شبين الكوم في ٢٧

زادت الحالة المالية سوءًا في المنوفية، وكثرت الحجوز الإدارية حتى بلغ ما وقع منها في بلدة جزيرة الحجر نحو ٤٠٠ حجز، وقد تحرر ضد ١٣٠ من أصحابها محاضر تبديد؛ لتصرفهم في الحاصلات التي حجز عليها، ومن يدرينا كم سيكون عدد من يبدد من العدد الباقي بسبب الحالة.

هذا وقد لا يمضي يوم دون أن تصدر المحاكم أحكامها ضد العشرات من الأهالي لتبديدهم الحجوز الإدارية وهذه أمثلة ناطقة على ما وصلت إليه الحالة المالية في البلاد، لطف الله بعباده.

الأهرام

علمت وزارة الداخلية من كفر الشيخ أن فاطمة محمد حنيس وزوجها وابنها كامل وُجدوا مقتولين جميعًا بناحية دقلة «والفاعل مجهول» (الجهاد).

وفي أثناء هذا كان وزير المواصلات يؤدب للوزراء ونواب إقليمه وعلى رأسهم مدير الإقليم مأدبة غداء، وكان قوام الحديث حول المائدة وبعد انصراف الطاعمين عن طعامهم، وأخذهم في هضم ما لذ وطاب وانتظارهم كئوس القهوة، ترشيح الرئيس لمجلس النواب أيكون الدكتور رفعت باشا أم يكون إسماعيل صدقي باشا؟

وكان وزير المواصلات فصيحًا لبقًا، وكان وزير المواصلات بليغًا مقنعًا، فكان يقول للنواب ورئيس الوزراء حاضر يسمع، ووزير الداخلية حاضر يسمع، ومدير إقليم حاضر يسمع: إن الوزارة مصرة على أن يكون الدكتور رفعت باشا رئيسًا لمجلس النواب، وإن الوزارة في هذا لا تحب العبث وإنما تحب الجد كل الجد. وقد أعدت صورة لمرسوم الحل هي الآن في جيب رئيس الوزراء. فإذا لم يتم النواب ما تريد الوزارة فإن رئيس الوزارة سيعرض هذه الصورة على حضرة صاحب الجلالة الملك لتوقيعها؛ فيحل المجلس ويتفرق النواب ويعودون إلى حيث كانوا قبل أن يدعوهم صدقي باشا إلى حيث هم الآن. وكان مدير الإقليم يقول آمين، وكان رئيس الوزراء ووزير الداخلية وغيرهما من الزملاء يهزون رءوسهم تصديقًا للوعيد وإعجابًا ببلاغة المتحدث اللبق.

وفي أثناء هذا كان أهل تلك القرية البائسة محزونين مكلومين، قد ذهبت عنهم عقولهم وطارت عنهم نفوسهم بهذا الخطب الذي ألم بهم وهذا الحرج الذي اضطروا إليه، وهذه الحجوز التي بلغت أربعمائة، وهذه القضايا التي بلغت ثلاثين ومائة، وهؤلاء الأطفال والنساء الذين عضهم الجوع. وكان أهل القرية الأخرى في الشرقية فزعين جزعين قد أخذهم الرعب واستأثر بهم الوجوم لهذه الدماء التي سفكها الأشقياء، ولهذه الأسرة التي صعدت إلى السماء وقد كان من حقها أن تبقى في الأرض، ولهذا الصائح الذي لا ينقطع صياحه والذي يترجم دائمًا عن حال المظلوم الذي لا ناصر له والمنكوب الذي لا دافع عنه. واغوثاه! واغوثاه.

وفي أثناء هذا كان وزير المواصلات يستأنف الحديث بعد أن يحسو من فنجال القهوة حسوة ويجذب سيجارته جذبة، ويرسل من فمه نفسًا هادئًا ينتشر في الغرفة فيتردد في جوها دخان مضطرب. كان وزير المواصلات يستأنف الحديث فيقول للنواب بمسمع من رئيس الوزراء والوزراء وبمسمع من مدير الإقليم: ولا تظنوا أن الوزارة تخاف حل المجلس أو تشفق منه. فإنها إن فعلت ظفرت بإحدى الحسنيين، فإما أن يخوض خصوم هذا النظام الحاضر معركة الانتخاب فيسجلوا على أنفسهم قبول هذا النظام ويسجلوا للوزارة القائمة فوزًا لم يظفر به صدقي باشا على كثرة ما أنفق من مجهود، وإما أن يُعرض خصوم هذا النظام عن الانتخاب فتنتصر الوزارة على طول الخط، وتأتي إلى مجلس النواب بقوم تحبهم ويحبونها ولا يعرفون إلى صدقي باشا طريقًا. وكان مدير الإقليم يقول آمين، وكان رئيس الوزراء ووزير الداخلية وغيرهما من الزملاء يهزون رءوسهم تصديقًا للوعيد وإعجابًا بالمتحدث البليغ. وفي أثناء ذلك كان أهل تلك القرية البائسة في المنوفية ينظرون إلى أموالهم تحتجزها الحكومة الغنية وهم فقراء، ويسمعون لأطفالهم يشكون لذع الجوع، ويرسلون نفوسهم البائسة إلى السماء تلتمس رحمة الله وعطفه على هؤلاء الأطفال البائسين وكان أهل تلك القرية في الشرقية يتساءلون وقد ملأ الرعب قلوبهم وذهب الهلع بعقولهم: هل أُخذ الجناة؟ فيجيب بعضهم بعضًا لم يُؤخذوا. وكانت تلك النفوس التي أزهقت ماضية في صعودها إلى السماء تشكو إلى بارئها عدوان الناس على الناس وتقصير حماة الأمن في حماية الأمن، وكان ذلك الصوت الذي يدمي القلوب الرحيمة ويهز القلوب الأثيمة يصيح دائمًا: واغوثاه! واغوثاه!

