لا بُدَّ من اتصال الحديث عن هذه الآية العيسويَّة الخالدة؛ فإن الحديث عنها لا ينقطع، ولا ينبغي أنْ ينقطع؛ لأن فيها من العبر والعظات ما ينبغي للمصريين أنْ يقفوا عنده فيطيلوا الوقوف، وأنْ ينتفعوا منه فيحسنوا الانتفاع.

هذا رجل مصري، من خلاصة المصريين، دَرَسَ في المدارس المصرية، نشيطًا للدرس، مقبلًا عليه، يملأ نفسه حب العلم، وحب الوطن، والأمل في أنْ ينفع نفسه، وأنْ ينفع وطنه، بما يُقبِل عليه من درس وتحصيل، حتى إذا أتم درسه في مصر موفقًا، نَابِهَ الشأن، رحل عن مصر، موفور النشاط، جذع البصيرة، قارح الإقدام — كما يقول الشاعر القديم — مضاعف الثقة بنفسه وأمته، مضاعف الحب لفنِّه ووطنه، مضاعف الأمل في يومه وغده، فدرس في أوروبا كما يدرس أشدُّ الأوروبيين نشاطًا، وظفر في أوروبا بما يظفر به أعظم الأوروبيين حظًّا من العمل والجد والتوفيق. ثم عاد إلى وطنه مؤمنًا به، مخلصًا له، تضطرب في نفسه خواطر لا تحصى، كلها يتصل بهذا الوطن العزيز، الذي ينبغي أنْ يستقلَّ بأمره، وأنْ يستقل أبناؤه بحاجاته، وأنْ يحتمل أبناؤه كل التبعات التي يحتملها الرجال الناهضون في بلد ناهض؛ فلم يكد يبلغ وطنه ويستقرُّ فيه، ويتصل بالمشرفين على أمره، والمدبرين لحياته، حتى أخذت آماله الباسمة تعبس، وحتى أخذ نشاطه الشديد يفتر، وحتى أخذت ثقته المطمئنة تضعف، وحتى نظر فإذا الحكومة المصريَّة ترمقه في شيء من الاستهانة والإشفاق، وتتحدث إليه بأنه لم يبلغ بعد أنْ ينهض بثقال الأشياء، وجلائل الأعمال، فليقنع بما ينبغي أنْ يقنع به الشاب المصري، من أنْ يكون في وطنه لاحقًا لا سابقًا، وتابعًا لا متبوعًا، وليرضَ بما يجب أنْ يرضى به الشاب المصري، من أنْ يكون طالبًا مهمًّا يتم الدرس، ومتأثرًا مهما ينبغ فيه، ومن أنْ ينظر إلى الأجنبي نظر التلميذ إلى الأستاذ، ونظر الضعيف إلى القوي، ونظر الرجل العادي إلى الرجل الممتاز، وأنْ يقنع بما يجب أنْ يقنع به المصري من المرتب المعتدل، على حين يظفر الأجانب بالأجور الضخمة الفخمة.

ومع هذا كله لم يفتر نشاطه، ولم ينثنِ همه، ولم تُفَلَّ عزيمته، وإنما جَدَّ في العمل، وأخلص في خدمة فنه ووطنه، حتى أرضى الأجانب عنه، وما أقلَّ ما يرضون، وحملهم على أنْ يشهدوا له، وما أقل ما يشهدون، وخيل إليه أنه بعد طول العهد واختلاف الأحداث سيتاح له ما كان يريد، وسينهض بالتبعة التي كان يجب أنْ ينهض بها منذ زمن بعيد.

وما له لا ينتظر هذا وقد طلب الأجانب أنفسهم له أنْ يشغل منصب الأستاذ، ولكن ماذا؟ سكرتير الوزارة العام يطلب أنْ يعرض أمر منصبه عرضًا مستقلًّا، ووكيل الوزارة يوافق، والوزير يوافق، ويطلب أنْ يكتب الرد إلى مدرسة الهندسة — حسب التفهيم — ثم يكتب الرد — حسب التفهيم — فإذا التفهيم توافق بين ثلاثة من المصريين، منهم وزير، ومنهم وكيل للوزارة، ومنهم سكرتير عام، كلهم مصري، لا شك في أنه ولد في مصر، ونشأ فيها، واضطرب قلبه بآمالها، وكلهم مثقف لا شك في أنه يفرق بين الخير والشر، وبين العزة والذلة، وبين الاستقلال والاستعباد، وكلهم مع ذلك مؤمن بالتفهيم الذي يأبى على المصري أنْ ينهض بالتبعة في بلده، والذي يأبى على المصري أنْ يكون أستاذًا في مدرسة مصرية، وإنْ كان كفؤًا ليس في كفايته شك، والذي يريد أنْ يكون هذا المنصب المصري لرجل بريطاني. توافق يقوم به مصريون؛ ليردوا مصريًّا عن حقه، وليسلِّطوا إنجليزيًّا على هذا الحق. وأكبر الظن أنهم يتطوعون بهذا التوافق من عند أنفسهم، لم يأمرهم به الإنجليز، وما ينبغي لهم أنْ يأمروا به، ولم يطلبه إليهم الإنجليز، وما ينبغي لهم أنْ يطلبوه، ولكن القوم مع ذلك لم يتحرَّجوا منه، ولم يُشفِقوا من شَرِّه، وإنما أقبلوا عليه مطمئنين؛ لأن ظروف السياسة الحرجة تريد المصريين على أن يظلموا المصريين، وتريد المصريين على أنْ يهضموا المصريين حقهم، ويقدموا هذا الحق هدية إلى الإنجليز.

