لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء، استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا! وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يُلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء، وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب! مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين للقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه لا ليعملوا معه!

وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس؟! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًّا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس! ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!

فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء إلى أن انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين؛ فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا يظهر فيه الجهد والإعياء! فانظر إلى رئيس الوزراء وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء لا في الصباح! وقد كان يذهب إلى مكاتبه مع الصبح ولا يدعها حتى يتقدم الليل! وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام …! وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين …!

ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوروبا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى، ثم تضيف الشعب أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين متى سمحت بذلك الظروف …!

كل هذا يحزن! وكل هذا يسوء! فمهما تكن خصومة الناس لرئيس الوزراء، ومهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة؟! وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا لغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع …!

كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية مودعًا، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب، أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله! ضعيفًا فضعف الناس من حوله! كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.

وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير، وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال، ويأبوا إلا إنكارها! وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم! كأن شيئًا لم يعرض لهم! وكأن حدثًا لم ينزل بهم! وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!

أمختارٌ رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم والنهوض بأعبائه الثقال رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة يأخذ منها بحظ موفور.

أَمُكرَهٌ رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقسى السياسة! وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!

وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح؟!

وسواء كان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس. حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقى بأعنتها إلى إلا الذين لا يقدرون على تصريفها حقًّا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم.

وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل وأطال التفكير، وقدر الرجل وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة، وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوروبا، وعلى أن تكون هذه الأعمال خفافًا لا مشقة فيها ولا عناء.

هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به، وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة، وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور؟ أو يستقر له نظام؟ ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها؛ لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريض إلى هذا الحد، فكيف والناس جميعًا مؤمنون — وأولهم الإنجليز — بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يَستَقِلُّوا بأثقاله، فهم قد وُضعوا في مناصبهم ليُعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.

كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر، لا أقول مصلحتها الحقيقية؛ فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.

ما أجدر رئيس الوزراء والذين يؤيدونه في منصبه أن يقرءوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك وباطنها كله عظة! وهي قصة المحامي التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي يُذكِّرنا بها ما نحن فيه الآن!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.