البلاد المصرية بلاد بحرية؛ لأنها تقع على بحرين عظيمين: البحر الأبيض والبحر الأحمر، وهذا يوجب توجيه قرائح الشعراء إلى وصف البحار وما فيه من جمال يفتن العقول ويشوق القلوب، ومع ذلك فثروة الشعر المصري قليلة في هذه الناحية، مع الاعتراف بأن للشاعر علي محمود طه قصائد جيدة في وصف الحياة البحرية، وكذلك الشاعر عبد اللطيف النشار والشاعر عتمان حلمي.

بعد رجوعي من بغداد في سنة ١٩٣٨، رأيت أن أقضي أيامًا في الإسكندرية أشهد فيها ملاعب الجمال فوق الشاطئ، وأتذكر العهد الذي قلت فيه للدكتور أحمد زكي أبو شادي:

ثم شرعت في تأليف كتاب اسمه «أدب الشواطئ»، وأعلنت عنه في مجلة الرسالة ولكن الحرب دهمتنا، فلم يعد من السهل أن أصطاف بالإسكندرية، وما كنت أزور الإسكندرية في أعوام الحرب إلا في مهمة رسمية يوجبها عملي بوزارة المعارف، وتلك مهمات موسمها فصل الشتاء.

ولكن فكرة «أدب الشواطئ» التي أذعتها في مجلة الرسالة سنة ١٩٣٨، وجدت مكانًا في صدر أحد الشبان وهو الشاعر مصطفى عبد الرحمن، فقال في الشواطئ عددًا من القصائد الجياد.

تحت يدي ديوان نفيس اسمه «ليالي الشاطئ» والقصائد التي في هذا الديوان ليست جميعًا في الشاطئ، فهي موزعة بين أغراض مختلفة النوازع، ولكن أهمها ما جاء في الشاطئ … ومن هنا كان اسم الديوان. ولنقرأ هذه القطعة الحزينة للشاعر مصطفى عبد الرحمن:

أكتفي بهذا وأقول بعبارة صريحة: إن هذه الباكورة تشهد بأن صاحبها من نوابغ الشعراء.

التين والجميز (٥ / ٧ / ٤٨)

أول عمل أقوم به حين أدخل إسكندرية هو شراء الورق، وأنا أشتريه من مكتبة المعارف.

دخلت المكتبة فقابلني مديرها ومعاونوه بالترحيب، وقالوا: نحن ننتظر مقالاتك في البلاغ بشوق شديد، فقلت: هذا يسرني، وأنا أستمد نشاطي من قرائي، والأدب مطلوب وهو غذاء الروح … فيقول مدير المكتبة: ولكنه مع الأسف مقصور على فئة قليلة. قالها بحرارة.

كان بين الحاضرين رجل إسكندراني لا أعرفه فقال: أجب يا دكتور!

فقلت: أجاب الشاعر الذي قال قبل أجيال:

فقال الأديب الإسكندري: هذا هو الجواب.

فقلت: الناس يحتاجون إلى بائع الفول المدمس قبل أن يحتاجوا إلى كتاب مفيد، فهل ترى أن نشتغل جميعًا ببيع الفول المدمس وأن نصير جميعًا فوالين؟

تعال معي (٢٢ / ١٠ / ٤٦)

كانت أيام الحرب أقسى الأيام التي عانيتها في حياتي، فقد كنت أفتش أكثر من عشر مدارس بالإسكندرية، والغارات تثور من ليلة إلى ليلة، وكان يجب أن آوي إلى بيتي قبل الغروب، ولكن كيف أقضي الليل الطويل بالاعتكاف؟

أقضيه في كتابة مقالات لمجلة الرسالة، ولكن أين الورق؟

كان الورق انعدم في الإسكندرية بعد أن كان يباع بتراب الفلوس، وفي إحدى العصريات وأنا أبحث عن الورق الذي أقضي في تسويده تلك الليالي السود وقف أحد الشبان في وجهي ليقول: تعرفني، دكتور مبارك؟ أنا تلميذك بالليسيه فرانسيه، التلميذ الذي كنت تسجنه في أيام الآحاد لينجز ما قصر في إنجازه من الواجبات.

– الآن تذكرتك.

– تعال معي.

– إلى أين؟

– إلى مكتبتي يا دكتور.

ومضيت معه إلى مكتبته فقدم إليَّ كراريس من الورق اللطيف، فقلت: إنك تعرف يا تلميذي العزيز أني لا أقبل شيئًا بالمجان، فما ثمن هذه الكراريس؟

فقال: أنا تاجر ورق، وأنا أقدم عينات إلى الزبائن بالمجان فأنا لا أهدي إليك شيئًا، وإنما أقدم عينات.

ثم تفضل فأوصلني بسيارته إلى بيتي ليطمئن على حياتي في أيام كان من يسير فيها بعد الغروب معرضًا للموت.

إن أهلنا في سنتريس يقولون: «كله سلف ودين» فوفائي لأساتذتي هو السبب في وفاء تلاميذي، وتلاميذي كلهم أوفياء.