لم يطلب الإنجليز هذا إلى الوزير والوكيل والسكرتير، ولكنهم مع ذلك طلبوه، وليس في هذا الكلام تناقض ولا غرابة؛ فالإنجليز لم يتقدموا إلى هؤلاء السادة بظلم المصريين، وإصغار شأنهم، والغض من قدرهم، ولكن الإنجليز فرضوا على مصر سياسة تعليميَّة وإداريَّة نتيجتهما الطبيعيَّة أنْ يصغر المصري أمام المصري، وأنْ يصغر المصري أمام نفسه. تلك الرسالة البرقية التي وصلت إلى مصر في أول عهد الاحتلال، تأمر بأن يكون الموظف المصري — مهما يعظم أمره — مطيعًا للموظف الإنجليزي مهما يهن أمره، والتي ظلت قاعدة للحياة السياسيَّة في مصر ما يقرب من نصف قرن، لم تُمْحَ آثارها يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أنْ تمحى آثارها من نفوس المصريين جميعًا ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.

ذلك التعليم الذي فرضه الإنجليز على مصر عشرات السنين، والذي لا يحيي في نفس المصري عزة، ولا كرامة، ولا شعورًا بالعزة والكرامة، لم تُمْحَ آثاره يوم أُلْغِيَت الحماية، ولا يمكن أنْ تُمْحَى آثاره من نفوس المصريين جميعًا ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.

فلا تعجب إذن حين ترى مصريين يتَّفِقُون فيما بينهم على أنْ يُقْصُوا مصريًّا عن منصب مصري ليضعوا مكانه أستاذًا بريطانيًّا.

ولا تظن أنَّ هذه القصة فذَّة، أو مقصورة على الأستاذ مصطفى نظيف ومدرسة الهندسة، وإنما هي قصة شائعة مألوفة تقع للشبان المصريين جميعًا، سَلْ من شئت من هؤلاء المصريين الذين درسوا فأحسنوا الدرس، وحصَّلُوا فأتقنوا التحصيل، ثم أقبلوا وفي قلوبهم جذوة النار المقدسة التي تدفعهم إلى حب الوطن وخدمته، سلهم عن هذه الجذوة المقدسة، ما خطبها؟ وماذا أصابها؟ فسيجيبونك جميعًا بأنها قد أخمدت، أو كادت تخمد؛ صَبَّ عليها الوزراء وكبار الموظفين ماءً باردًا، لا يتكوَّن من الأكسجين والهيدروجين، وإنما يتكون من الحرص على إرضاء الإنجليز والشك في قيمة المصريين.

هذه حالنا بعد هذا العهد الكرومري السعيد الذي يحنُّ إليه الإنجليز، ويتمدَّحون بمحاسنه؛ أنكرنا أنفسنا إلى أقصى حدود الإنكار، وعرفنا الإنجليز وخِفْنَاهم إلى أقصى حدود المعرفة والخوف؛ فأي غرابة في أنْ يحن الإنجليز إلى هذا العهد؛ ليكون لهم من أجيالنا المقبلة كما كون لهم من أجيال الاحتلال رجالًا ينكرون المصريين، ولا يحفلون بهم، ويعرفون الإنجليز ويُكبِرونهم كلَّ الإكبار.

إلى أي حد ينبغي أنْ يلام وزير التقاليد وأعوانه على هذه الآية العيسويَّة؟ أليس لهم مما أقدموا عليه بعض العذر؛ فهم أبناء ذلك الجيل الذي كان الموظف المصري — مهما يكبر — ملزمًا فيه أنْ يطيع الموظف الإنجليزي مهما يصغر، والذي كانت المدارس المصريَّة فيه تكوِّن التلاميذ لا كما تريد مصر، ولكن كما يريد دنلوب …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.