وفي أثناء ذلك كان الحديث الحازم المقنع يقع من وزير المواصلات على قلوب النواب كما يقع الشرر على الهشيم فيلهبه ويذكي فيه النار، وكان هؤلاء النواب يسمعون كلام الوزير فتعرف وجوههم وتنكر قلوبهم، ويعدون بألسنتهم ويأبون بأفئدتهم.

وكان وزير المواصلات يريد أن يستوثق، وكان النواب يعطون المواثيق، وكان المدير يشهد، وكان رئيس الوزراء يعجب ويقدر في نفسه أن لو فعل كل وزير بنواب إقليمه من الشعبيين ما فعل وزير المواصلات بنواب المنوفية فأطعمهم وسقاهم، ثم أنذرهم ومناهم بمحضر من رجال الدولة لهان الخطب وسهل الأمر، وقضى على صدقي باشا قضاء ليس له بعده رجاء.

أليس من الحق علينا أن نقدم إلى رئيس الوزراء ما يشاء من تهنئة أو عزاء، فهو خليق بهما جميعًا، هو خليق بالتهنئة؛ لأن سياسته قد وفقت كل التوفيق ونجحت كل النجاح، فانحلت أزمة المال وانحلت أزمة الأمن، شبع الناس بعد جوع، وأمن الناس بعد خوف. وهو خليق بالتهنئة؛ لأنه قد استكشف أو استكشف له زميله وزير المواصلات وسيلة من أحسن الوسائل، بل هي أحسن الوسائل إلى كسب النواب والقضاء على الخصم العنيد، وهو خليقٌ بالتهنئة؛ لأنه قد كسب منذ ولي الوزارة مرونة في السياسة لم تكن له من قبل، وكان في أشد الحاجة إليها ليطول بقاؤه في الحكم؛ وليحفظ لنفسه رياسة الوزراء. لقد كان ينكر على صدقي باشا حمايته لرجال الإدارة بعد أن يقترفوا الإثم، ويتورطوا في الشر، فأصبح الآن يضرب المثل لرجال الإدارة فيشهد وزراءه وهم يسلطون على النواب من الترغيب والترهيب ما يملأ القلوب أملًا والنفوس يأسًا، وما يجعل النائب بين اثنتين، فإما إرضاء الضمير وإسخاط الوزير، وإما إرضاء الوزير واحتقار الضمير.

ورئيس الوزراء خليقٌ بالتعزية فهو لم يؤلف وزارته لتحجز الحكومة على أربعمائة مالك في قرية واحدة، ولترفع الحكومة ثلاثين ومائة قضية في قرية واحدة، وهو لم يؤلف وزارته لتشهد اعتداء الجناة على أسرة كاملة، في لحظة واحدة، وهو لم يؤلف وزارته لهذا الخذلان، إنما ألفها فيما قال ليصلح شئون الاقتصاد، وليحفظ على المصريين نفوسهم ودماءهم، فإذا لم يوفق إلى ما أراد، فهو خليق أن يعزى، وهو خليق بالتعزية؛ لأنه كان يحب النزاهة أشد الحب، ويؤثرها أعظم الإيثار، ويسره أن يذكره الناس فيقولوا إنه رجل نزيه، فأصبح الآن يرى أمورًا تؤتى، وحوادث تقع، وليست من النزاهة في شيء؛ فيغمض عليها عينه، ويكف عنها لسانه، ويده، ثم لم يكفه ذلك حتى قبل أن يشهد بنفسه بعض هذه الأمور، وينصرف وكأن شيئًا لم يكن، وكأن أحدًا من النواب لم يسلط عليه ترغيب ولا ترهيب ولم يوضع ضميره موضع الأخذ والرد بمحضر من مدير الإقليم.

تضحية عظيمة جدًّا هذه التي يحتملها رئيس الوزراء في سبيل البقاء في الحكم. وأي تضحية تشبه هذه التضحية التي ستمنع رئيس الوزراء من أن يقول إنه يحرص على النزاهة أشد الحرص، ولا يستطيع أن يعمل مع رجل غير نزيه. رئيس الوزراء خليق بالتهنئة إن كان من الذين يعدون ما انتهى إليه من أمره انتصارًا، وهو خليقٌ بالتعزية إن كان من الذين يعدون ما انتهى إليه أمره انهزامًا وخذلانًا. فليختر بين هذين الأمرين فإنَّا مستعدون لنُقدم إليه منهما ما يريد، ومن يدري لعله إذا لقي الناس انتظر التهنئة فإذا خلا إلى نفسه وإلى ضميره طلب العزاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ayman Elmashtoly ·٢١ مايو ٢٠١٥، ١٠:٥٥ ص

    وكأننا مازلنا هناك لم نبرح