل العظيم إشراف خاص.

هذه ملاحظات عامة نسوقها في أغراض المجمع، ونريد الآن أن نتناول النص الخاص بالأعضاء، وكيف يكون اختيارهم؛ فأعضاء المجمع هم الذين ينفذون قانونه، وعلى اختيارهم يترتب الكثير من عمل المجمع، بل يترتب عمل المجمع كله اليوم وفي المستقبل.

وضعت الحكومة في سنة ١٩٣٢ مشروعًا لقانون المجمع جاء في المادة الرابعة منه ما نصه: «يؤلف المجمع من عشرين عضوًا عاملًا يختارون من بين العلماء، بقطع النظر عن جنسياتهم، ممن وضعوا مؤلفات في فقه اللغة لها قيمة لا تُنازع من حيث البحث العلمي في فقه اللغة العربية ولهجاتها، ويتناول الاشتراك في أعمال المجمع اشتراكًا فعليًّا، ويختار وزير المعارف العمومية هؤلاء الأعضاء العاملين لأول مرة عند تأليف المجمع، ويعرض أسماءهم على حضرة صاحب الجلالة الملك لتصديقه السامي، وكلما خلا محل في المجمع بعد ذلك بسبب وفاة عضو، أو استقالته، أو حذف اسمه، يعرض المجمع بأغلبية أصوات ثلثي أعضائه العاملين اسم العضو الجديد على وزير المعارف العمومية مشفوعًا بتقرير وافٍ عن كفاية المرشح العلمية التي تبرر ترشيحه، ويعرض هذا الاقتراح على حضرة صاحب الجلالة الملك لتصديقه السامي». فلما صدر قانون المجمع في ١٣ ديسمبر سنة ١٩٣٢، كانت هذه المادة قد عدلت فيه بأن حذف منها النص على أن يكون الأعضاء ممن وضعوا مؤلفات في فقه اللغة لها قيمة لا تنازع من حيث البحث العلمي في اللغة العربية ولهجاتها، واستعيض عنه بأن يكون الأعضاء من العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية، أو بأبحاثهم في فقه هذه اللغة ولهجاتها، وبذلك انفسح ميدان الاختيار أمام الحكومة، ولم يبق التأليف في اللغة وفقهها أو في أدبها وعلومها قيدًا واجب الاحترام عند الاختيار، وأصبح الأمر في الاختيار للسمعة وحدها، وإذا قلَّت السمعة قلَّ الإطلاق في الاختيار، فالسمعة لا ضابط لها، وبهذا التعديل أتيح للذين يعتقدون أن تأليف المجمع كان سياسيًّا دليل لعلهم لم يكونوا يجدونه بمثل ما وجدوه بعد صدور القانون من السهولة لو أن المادة بقيت بنصها في المشروع الأول.

ولسنا بذلك نسوغ القيد المقصور على وضع مؤلفات لها قيمة لا تنازع من حيث البحث العلمي في فقه اللغة العربية ولهجاتها، فهذا قيد يجعل نطاق الاختيار ضيقًا من غير شك، لكن وضع مؤلفات في اللغة وآدابها، وتوسيع ميدان الاختيار بذلك من غير إطلاقه هذا الإطلاق الذي عمد إليه مشرع سنة ١٩٣٢ فعرض نفسه به للاتهام، قيد واجب في نظرنا، وإذا اعترض عليه بأن عصرنا الحاضر تتعادل فيه الترجمة مع التأليف، وبأن من الشعراء من ليست لهم مؤلفات عدة في الأدب وهم مع ذلك فحول في اللغة، فلا أقل من النص على أن يكون للعضو أثر في اللغة وآدابها تأليفًا أو ترجمة، أما الإطلاق البحت على نحو ما حدث، فذلك فتح لباب الفوضى وللاتهام بالغرض السياسي في التأليف والاختيار، هذا إلى أنه يعرض المجمع، إذا خلا من المؤلفين وأصحاب الآثار القيمة في اللغة وآدابها، إلى عدم احترام الجمهور احترامًا يحمله على عدم الاعتداد بعمله وآثاره.

