وليام مكبيس ثاكري القصصي الإنجليزي الشهير، قد اتهمه بعض النقاد بسوء الظن بالنفس الإنسانية، والنفوس إذا وصف كاتبٌ سيئاتها اتَّهمته بسوء الظن والعداء؛ لأن هذا الاتهام أسهل من التخلُّص من سيئاتها التي سببها الغرائز والشهوات المُتمكنة من النفوس.

وقد رأى بعض المفكرين أن هذه الغرائز والشهوات لن تتغير ولن تتبدل، وأن النفس إذا استطاعت أن تتخلص منها أو تُلطِّف من حِدَّتها أصابها الضَّررُ والعَجزُ، ومع ذلك فإن المفكرين من قديم الزمن يصفون عيوب النفس البشرية أملًا أن تتخلص منها، أو تُلطِّف من حدَّتها، ولا أذكر أكان مينكين الأمريكي هو الذي وصف الإنسان فسماه القرد الأبدي؛ لعجزه عن التخلص من الحماقة والشهوات وحب التدمير والأذى، ولقصوره عن الأخذ بأسباب تعميم نتاج العلم، وتعميم الاستفادة منه.

ولولا أن الكاتب يؤمن في صميم نفسه أن الإنسان وُهِب القدرة على تلطيف عيوبه وتهذيبها، والتخلص منها كلها أو بعضها، ما كلَّف نفسه مئونة وصفها. وبالرغم من أن ثاكري قد يؤلم مبضعه في شرح صفات النفوس كما يؤلم مبضع الطبيب إذا فصَد دُمَّلًا، فإنه كثير الحنان والعطف على النفوس، فهو يجمع بين السُّخر والحنان، وهو بين الإنجليز من هذه الناحية مثل أناتول فرانس بين القصصيين الفرنسيين، وكما اشتد ثاكري في نقد سخر سويفت في كتابه المسمى «كتَّاب الفكاهة»، اشتد بعض الكُتاب في مؤاخذة ثاكري.

ولكن شتان بين سويفت وثاكري! فليس في سويفت حنان ورقة وعطف كما في ثاكري؛ فإن سخر ثاكري مقرون إلى رقة وسماح وصفحٍ جليل، ولو أنه قد يشتد في بعض قصصه ورسائله ويعنف، وبعض قصصه لا ترى فيها ما يسمى في اصطلاح المؤلفين أبطالًا، ولا يغيب عنا أن ثاكري وزميله دكينر من كُتَّاب العصر الفكتوري؛ أي عصر الملكة فكتوريا، وهو عصر مشبع بمظاهر التزمت، والكبر في التزمت.

ولكن ثاكري لا يعفي ذلك العصر من سخره، ولا يعفي المحتالين والمغامرين والأفَّاقين الذين خرجوا على سنة العصر الفكتوري، وبعض النقاد يرون أن قصة «سوق الغرور» هي أعظم قصصه، وقد تكون كذلك من الناحية القصصية الفنية، لكن عندي أعظم قصصه هي قصة «هنري إزموند» التاريخية، وقد فضلها الناقد الكبير الأستاذ سينتسبري؛ فإن لها سحرًا عجيبًا، والفن الذي يقتضيه وصف بياتركس وأمها من غير زللٍ فنٌ من أعجب الفنون.

ثم إن عظم موضوع القصة إذا أضيف إلى عظم الفن يزيد في قدر القصة، ولو أن إجادة صاحب الفن لا تقتضي موضوعًا كبيرًا كي يجيد. ومن قصصه الأخرى قصة «باري لندن» و«الفرجينيين» … إلخ، ومن كُتبه كتاب «الرسائل الدائرة»، وهي أشبه بما يتخلل قصصه من رسائل قصيرة وكلمات في وصف الناس، وكتاب «الأدعياء» … إلخ إلخ.

وفيما يلي بعض نظراته مع الشرح والتعقيب:

(١) كثيرًا ما ينتقص النساء من عقل المرأة وذكائها «أو من أخلاقها» إذا كانت أعظم منهن جمالًا، وأتم حسنًا، ولم يستطعن انتقاص حسنها، كأنما يردن بانتقاص عقلها أن لا ترجحهن بمجموع ما وُهِبت من ذكاءٍ وجمال. وهذا عكس ما يفعله الرجال، فإن ذات الوجه الجميل والعينين الفاتنتين تُغتفر لها حماقة كثيرة، وقلة عقلها تكتسب فيها رشاقة وحلاوة تغطيان على قلة عقلها، والواقع أن الإنسان كثيرًا ما يخدعه انتظام التقاطيع، فيحسب أنه مقرون دائمًا إلى انتظام العقل، والعكس بالعكس.

