كنت متشرفًا برياسة وفد «مصر» لدى الأمم المتحدة في دورتها التي انعقدت بنيويورك سنة ١٩٤٧، وكان موضوع تقسيم «فلسطين» بين العرب واليهود أهم الموضوعات المطروحة على الجمعية العامة في تلك الدورة. وكان الرئيس «ترومان» رئيس الولايات المتحدة، قد أشار في الخطاب الذي ألقاه حين افتتاح الدورة بتقديره وإعجابه لعمل اللجنة التي وضعت مشروع التقسيم، مما دل صراحة على أن «الولايات المتحدة» تؤيد هذا المشروع. وانتخبت الجمعية العامة لجنة خاصة بدراسة المشروع برياسة مستر «إيفات» وزير الخارجية في حكومة «أستراليا». وكان مستر «إيفات» يحسب أنه يستطيع التوفيق بين العرب واليهود، رغم ما أظهره العرب منذ اللحظة الأولى من مقاومة شديدة لكل تقسيم لبلاد فلسطين؛ لأنها عربية من ألف وثلاثمائة سنة وأكثر، ورغم وقوف الوفود العربية كلها صفًّا واحدًا في هذه المقاومة.

وكان الجنرال «مارشال» وزيرًا للخارجية الأمريكية في ذلك الحين، وقد دعا رؤساء الوفود العربية يومًا لتناول طعام الغداء على مائدته. وفي فترة الطعام دار الحديث حول موضوع التقسيم، فأبدى رؤساء الوفود جميعًا حججهم في مقاومته، ولم يبدِ الجنرال «مارشال» ما يستفاد منه أنه عدل عن الرأي الذي أبداه رئيسه «ترومان».

ودعانا الوفد البريطاني كذلك لطعام الغداء في مطعم الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلما اجتمع عقدنا وبدأنا نتناول الطعام سأل وزير الدولة البريطاني — وكانت الوزارة من حزب العمال — عما تتوقعه الدول العربية إذا قررت الأمم المتحدة تقسيم «فلسطين»، وانسحبت منها القوات البريطانية تنفيذًا للقرار الذي أعلنته الحكومة البريطانية، بأنها ستنهي انتدابها على «فلسطين» في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨، وكان «نوري باشا السعيد» أسرع الحاضرين إلى الجواب على هذا السؤال. قال: إذا تألفت دولة اليهود ألقيناها في البحر في خمسة عشر يومًا من تأليفها. وابتسم الوزير البريطاني وقال: أخشى أن تكون مبالغًا في التفاؤل يا باشا. وتناول الحديثُ الزمنَ الذي يمكن أن تعيشه الدولة الجديدة إذا خلقتها الأمم المتحدة، ووافق الوزراء البريطانيون آخر الحديث على أن الأمر يتعلق بعزيمة العرب، ولكنه يستغرق بضع سنوات لا بضعة أسابيع.

وقد تطور النزاع بين الدول العربية ودولة إسرائيل منذ إنشائها في ١٥ مايو ١٩٤٨ أطوارًا شتى، وكانت الدول الغربية تؤيد إسرائيل في كل هذه الأطوار، ولم تكن إسرائيل تستحي من أن تعلن أن سياسة القوة هي السياسة الوحيدة التي تصلح مع العرب وتحملهم على تعديل موقفهم في مقاطعتها، وعدم التسليم بوجودها القانوني، ولذلك كان عدوانها على الدول العربية يتكرر الحين بعد الحين من غير مقتض. وأيقنت الدول العربية — قبل فوات الأوان ولله الحمد — أن سياسة القوة لا تقفها إلا سياسة مثلها، فعمدت إلى تقوية جيوشها، وإلى اتخاذ الموقف الذي كان واجبًا أن تتخذه من سنوات عدة.

وها نحن الآن نسمع أن «إنجلترا» و«الولايات المتحدة» تريدان بذل الجهد لتسوية ما بين العرب وإسرائيل من نزاع، وأن اجتماع «إيدن» و«أيزنهاور» في «واشنطن» آخر هذا الشهر سيتناول هذا الموضوع بصفة خاصة.

ولا أظن رد الدول العربية على أية سياسة جديدة يريد الغرب إملاءها يختلف عما كان عليه خلال السنوات الماضية، حين كانت هذه الدول العربية كلها تعتبر وجود إسرائيل بينها سرطانًا لا سبيل إلى التغلب عليه إلا باستئصاله. فإن فعلت — وهي لا شك فاعلة — فسيكون الزمن في جانبها، ويكون الله ناصرها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.