كل شيء يدل على أننا لم نخطئ فيما كررنا منذ أخذنا في هذه الأحاديث، من أن الصلة بين الشرق والغرب يجب أن تقوم على المودة الصادقة والإخلاص الصحيح، وعلى تبادل المنفعة المحققة في جو من الاحترام الذي يعتمد على المساواة لا على التفوق في القوة أو الامتياز في البأس والسلطان.

وقد كررنا منذ أخذنا في هذه الأحاديث أنْ قد آن للأوروبيين أن يصارحوا أنفسهم بحقيقة لا معنى للشكِّ فيها، وأن يواجهوا هذه الحقيقة بقلوب سليمة ونيَّات حسنة وعزيمة صادقة. وهذه الحقيقة هي أن لغة المداورات والمناورات لم تَعُدْ تصلح للتحدث إلى الشرق، وأن الوعود التي تبذل اليوم لتستردَّ غدًا لم تَعُدْ تصلح لتعليل الشرقيين بالأمانيِّ والآمال؛ لأن الشرقيين سئموا تعليلهم بالأماني والآمال، وأصبحوا لا يقبلون إلَّا الحقائق الواقعة، والأعمال المنجزة، والأقوال الصادقة، والعهود التي لا تتعرض للمراوغة، ولا تتعرض للذهاب مع الريح.

قلنا هذا وما زلنا نقوله ونُقَرِّره منذ نوفمر الماضي، ونحن نعلم أن إلحاحنا في هذا القول لا يعجب هذه البيئة أو تلك من البيئات الأجنبية في مصر، ولكننا على ذلك قلناه وما زلنا نقوله ناصحين للشرقيين والغربيين جميعًا.

ولم ننسَ بعدُ غضبَ الغاضبين، حين لاحظنا أن جريدة التيمس ما زالت تتحدث عن الشرق بتلك اللغة التي أصبح الشرق لا يُسِيغها ولا يحب أن يسمعها. وما زلنا نذكر غضب غاضبين آخرين حين صورنا استقبال المصريين ليوم النصر بهذا الابتهاج الكئيب؛ لأن النصر قد حَقَنَ الدماء من جهة، ولأن النصر لم يحقق الآمال من جهة أخرى، ولم يقرب تحقيق الآمال فيما يظهر.

ما زلنا نذكر هذا كله دون أن نغير من رأينا قليلًا ولا كثيرًا، وإنَّا لنرى مع الأسف الشديد والحزن الممضِّ أن الحقائق الواقعة تدل على أننا لم نكن مخطئين؛ فهذه الحوادث التي يمتلئ بها عالم البحر الأبيض المتوسط إن دلت على شيء، فإنما تدلُّ على أن العالم في حاجة إلى سياسة تقوم على الصراحة والإخلاص، والوفاء بالوعود، والصدق في القول، واجتناب الالتواء بالأقوال والأعمال.

لقد قال الحلفاء لإخواننا السوريين واللبنانيين إنهم مستقلون، وإن استقلالهم لا غبار عليه، وأكَّدُوا لهم ذلك مرة ومرة ومرة. فما ذنب السوريين واللبنانيين إذا صدَّقُوا ما قيل لهم واعتقدوا أن حلفاءهم لم يخدعوهم بالقول، ولم يكذبوهم في الأمل، ولم يبذلوا لهم الوعد أمس لينقضوه اليوم.

على أن هذه الوعود لم تقدم للسوريين واللبنانيين وحدهم، ولكنها قدمت للناس جميعًا في جميع أقطار الأرض. وهل كان ميثاق الأطلنطي إلَّا وعدًا للناس جميعًا بالحرية والأمن والاستقلال، وتأكيدًا للشعوب جميعًا بأن للشعوب جميعًا حقَّها المقدس في تقرير مصيرها وتنظيم أمورها، وفي أن تختار لنفسها ما تحب من نظم الحكم، لا يعوقها عن ذلك عائق ولا يصدها عن ذلك صادٌّ، ولا تقام العقبات في سبيلها دون ذلك.

