… الزهاوي يعتقد أن الله هو الأثير:

ما لكل الأكوان إلا إله

واحد لا يزول وهو «الأثير»

أرجو أن أقرأ رأيكم في ذلك على صفحات الرسالة أو الهلال وأشكرك سلفًا …

لؤي النوري، موصل، عراق

***

لا أدري ماذا قصد الزهاوي في هذا البيت بكلمة الإله، وماذا قصد بكلمة الأثير.

فإذا كان يقصد بإله الأكوان خالق الأكوان، فليس في جميع التعريفات التي عرفوا بها الأثير ما يُسوِّع نسبة الألوهية إليه، وإنما يجوز أن يسمى الأثير بالمادة الأولى، أو الهيولي — على رأي الأقدمين — في بعض تلك التعريفات.

ولم يثبت للأثير وجود فضلًا عن أن يقال: إنه مُوجد الوجود وخالقه الوحيد!

فهو فرض عقلي عند الرياضيين والطبيعيين.

فرضوه ليعللوا به ما يستعصي عليهم تعليله؛ كانتقال الجاذبية بين الكواكب، وانتقال الضوء في الفضاء.

وقال به «نيوتن» قديمًا؛ لأنه لم يستطع أن يفهم كيف يجذب الكوكب كوكبًا آخر في هذا الفضاء مع امتناع الواسطة بين الكوكبين، وقد سمى هذه الواسطة في بعض كلامه بالروح Spirit؛ ليستريح إلى تعليله للجذب والانجذاب.

وقال به المحدثون ليعللوا به مسير الضياء في أجواء الفضاء، وقال ماكسويل، العالم الطبيعي الكبير: «إن أنواعًا من الأثير اختُرعت لتسبح فيها الكواكب، ولتنشأ منها أجواء كهربائية ودفعات مغناطيسية، ولتنقل الإحساس من جانب الجسد إلى جانب آخر، حتى ازدحم الفضاء مرات بهذا الأثير.»

وعقَّبَ جيمس جينس على ذلك في كتابه عن الكون الخفي فقال:

وخلاصة ذلك أن لدينا أنواعًا من الأثير بمقدار ما لدينا من مسائل غير محلولة في عِلم الطبيعة!

والذي يبدو لنا أن هذه الفروض قد بُنيت على خطأ في فهم الفضاء أو المكان؛ لأنهم اعتقدوا أن الفضاء خلاء، وأن الخلاء عدم، فوجب أن يملئوه بالأثير.

وقد اتفق جُلة الفلاسفة الأقدمين على أن الفضاء ليس بخلاء أو بعدم؛ لأنه يُقاس ويقدر؛ ولأنه يحتوي الموجودات.

يقال: شبر من الفضاء، وذراع من الفضاء، ولا يمكن أن يقال: إن عدمًا أطول من عدم، وإن هذا العدم أقل من ذاك.

ونحن نعيش في الفضاء، ويحتوينا الفضاء، والمعدوم لا يحتوي الموجود؛ فالفضاء ليس بعدم وليس بخلاء.

وكان أسلم من فرض الأثير أن يقال: إن مادة الفضاء لا تزال قيد البحث والاستفسار؛ فإن ذلك أسلم عِلمًا وعقلًا من الجزم بنفي الحركة في الفضاء ما لم يكن مملوءًا بما يُسمى الأثير.

وقد حاولوا أن يجدوا للأثير هذا خاصة تميزه من الفضاء بحركة أو كثافة أو تقدير، فلم يجدوا تلك الخاصة في تجربة واحدة من تجاربهم الكثيرة.

فليس للأثير سرعة تزداد أو تنقص بمرور الأجسام فيه، وليس في الحالات التي تعرض للمادة كلها حالة تتناوله بشيء من التغيير!

ومؤدى هذا أن الأثير والفضاء مترادفان، فلا فرق بين قولك: إن الضوء يسير في الفضاء، وقولك: إنه يسير في الأثير.

وقد نبَّه أينشتين إلى ذلك فقال — في تعقيبه على نظرية لورنتز Lorentz عن المغناطيسية الكهربائية والأثير: إنما هم اسمان لمُسمًّى واحد!

وقد انتهى الرأي بأينشتين إلى تقرير فرضه الجديد الذي يلاقي به مذهب الأقدمين في حقيقة الفضاء، وهو فرضه المشهور عن الجوهر الفضائي أو جوهر الفضاء Space Substance.

فألقى في شهر يونيو من سنة ١٩٣٠ محاضرته التاريخية بجامعة نوتنجهام، وأجمل فيها أطراف هذه النظرية التي يوشك أن يستخرج منها العلماءُ صِلةً علمية بين تركيب الفضاء وتركيب المادة، وهي ليست بالصلة البعيدة بعدما عُرف عن حركة الضوء في الفضاء، وعن رجوع المادة كلها إلى الإشعاع.

ولا نعتقد أن الأستاذ الزهاوي كان يمحص ما يسمعه عن الأثير وأقوال العلماء فيه وفي أمثاله من الفروض العلمية.

ومن أمثلة ذلك أنه يقول — في رسالة نشرت له حديثًا في مجلة الكاتب المصري: «إن أينشتين يحسب أن الفضاء خاصة من خواص الجسم، ثم يدعي أنه عدمٌ محض، والمُشاهَد أن الفضاء يقاس بالمتر والأقدام، ويطول ويقصر بين سديم وآخر، وشمس وأخرى، والشمس وسياراتها على التفاوت، فكيف يقاس العدم؟»

ولا ندري أين قال أينشتين: إن الفضاء عدم، وإنما المعروف أن مذهب النسبية يعلل انحناء الضوء بالقرب من الأجرام السماوية بانحناء الفضاء نفسه، فكيف يقول بعدم الفضاء مَن يقول بانحنائه، ثم يقول بأنه جوهر لعله أصل الجواهر جمعاء.

وقد أشار الزهاوي قبل ذلك إلى مذهب أينشتين في هذا فقال: إنه «فتح بابًا جديدًا في الفلسفة جعل العلماء يفكرون فيها تعليلًا لغوامض الكون، على أن أكثر قضاياها لا يرضي المنطق وإن أرضى الرياضيات — على زعمه. أمَّا كون النور في قرب الأجرام يسير في خطٍّ منحنٍ عليها فصحيح، ولكنني لا أرى أن السبب هو انحناء طريقه في الفضاء …»

وقد كان خليقًا بما رواه عن أينشتين أن يصحح فهمه لمذهبه في الفضاء وفي الأبعاد على العموم، ولكنا نحسبه طالع بعض كلامه على نسبية الأبعاد ونسبية السرعة فيها، فخطر له أن القياس النسبي ينفي الوجود الحقيقي، ويجعله كله مسألة تقدير واختلاف … وإنما كان أينشتين يفرق بين تقدير الفضاء في الهندسة الإقليدسية، وتقدير الفضاء في رأي ديكارت، وتقدير الفضاء إذا أخذ فيه بمذهب البُعد الرابع، وهو مذهب أينشتين نفسه في المكان والزمان.

وعلى هذا القياس، ربما طالع الأستاذ الزهاوي بعض ما كُتب عن الأثير وامتلاء الأكوان به فقال: إنه هو الوجود الثابت في جميع هذه الأكوان، وإن ما عداه من الوجود فرضٌ من فروض الأديان.

وقد تخلى عنه الأثير آخر الأمر فإذا هو الفرض الذي ابتدعه الخيال، وإذا به في رأي العلماء هو والفضاء سواء.

وغاية ما يقال إذن في هذا الإله الذي خلقته فروض الخيال: إنه أسطورة من أساطير الآخرين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.