ومن عجب أن المادة التاسعة من مشروع سنة ١٩٣٦–١٩٣٧ قد سجلت في أمر مؤهلات الأعضاء صيغة المادة الرابعة من مرسوم سنة ١٩٣٢ مع تحوير أدنى إلى الخطأ منه إلى الصواب، فقد كانت مادة سنة ١٩٣٢ تنص على أن يكون الأعضاء من بين العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية، أو بأبحاثهم في فقه هذه اللغة أو لهجاتها، أما المادة التاسعة من مشروع القانون المعروض الآن على مجلس الشيوخ بعد أن أقرَّه مجلس النواب، فتريد أن يكون الأعضاء من بين العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية وآدابها، أو في العلوم والفنون. وفي هؤلاء يدخل — بطبيعة الحال — العلماء المعروفون بتبحرهم في الطب أو الهندسة أو الرياضة أو العمارة أو النقش أو الموسيقى، ولو لم يكونوا يعرفون من اللغة العربية ومصطلحاتها في هذه العلوم والفنون شيئًا مذكورًا.

أحسب هذا التعديل في المادة القديمة بيِّن الخطأ، وأحسب نقل المادة القديمة على ما فيها من إطلاق التعيين في المجمع من كل قيد غير قيد السمعة لا ينجي من الاتهام اليوم بأن التأليف سياسي، كما اتهم تأليف سنة ١٩٣٢ بأنه تأليف سياسي، وما أحوجنا اليوم للبراءة من هذه التهمة في أمر المجمع! وهو أبعد ما يكون عن السياسة وأهوائها ومنازعها، ويجب أن يكون بعيدًا دائمًا عن هذه المنازع والأهواء.

كيف نحدد أغراض المجمع إذن؟ كيف يكون تأليفه واختيار أعضائه؟ هذا ما نتم به البحث في الأسبوع المقبل.

(٣)

بعد الذي أبديناه من الآراء في أغراض مجمع اللغة العربية الملكي ومؤهلات أعضائه على ما صُوِّرت في مرسوم سنة ١٩٣٢، وعلى ما هي مصورة في مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب، والمعروض اليوم على مجلس الشيوخ لإقراره كيما يصدر القانون به، يجمل بنا أن نبدي رأينا في تحديد أغراض المجمع، وفي مؤهلات أعضائه، وفيما يجب أن يكون بينه وبين الهيئات العلمية والفنية في هذه البلاد من صلات.

وفي رأينا أن المادة الثانية من قانون المجمع يجب أن يجري نصها بما يأتي: «أغراض المجمع هي:

(أ) وضع معجم عام للغة العربية، ومعجم تاريخي، ومعاجم خاصة بالعلوم والفنون، وذلك لكفالة سلامة اللغة العربية، وتسجيل تطوراتها في سبيل الأداء لمطالب العلوم والفنون ولحاجات الحياة في العصر الحاضر.
(ب) أن يضع في المسابقة ما يرى ضرورة أو منفعة للتأليف والترجمة فيه من الموضوعات الأدبية ويقرر المكافأة عليها.
(جـ) أن يفحص ما يقدم إليه من الكتب المؤلفة أو المترجمة في الآداب، ويقرر قبولها أو المكافأة عليها أو رفضها».

ويجب أن تجري المادة الثالثة بما يأتي:

ينظم المجمع الوسائل التي يراها مؤدية لتحقيق أغراضه، والوسائل التي يطالع بها الجمهور على ما يقوم به من بحوث ودراسات في هذا السبيل.

أما المادة التاسعة فيجب أن تعدَّل فتكون كما يأتي:

يُؤَلف المجمع من ثلاثين عضوًا من بين العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية وآدابها، والذين لهم في ذلك آثار معروفة لها قيمة لا تنازع، على أن يقبلوا الاشتراك في أعمال المجمع اشتراكًا فعليًّا، ويجوز أن يكون عشرة منهم من الأجانب على الأكثر، ويعين الأعضاء لأول مرة بمرسوم بناء على عرض وزير المعارف العمومية.