كل هذا قد كان، وكل هذه الوعود قد بُذِلت، وبذلت في تكرار ملحٍّ، حتى لم يشكَّ أحد في أنها وعود يراد بها الجد كلَّ الجد، ولا يراد بها إلى المزاح أو الخداع؛ فصدَّقَها الناس أشدَّ التصديق، واطمأنوا إليها كلَّ الاطمئنان، وأعانوا الحلفاء على الانتصار ما وسعتهم المعونة، وتمنَّوْا لهم الانتصار مخلصين حين لم يملكوا إلَّا التمني والدعاء. وجعلوا ينتظرون آخر الحرب وأول السلم، ليستقبلوا حياة جديدة كلها أمل وكلها ثقة وكلها نشاط باسم خصب. ولكن الحرب لا تكاد تدنو من غايتها حتى تتكشَّف الأمور عمَّا لم يكن ينتظر ولا يقدر؛ فالسياسة المقبلة كالسياسة المدبرة، ما زالت محتاجة إلى الصراحة والاستقامة والصدق، والناس لم ينسوا — ويظهر أنهم لن ينسوا في وقت قريب — هذه الأزمات التي جعلت تتلاحق في غرب أوروبا وجنوبها، والتي وصلت الآن إلى الشرق الأدنى، وانتهت إلى هذه الحال الخطيرة المزعجة التي نشهدها في سوريا ولبنان.

ومن الذي نسي أزمة اليونان وأزمة بلجيكا، ومن الذي نسي أن الشعب اليوناني — الذي استقبل حلفاءه بأكاليل الغار ونَثَرَ عليهم الزهر في شوارع أثينا — لم يلبث أن كانت بينه وبينهم تلك الخطوب الدامية التي اضطرب لها الرأي العام العالمي اضطرابًا شديدًا.

ولقد أنفقنا بعض الصيف الماضي في ربوع سوريا ولبنان، ورأينا كيف ابتهج السوريون واللبنانيون في صدق وإخلاص ومودة قوامها النصح والشعور بالكرامة وحب الصديق للصديق حين جاءت الأنباء بأن باريس قد حررت نفسها، وبأن الحكومة المؤقتة قد استقرَّت في عاصمة فرنسا، وها نحن أولاء نرى الآن هذه الخطوب الدامية المزعجة تجري بين السوريين واللبنانيين من ناحية وبين الفرنسيين من ناحية أخرى، فنذكر قول الشاعر العربي القديم:

شواجر أرماح تقطع بينهم

شواجر أرحام ملوم قطوعها

إذا اضَّرَبَتْ يومًا ففاضت دماؤها

تذكرت القربى ففاضت دموعها

نعم من الذي يستطيع أن يشهد في غير حزن ولوعة وأسًى دماء اليونان تُرَاق بيد البريطانيين، ودماء البريطانيين تراق بيد اليونان، ودماء العرب يريقها الفرنسيون، ودماء الفرنسيين يريقها العرب؟ وهل يدل هذا كله إلَّا على أن السياسة الأوروبية لم تنتفع بالعبر المتوالية، ولم تستفدْ من دروس هذه الحرب كما أنها لم تنتفع من دروس الحرب الماضية. وما زالت معتقدة أن القوة هي كل شيء، وأن الحق ليس إلَّا شيئًا ضئيلًا، وما زالت معتقدةً أن القوة تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخْلِفَ غدًا، وأن الحق يستطيع أن يقول ما يشاء، فلن تسمع له القوة إلَّا حين تريد.

وبعد؛ فإن هذه المأساة التي تحدث الآن في سوريا ولبنان ليست مأساة سوريا ولبنان وحدهما، ولكنْ مأساة الشرق الأدنى كله، بل مأساة الأمم الصغيرة كلها؛ فقد صدقت سوريا ولبنان ما قُدِّم إليهما من وعد، فلما آن وقت الوفاء تلكأ الواعدون، ولم يكتفوا بالتلكؤ ولكنهم اختاروا أقلَّ الأوقات ملاءمةً لإرسال الجند إلى سوريا ولبنان. اختاروا الوقت الذي تبدأ فيه المفاوضة بينهم وبين السوريين واللبنانيين لإرسال الجند، فلم يكن بدٌّ من أن يقدر السوريون واللبنانيون أن هؤلاء الجند إنما أرسلوا لتقوية المفاوض الفرنسي، وتمكينه من أن يسلَّ صارمًا ويقول باطلًا ويطلب إلى المفاوض العربي الإذعان. ولكن المفاوض لم يذعن ولا ينبغي أن يذعن؛ لأن وقت الإكراه قد مضى، سواء رضيت القوة أم لم ترضَ.