(٢) في سوق الغرور التي هي الحياة قلما يتألم الإنسان من وخز ضميره إذا عمل شرًّا، وإنما هو يتألم لا من الندم على عمل الشر، بل من الندم لافتضاح أمره، وانكشاف سره وشره، فيخلط ضميره عمدًا بين نوعي الندم؛ كي يظهر بمظهر الأبرار، أو كي يقال إنه كفَّر بالندم ووخز الضمير عما ارتكب من الشر. وقد يكون الرجل نفسه مخدوعًا بما يخدع به غيره، فإن الشعور يُلَبِّسُ على صاحبه حقيقته، فيخال من تأنيب الضمير، وهو من ألم الأثرة وحب الذات.

(٣) لو فطنَّا إلى ما قد يخالط أنبل الأخلاق وأسماها من نقصٍ أو دناءة؛ لتركنا التفاخر والتباهي بالفضائل، ووصلنا النفوس بالعطف والرحمة.

(٤) إن الكذب الذي يقوله المرء في اغتياب الناس أكثر ذيوعًا من الصدق الذي يمدحهم به، فهل ذلك من أجل أن قلوب الناس تربة حجرية لا تنمو فيها بذور أقوال الخير الرقيقة؟ ومما لا شك فيه أن اغتياب الناس وذمهم يصادفان من الانشراح والإقبال والائتناس والاشتهاء أكثر مما يصادفه مدحهم بالخير، كأنك في الحالة الأولى تطهيهم بتوابل تدعو النفس إلى أكل لحومهم.

(٥) أيُّ الصفات نالت أعظم مدح منذ عهد حرب تروادة إلى اليوم؟ أليست هي الشجاعة والجرأة والإقدام؟ فقد طالما أشاد بها الشعراء والكتاب، وأغفلوا الصفات الفاضلة الأخرى، ولم يُعيروها اهتمامًا كاهتمامهم بهذه الصفات، ألا يجوز أن يكون السبب أن الإنسان جبان بطبعه يجنح إلى الخوف والفزع أكثر من جنوحه إلى قلة المبالاة والإقدام؛ صيانةً للحياة، واعتزازًا بها، فيغطي على ذلك بمدح الشجاعة كي يقال إنها صفته الغالبة، ويطري الشجعان كي يقال عنه إنه منهم، ولعل من أسباب مدحه الشجاعة أيضًا أنه يريد أن يحمل نفسه عليها، ويغطي عنها مخاوفها كما غطاها عن الناس.

(٦) بعض النساء لهن ولع بأن يضعن من يحببن في مكانة العبادة، وهي مكانة تشبه مكانة آلهة الوثنيين في المعبد، فتقدم له البخور والمدح والثناء، سواء أكان ذلك عن عقيدةٍ فيه أو حيلة، وهذا يضايق الرجل؛ لأنه يلزمه صفات الكمال دائمًا، وهو لا يستطيعها، فيمل كما يمل «الدايلي لاما» في التِّبتِ، ويتثاءب من عبادة عباده.

(٧) قلما يهم الناس كبر عقل الرجل أو عِظَم فضائله قَدْر ما يَهمُّهُم آدابه المريحة في معاشرتهم إيَّاه وسلوكه في إرضائهم؛ لأن كل إنسان يأنس إلى ما يريحه. وأما رَجَاحة تفكير المُعاشر وعظم فضائله، فكثيرًا ما تضايق عشيره؛ ولذلك كثيرًا ما يحكم الناس على عقل الرجل وفضائله بما يريحهم، أو بما لا يريحهم في سلوكه معهم، أو حتى بما يتخيلون أنه يريحهم أو لا يريحهم.