ويجب أن تعدل المادة الرابعة والعشرون فتكون كما يأتي:

وإذا خلا محل أحد الأعضاء اقترح مجلس المجمع اسم العضو الجديد بأغلبية ثلثي أعضائه، ويجب أن يُصحَب الاقتراح بتقرير مُفصَّل يتناول آثاره في اللغة العربية. ويعين العضو الجديد بمرسوم بناء على عرض وزير المعارف العمومية.

أحسب هذه التعديلات في مواد قانون المجمع تحقق ما يرجى منه، وتزيل الاعتراضات التي وجهت إلى مرسوم إنشائه، وإلى مشروع القانون الذي يراد به أن يصدر اليوم ليحل محل هذا المرسوم، ونحن لم نجئ بما قدمنا ليوافق رأينا وحده، بل جئنا بأكثره مما وضع في المشروعات والمذكرات السابقة في هذا الموضوع. أما أغراض المجمع على النحو الذي أردناها به فتتفق مع ما جاء في المذكرة التي وضعها لطفي السيد باشا، مدير الجامعة المصرية، في ١٧ نوفمبر سنة ١٩٢٧، وكل ما خالفناه فيه أننا حذفنا الغرض الثاني من الأغراض التي وضعها، وهو وضع معجم للمعارف (إنسيكلوبديا)، كما حذفنا الغرضين الثالث والرابع الواردين في مذكرة مدير الجامعة؛ أن تتناول مسابقة التأليف أو الترجمة أو الكتب التي تقدم إلى المجمع الموضوعات العلمية مؤلفة أو مترجمة.

أما التعديل الذي أوردناه على المادة التاسعة وعلى المادة الرابعة والعشرين، فقد ورد في مشروع المرسوم الذي أريد نشره في سنة ١٩٣٢ ما يتفق وإياه، وإن عدل عنه من يومئذٍ لأغراض قيل إنها سياسية، فأما المادة الثالثة، فقد أريد بها أن لا تكون الوسائل التي يقوم بها المجمع في تحقيق أغراضه محددة بالقانون، بل تكون من عمل المجمع نفسه، ويكون له أن يغيرها ويدخل عليها ما يشاء من التعديل بما يتفق وما تدعو إليه أغراض المجمع في تطورها.

ولسنا بحاجة إلى ذكر الأسباب التي دعتنا لاستبعاد ما لم نذكره من أغراض المجمع مما ورد في مرسوم سنة ١٩٣٢، وفي مشروع القانون المعروض على البرلمان اليوم، فقد بينَّا هذه الأسباب من قبل، كما بينا الأسباب التي دعتنا إلى موافقة مجلس النواب على استبعاده إحياء الآداب العربية كغرض من أغراض المجمع.

أما استبعادنا أن يكون وضع الإنسيكلوبديا بين أغراض المجمع ومخالفتنا بذلك أستاذنا لطفي السيد باشا؛ فلأن الإنسيكلوبديا تتناول بحوثًا في العلوم والفنون التي لا صلة لها بالمجمع وأغراضه.

وأما ما قررناه عن مؤهلات أعضاء المجمع، فأمر مقرر في مجامع اللغة في بلاد العالم كله، بل لقد آثرنا نحن ترك ميدان الاختيار واسعًا حين اكتفينا بأن تكون للعضو الذي تختاره الحكومة أو يختاره المجمع آثار معروفة لها قيمة لا تنازع في اللغة العربية وآدابها، دون أن يقتصر الأمر على التأليف؛ لأن ميدان التأليف ما يزال عندنا ضيقًا، والمؤلفات في اللغة العربية وآدابها مما له قيمة لا تنازع ما تزال محصورة، حتى لقد يتعذر أن يوجد العدد اللازم لأعضاء المجمع إذا فرض هذا الشرط، لكن أحدًا مع ذلك لن يقبل النص الحالي الخالي من كل تحديد إلا قيد السمعة بأن يكون الأعضاء من بين العلماء المتبحرين في اللغة وآدابها، أو في العلوم والفنون.