والسوريون أعلم الناس بهذه المواقف وأقدرهم على الثبات فيها، فشاعرهم هو الذي قال هذا البيت ساخرًا من القوة:

جلوا صارمًا وتلوا باطلًا

وقالوا صدقنا فقلنا نعم

ولكنِ السوريون لم يقولوا نعم في هذا العصر الحديث، وإنما قالوا لا، وعرفوا كيف يقولونها بألسنتهم وقلوبهم ودمائهم ومنافعهم، والشيء المحقق هو أن الاستقلال العربي واقع من غير شك، لا سبيل إلى الالتواء به، ولا إلى التردد في إقراره؛ فمن أحمق الحمق وأسخف السخف أن تُرَاقَ الدماء العربية والفرنسية في غير طائل ولا غَنَاء.

ولو عرف الفرنسيون كيف ينتفعون بحب العرب لهم، وعطفهم عليهم، ووفائهم لهم في أيام المحنة، وتأييدهم في أيام الرخاء؛ لاتخذوا لأنفسهم مع العرب سياسة أخرى، ولجنَّبُوا أنفسهم وأصدقاءهم هذه الكوارث التي لا تُغْنِي ولا تُفِيد. وأي شيء أبغض من هذه الصداقة الفرنسية العربية التي تلطَّخ الآن بالدماء.

ويجب أن يقال الحق؛ فكثير من التبعات تقع على الموظفين الفرنسيين المقيمين في سوريا ولبنان، أولئك الذين يستفزون العرب، ولا يريدون أن يطمئنوا إلى الحقائق الواقعة، ولا أن يعترفوا بما لا بد من الاعتراف به، والذين لا يترددون في أن يتحدثوا غير مستخفين ولا متحفِّظِين بأن الحوادث ستنجلي، وبأن فرنسا ستسترد قوتها، وبأن الجند سيأتون وسيردون الأمر إلى نصابه؛ فقد أتى الجند، ولكنهم لم يردوا الأمر إلى نصابه، وإنما أفسدوه إفسادًا عظيمًا، ولو أنصفت فرنسا نفسها وأصدقاءها لاستدعت هؤلاء الموظفين ولأرسلت مكانهم قومًا آخرين ينشئون مع العرب سياسة جديدة قوامها المودة والثقة والاحترام المتبادل.

على أن الأمر لم يقفْ عند سوريا ولبنان، ولا يمكن أن يقف عندهما؛ فهذه إيران تطالب بجلاء الجيوش المحتلة بعد أن انتهت الحرب، وهذه الجيوش ليست فرنسية. ولا شك في أن بلادًا أخرى ستطالب بجلاء الجيوش المحتلة بعد انتهاء الحرب في الشرق الأقصى، وسنرى كيف يُجِيب الحلفاء إلى ما تطلب إيران، وسنرى كيف يجيب الحلفاء إلى ما تطلب البلاد الأخرى، وسيتبين العالم أن سياسة الوعود التي تبذل اليوم ليلتوي بها الواعدون غدًا ليست سياسة فرنسية فحسب، ولكنها سياسة أوروبية، وسيتبين العالم أن المحنة التي تخضع لها سوريا ولبنان ليست محنتهما وحدهما، ولكنها محنة الشرق العربي كله، بل محنة الأمم الصغيرة كلها.

وسيتبين العالم أن مصدر ما تشقى به الإنسانية إنما هو هذا التناقض الشنيع بين سياسة أوروبية تجري على تقاليد عتيقة بالية، وعالم جديد يطمح إلى غايات لا بدَّ من أن يصل إليها، وهي الحرية والكرامة والاستقلال.

وسيظل الصراع متصلًا بين السياسة البالية والعالم الجديد حتى يصدق الله وعده وتتحقق الآية الكريمة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.