(٨) إن بعض الناس لا ينالون الاطمئنان في الحياة حتى يغالطوا أنفسهم ويخادعوها، ويحملوها على أن تعتقد أن العدل يطرأ في الحياة ويعم، فهل يَطَّرد العدل في حياة الناس؟ هل كل راكب فاضل، وكل ماشٍ مفضول؟ وهل الأول عادل والثاني ظالم؟ وهل الفضل دائمًا مفضَّل والنقص دائمًا مؤخر؟ وهل المرائي المنافق دائمًا مخذول؟ وهل ينصرف الناس عن التهافت على ما لا قيمة له من الكتب والأشياء والأمور؟ وهل هم لا يقبلون على الخطيب المهرج الماهر؟ وهل لا يرقى الرجل ولا يُقدَّم ولا ينجح إلا بما له من عقلٍ وفضلٍ وهمةٍ وكفاية؟ وقس على ذلك أسئلة أخرى كثيرة، وخليق بالمرء أن يكون أشجع وأقوى من أن يعجز عن تحمل الحياة إلا بالأكاذيب.

(٩) قلما ينال الإنسان خيرًا إلا وهو يرى أنه يستحقه ويستحق أكثر منه، ومن أجل ذلك نشأت قلة الشكر، وظهر غمط المعروف، وجحد الجميل المصنوع، إذا قلما تعد نعمة المتفضل تفضلًا منه، بل حقًّا واجبًا لمن نالها، وفي بعض البيئات المنحطة لا يكتفي نائل المعروف بغمطه وجحده، بل يتعاظم على من صنع المعروف، أو يحقد عليه في سريرته؛ كي يظهر له أنه إنما أخذ بعض حقه، وأنه أكبر وأعظم من أن يُقرَّ لأحد بفضلٍ عليه.

(١٠) لو اختار بعض العلماء المؤرخين أن يتتبع جرائم الفضلاء، وأن يكتب كتابًا في تاريخ الشر والضر اللذين صنعهما أهل الفضيلة، أو من يرون أنفسهم من أهل الفضيلة، لكان كتابًا عجيبًا ممتعًا واعظًا للناس … فمن الذين أحرقوا البروتستانت؟ إنهم فضلاء الكاثوليك، ومن هم الذين أحرقوا الكاثوليك؟ إنهم فضلاء البروتستانت، ومن الذين يضطهدون الناس في الحياة الاجتماعية، وينشرون عنهم أخبار السوء، ويصفونهم بصفات السوء، ويدعون الناس إلى اضطهادهم وإيذائهم، ويجدون لذة في ذلك؟ هم الذين يرون أنفسهم أو يريدون أن يقنعوا الناس أنهم أفضل من غيرهم، ومن هي التي تتبع جيرانها لاستخراج ما تعتقد من سيئاتهم، أو ما لا تعتقد، ولتستخرج سيئات أجدادهم إلى الجد الرابع، أو أكثر وأبعد من الجد الرابع؛ لكي تؤذيهم بنشر السوء عنهم؟ إنها السيدة الفاضلة، أو التي تعتقد أو تريد أن يعتقد الناس أنها سيدة فاضلة، وهي إذا عثر الحظ السيئ بإنسان وجَنْدَله أمامها في الوحل رفعت أنفها إلى السماء تعاظُمًا وتعالِيًا، وجمعت ثيابها كي لا يلوثها العاثر المسكين، وإن كان من المحال أن يُلوِّثها، وهرْوَلتْ صارخةً باشمئزاز من حظه العاثر السيئ مُبتعدةً عنه … حقًّا إننا في حاجة إلى كتاب في تاريخ جرائم الفضلاء.

(١١) إن الإحسان طعامٌ عَسِرٌ في الهضم، ومن أجل ذلك قد يختلق مَن ناله مَذمَّة للمُتفَضِّل إذا لم يجد فيه مَذمَّة؛ كي تكون عذرًا له إذا فكَّ عن نفسه ما يعدُّه أغلالًا وأصفادًا للمعروف … ترى هل كان المسافر الذي نجاه السامري من اللصوص — في قصة الكتاب المقدس — شاكرًا لمن نجَّاه من اللصوص؟ أم أنه كان يجد غَضاضة في أن يكون مدينًا لإنسان بفضلٍ عليه؟ وهل هذه الغضاضة جعلته يتذكر أن كل سامري عقيدته فيها انحراف في نظره؟ وهل اتخذ من انحراف عقيدة مَن نجَّاه عذرًا له كي يجحد كلَّ ما أدَّاه إليه من معاونة، وكي يتقحَّم عليه بالذم كي يفكَّ عن نفسه أصفاد المعروف وأغلاله؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.