وليس يقف ضرر هذا الإطلاق إلا من قيد السمعة عند ما يجر إليه من اتهام المشرع بأن التأليف سياسي، والاختيار حين خلو محلٍّ في المجمع سياسيٌّ كذلك، بل هو يتعداه إلى ما هو شر منه، فعضوية المجمع تعتبر في البلاد كلها شرفًا يتسابق إليه الكتَّاب والشعراء، ويحرصون غاية الحرص عليه، ويجعلون من جهودهم في التأليف وسيلتهم إلى بلوغه، فإذا كانت السمعة في اللغة وآدابها كافية للاختيار، معتبرة من المؤهلات المقبولة للعضوية، لم يكن في ذلك من تشجيع المؤلفين والشعراء لبلوغ هذا الشرف ما يدعو إلى السبق والإجادة، ولم يكن فيه من تشجيع الأدب لذاته والسمو به إلى المكانة الواجبة له ما نشهد مثله في الأكاديمية الفرنسية مثلًا.

والكتابة، تأليفًا وترجمة، هي الوسيلة الأكيدة لصقل اللغة العربية، وتهذيب الذوق العام، والسمو بهما إلى المكانة التي ينافسان فيها الآداب الحية في أكثر الأمم تقدمًا. وهذا غرض عظيم يجب أن لا يفوت المُشرِّع المصري في هذا الطور من أطوار حياة البلاد الداخلية، وفي هذا العصر الذي ألقي على مصر فيه أن تتولى زعامة الأمم العربية في شئون الثقافة بنوع خاص، وفي شئون الحياة العامة كلها بنوع عام.

أما السبب الذي دعانا إلى استبعاد ما يتصل بالعلوم والفنون من أغراض المجمع، واستبعاد السمعة العلمية والتأليف العلمي من مؤهلات أعضائه، فيرجع إلى ما امتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه من التخصص، ومن تقسيم العمل على أساسه، مما جعل كل أمر لا يكون التخصص فيه واضحًا دقيقًا أبعد عن الحياة العلمية وأدنى إلى عصور الانحطاط، وهذا هو ما دعا في فرنسا، وفي إنجلترا، وفي أمم الغرب وكثير من أمم الشرق إلى إنشاء هيئات علمية وفنية لا يقل شرف الانتساب إليها عن شرف الانتساب إلى الهيئات اللغوية والأدبية.

ونستطيع أن نضرب مثلًا من الحياة العلمية لا يبقى بعده مجال للريب في صحة رأينا في هذا الأمر، فمن أطبائنا ومن مهندسينا أعضاء في جمعيات علمية إنجليزية وغير إنجليزية، وهم يعتبرون هذه العضوية شرفًا لهم كبيرًا، ترى أتقبل هيئات اللغة والأدب في البلاد المختلفة أن تأخذ العلماء ورجال الفن منَّا وإن تبحروا في اللغة الإنجليزية من ناحية علمهم أو فنهم ما تبحروا؟ وهل يعتبر أطباؤنا أو علماؤنا وأساتذتنا شرفًا لهم أن ينسبوا إلى هيئات لغوية أو أدبية في فرنسا أو إنجلترا، كما يعتبرون شرفًا لهم أن ينسبوا إلى هيئات علمية طبية أو هندسية أو ما إليها؟ الجواب على ذلك صريح لا تردد فيه، فما لنا نريدهم هنا على أن يكونوا أعضاء في مجمع اللغة وهم يقرون بأنهم ليسوا علماء فيها وإن كانوا فطاحل في علومهم أو فنونهم؟!

وهنا تعرض المسألة الخطيرة التي أريد أن أعالجها في هذا البحث، أقصد ما يجب أن يكون بين مجمع اللغة والهيئات العلمية أو الفنية في هذه البلاد من صلات.

فلدينا هيئات فنية وعلمية لها احترام عظيم، وفي الانتساب لها شرف يقدره أعضاؤها وأبناء البيئة العلمية أو الفنية التي تمثلها هذه الهيئات، لدينا الجمعية الطبية المصرية، ولدينا جمعية المهندسين الملكية، ولدينا هيئات التدريس المختلفة في الجامعة المصرية، ولدينا هيئات أخرى في العلوم والفنون المختلفة، ولدينا كذلك هيئات تشتغل من شئون الأدب بما لا يدخل في أغراض المجمع. هذه الهيئات يجب أن يعمل المشرع على الاعتراف بما يجب الاعتراف به منها، وعلى تقويتها جميعًا. ولو أنه فعل لاستطاع أن ينشئ هيئة لها احترام كبير كهيئة المعهد الفرنسي، ولجمع هذا المعهد هيئات شتى كما يجمع المعهد الفرنسي هيئاته الخمس، ولتيسر تنظيم الصلة بين هذه الهيئات وبين جامعاتنا المختلفة، ولأمكن للمجمع أن ينتج من الثمرات ما لا سبيل إلى إنتاجه إذا أبقينا للمجمع وأغراضه ومؤهلات أعضائه هذه الصورة المضطربة المبهمة التي صورها مرسوم سنة ١٩٣٢، والتي يريد مشروع سنة ١٩٣٧ أن لا يخالفها إلى ما هو خير منها.