إنهم يحبونني أصدق الحب، والتلميذ له عينان، فإذا كان في الصف ثلاثون تلميذًا فهم ستون عينًا، وتلك العيون جميعًا تراقب الأستاذ، وهي تحبه إذا كان يتعب في تحضير الدروس، فما في الدنيا تلميذ يطيب له أن يخيب، ولو كان من أشقى التلاميذ.

كان رأيي أن سقوط التلميذ عيب في وجه الأستاذ قبل أن يكون عيبًا في وجه التلميذ.

إلى الثغر (٢٢ / ٥ / ٥١)

مضيت إلى الإسكندرية وفي نفسي أنني ماضٍ لأداء واجب لا للنزهة، مع أن أداء الواجب فيه أنس للنفس فلا يمكن القول بأنه نفسيًّا أروح من شعور الرجل بأنه سيكون في ضيافة البحر لغرض واحد هو التمتع برؤية اللؤلؤ المنثور فوق الرمال.

قطارات البحر على أيامها السلام كانت توحي بمعنى جميل هو أنك في صحبة ناس جاءوا جميعًا للنزهة، والفرح يعدي، كما أن الحزن يعدي، ولقد كان الإقبال على تلك القطارات شديدًا جدًّا، فكنا نحجز التذاكر قبل الميعاد بيومين.

وأنا أنتظر أغسطس لأزور البحر وليس في بالي أني حضرت لأداء واجب.

قضيت ليلة السفر سهران في مراجعات أدبية وفلسفية، فغلبني النوم ولم أستيقظ إلا عند الوصول إلى الإسكندرية، ولم يجد شيطاني بغير هذه الأبيات:

أدباء الإسكندرية (٣ / ٦ / ٤٧)

أنا أعرف كيف ألقاهم وأفرح بلقائهم أضعاف ما يفرحون بلقائي، ولكنني مأخوذ بقول أبي العلاء:

فهذا يريد أن أتغدى في داره، وهذا أن أتعشى معه، وثالث أن أكون ضيفه في البوريفاج.

إنها مكارم تفوق الوصف، ولكن لي شواغل تشغلني عن نفسي وهي الخلوة إلى قلمي.

آداب الإسكندريين عظيمة جدًّا وهم بآدابهم يصورون عظمة الأخلاق العربية الإسلامية.

إن الحزن يعتصر قلبي حين أتذكر أنني أفارق الإسكندرية ولم أسمر مع أصدقائي من أمثال: خليل شيبوب، وصديق شيبوب، وعتمان حلمي، وعبد اللطيف النشار، وعلي البحراوي.

محاسبة النفس (٢٨ / ٢ / ٤٩)

إذا دخلت إسكندرية كان أول عمل أقوم به شراء الورق والحبر، ثم التفكير في كتابة شيء للبلاغ.

جلست في القهوة أتأمل فيما صرت إليه، وهي صيرورة مزعجة، فحياتي لم يعد فيها استقرار ولو أنني انتفعت بالتجارب لكنت على أقل تقدير وزير المعارف.

ثم تذكرت الدكتور خليل الديواني مدير البعثة المصري لعهد ما كنت طالبًا في جامعة باريس، كنت أقدم إليه مقالاتي في البلاغ فيقرؤها ويتألم؛ لأن فيها أوصافًا للمجتمع المصري العليل، فأقول: إنها فرصة للكتابة في موضوعات فلسفية، وجدُّنا آدم لم يكتب حرفًا لأنه كان يعيش سعيدًا في الفردوس مع جدتنا حواء.

زوزو حمدي الحكيم (١٤ / ١ / ٤٧)

حين قلت في مقالي الماضي: إن عبد اللطيف النشار غريم عتمان حلمي، ثار النشار ثورة إسكندرانية؛ لأن معنى هذا أنهما متماثلان، وفكر في الحضور إلى القاهرة ليرفع قضية، ثم رأى الاكتفاء بالعتاب فأرسل قصيدة افتتحها بهذا البيت:

ولكن ما شأن زوزو الحكيم؟

لهذه الإشارة أصل يجب إثباته قبل أن يضيع، فقد كانت السيدة زوزو حمدي الحكيم — الممثلة الأولى بالفرقة المصرية — كتبت مقالة في مجلة «دنيا الفن»، فزعمت فيها أنني أحبها إلى حد العشق، وأنني ألاحقها في كل مكان، والخبر غير صحيح فالسيدة زوزو من قريباتي، وهي بنت صديقي المرحوم حامد الحكيم أحد اللذين أنجبتهم سنتريس.

قبل أكثر من عشر سنين كتبت كلمة عن الممثلة زوزو حمدي الحكيم، وهي كلمة نشرتها جريدة البلاغ.

***

من عادتي أن أهمل نشر ما يرد في الثناء على أدبي، وأنشر النقد لأني من دعاة الحرية، ولكن في قصيدة الأستاذ النشار ثناء أحب أن أسجله في هذا الحديث، فما في كل يوم يسمح الزمن بثناء يصدر عن شاعر موهوب مثل الشاعر عبد اللطيف النشار، قال هذا الصديق:

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.