نعلم أن بعضهم يذهب إلى أن المجمع بتكوينه الحالي يشبه الأكاديمية الفرنسية أول إنشائها، ويرى في ذلك خيرًا كثيرًا، إذ إنه يسمح للمجمع أن يتطور كما تطورت الأكاديمية الفرنسية، وأن يكون في تطوره حافزًا للهيئات الأخرى على أن تعمل ليعترف المشرع بها. وهذا كلام ينقصه حسن الطلاء، فإن تطور الأكاديمية الفرنسية قد اقتضى قرونًا متوالية، وقد انتهى الأمر بإلغائها إبان الثورة الفرنسية، ثم أعيد تنظيمها كهيئة من هيئات المعهد، فإذا أردنا أن نبدأ مجمعنا اللغوي كما بدأت الأكاديمية الفرنسية فأكثر ما نستطيع من ذلك أن نجعل هذه البداية كبداية الأكاديمية بعد الثورة الفرنسية. هذا إلى أن التطور الذي حدث في الأدب والعلم والثقافة بوجه عام خلال القرن الأخير قد جعل مثل هذه البداية أدنى إلى الشر منها إلى الخير، وإلى الفساد منها إلى الصلاح. فنحن قد تأثرنا بالحياة العقلية الأوروبية في القرن التاسع عشر أكبر التأثر، ونحن قد نسجنا في منشآتنا جميعًا على أحدث النظم العصرية، أو حاولنا ذلك على الأقل؛ فدستورنا قد وضع على أساس من هذه النظم وكذلك جامعاتنا، ونحن نحاول أن نبلغ أكثر أمم العالم تقدمًا بأسرع ما تُمكِّنُنا قُوانا، فأما أن مجمع اللغة العربية كان وحده هو الذي ينسج على نهج الأكاديمية الفرنسية أول إنشائها، أو بعد بعثها في أعقاب الثورة الفرنسية، إذن لكان هذا المجمع «أنتيكة» من العاديات بين نظمنا الأخرى التي أخذت بالمنهج الحديث، ولما استطاع المجمع لذلك أن يساير حياة البلاد في تطورها السريع لتبلغ القمة من حضارة العصر.

لا مفر إذن من أن يكون المجمع قائمًا على أحدث المبادئ العصرية هو الآخر، ومن أن تنظم الصلات بينه وبين الهيئات العلمية والثقافية الأخرى، وبينه وبين الجامعة، وأن يسير في عمله ونظامه على نحو ما تسير المجامع في البلاد المختلفة. وكيف لا يفعل واللغة العربية كغيرها من اللغات تتصل حياتها بالحاضر، هي أدبه وعلمه وفنه وفي كل مقوماته، دون أن ينقطع اتصالها بالماضي؛ لأن الحاضر لا يمكن أن ينقطع اتصاله بالماضي، فكل حاضر لا ماضي له لا مستقبل له، فلا مفر إذن من أن ننظم مجمعنا على الوجه الذي ذكرته، ومن أن ننظم أسباب التعاون بينه وبين الجمعية الطبية وجمعية المهندسين، والجامعة المصرية، والنادي الزراعي وكل هيئة تشتغل بشئون العلم والفن وما يتصل بالعلم والفن من شئون اللغة.

الاعتراض الذي يمكن أن يرد على هذا هو أن هذه الهيئات لا تُعنى باللغة العربية وصلتها بعلومها، وهو اعتراض له قيمته التي لا تُنكر، لكنه اعتراض يزول إذا أراد المُشرِّع لهذه الهيئات أن تقوم بواجبها نحو العلوم والفنون التي تزاولها في اتصالها باللغة العربية حين تعبيرها عن هذه العلوم والفنون، وأول ما يجب من ذلك محاولة تدريس العلوم باللغة العربية في كليات الجامعات المختلفة، ووضع برنامج لذلك ينتهي بعد سنوات عشر، أو أكثر من ذلك أو أقل، إلى أن يكون تدريس هذه العلوم جميعًا باللغة العربية. ويجب لذلك أن تطالب الهيئات الأخرى لخريجي الكليات والمدارس العلمية والفنية بأن تقوم بواجبها من ذلك مقابل ما تبذله لها الحكومة من معونة، ويجب مع هذا وذاك أن تُوثق الصلات بين هذه الهيئات جميعًا بعضها البعض، وأن تكون صلاتها بالمجمع في شئون اللغة متينةً تُعاوِن المجمع على أن يُسجِّل ما تقرُّه هذه الهيئات من المصطلحات العلمية، ويقرُّه الذوق العام للبيئات العلمية، ويستقر بذلك في المعجم العام والمعاجم الخاصة.

إذا تم هذا كله، فقد آن للمجمع أن يؤتي من الثمرات ما لم يشعر الجمهور بشيء منه إلى اليوم. نحن نعلم أن المجمع قام بأعمال تمهيدية لكثيرٍ منها قيمتُه، لكنه لا يستطيع أن يتم عملها على وجه صالح إلا إذا سار على النهج الذي رسمناه هنا، والذي نعتقده النهج الصالح الذي يقرُّه مَن يفكر في الأمر تفكيرًا دقيقًا بعيدًا عن منازع الأهواء.

فلعل مجلس الشيوخ يكون عند رأينا في هذا التفكير الذي عرضناه، ولعله لا يتأثر بفكرة قد تعرض عليه مؤداها: أن نصوص القانون لا أهمية لها، وأن ما ذكرناه نحن هنا يمكن أن يوضع موضع التنفيذ من غير حاجة إلى النص عليه، وأن من الخير لذلك كسب الوقت وعدم تعريض القانون لأن يرد إلى مجلس النواب، وبخاصة أن مجلس النواب قد يتحمس لرأيه ويحرص عليه فتفوت الفائدة من القانون ويبقى مرسوم سنة ١٩٣٢ قائمًا.

ولا نحسب هذا الاعتبار، الذي يسمى اعتبارًا عمليًّا، يمكن أن يلقى القبول في مجلس الشيوخ إذا اقتنع بما قدمنا، فالقانون الجديد ليس خيرًا من مرسوم سنة ١٩٣٢، إلا إذا اعتبرنا زيادة عدد الأعضاء عشرًا خيرًا لذاتها. فما دامت الأغراض هي هي لم تتغير؛ فلا يغير من المجمع ولا من اتجاهه أن يزاد في عدد أعضائه إلا بالقدر اليسير، والاعتراف بالشخصية المعنوية للمجمع أمر نظري معنوي أكثر من أي شيء آخر.

فأما أن مجلس النواب يتشبث برأيه فهذا ما لا نتوقعه؛ فما اقترحنا من تعديل القانون تعديلًا جوهريًّا لم يعرض على مجلس النواب منه شيء، ولو أنه عرض بهذا البسط الذي عرضناه به في هذه الجريدة قبل أن ينظر فيه مجلس النواب لكان له من غير شك رأي غير الذي رآه؛ ولذلك لا يخامرنا ريب في أن مجلس الشيوخ إذا أقر القانون مُعدَّلًا على النحو الذي اقترحناه، ثم رد إلى مجلس النواب أو اجتمع المجلسان بهيئة مؤتمر؛ لكان لهذا التعديل العظيم الفائدة أثره المرجو، ولوجَّه المجمع أعماله وجهة جديدة.

والآن وقد أبدينا رأينا فقد أدينا واجبنا للوطن، وما نشك في أن مجلس الشيوخ الموقر سيؤدي كذلك واجبه ما دُعي إليه، وفي أن مجلس النواب سيفعل إذا أتيحت له الفرصة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.