ليست غريبة ولا جديدة، فليس من وزير ماليتنا جديد؛ لأن الناس قد تعودوا منه الطرائف، وانتظروا منه الأعاجيب، والناس يعلمون من أمر هذه الصبريات التي نريد أنْ نحدثهم عنها كل شيء، فقد أذاعتها الصحف وتحدثت بها الأندية، ولكن علم الناس بها لا يستتبع فهمهم لها، وما أكثر الأشياء التي تُعلم ثم لا تُفهم حتى يُئوِّل لهم الراسخون في العلم، والقادرون على التأويل.

ولسنا — والحمد لله — من الراسخين في العلم، ولا من القادرين على التأويل، ولسنا لذلك نريد تأويلًا أو تعليلًا لهذه الصبريات التي تعجز المُئَوِّلين والمعللين، إنما نحن من عامة الناس نريد أنْ نفهم، ولا نستطيع أنْ نفهم؛ فنحن نتوسل إلى القادرين على التفسير أنْ يفسروا لنا، وإلى البارعين في التأويل أنْ يُئَوِّلوا هذه الأعاجيب.

منذ أيام دعا وزير الماليَّة، صبري بك، زملاءه للوزارة إلى وليمة بحريَّة، ثم إلى نزهة بحريَّة بعد الغداء، ثم إلى شاي بعد النزهة، ولم تكن الوليمة في سفينة يملكها الوزير، أو في يخت يعده الوزير لراحته ونزهته، وإنما كانت في طوافة من طوافات الدولة يقال: إنها أعدت لغفارة الساحل وحمايته من المهربين.

فقد نحب أنْ نفهم معنى هذه الوليمة، ومغزى هذه النزهة، ومرمى هذا الشاي. ومن حقنا أنْ نفهم هذا، وأنْ نلتمس فهمه ونتشدد فيه، فليس حظ الوزير الخطير وزملائه من هذه الطوافة بأعظم من حظنا، وليس حق الوزير الخطير وزملائه في الانتفاع بهذه الطوافة بأعظم من حقنا، وكل ما بينه وبيننا من الفرق هو أننا أنبناه عنا في العناية بهذه الطوافة، واستخدامها لما هيئت له من حماية السواحل من المهربين والمعتدين.

ومن المحقق أنا لم نُنِبْهُ عنا في أنْ يتخذ الطوافة أداة للنزهة، أو مستقرًّا لولائم الغداء والشاي، ومن المحقق أيضًا أنك لا تستطيع، وأني لا أستطيع أنْ نتخذ هذه الطوافة التي نملكها — كما يملكها الوزير — أداة للنزهة، أو مستقرًّا لولائم الغداء والشاي. وإذن فقد نحب أنْ نفهم، ومن حقنا أنْ نفهم: كيف استطاع وزير الماليَّة، صبري بك، أنْ يدعو زملاءه الوزراء إلى الغداء، ثم إلى النزهة، ثم إلى الشاي على ظهر هذه الطوافة؟ وعلى أي حق من حقوق الوزراء اعتمد في هذه الدعوة؟

ولا تقل أنَّا نتعلق بشيء صغير، ونقف عند التافه من الأشياء، فليس في حقوق الدولة حق صغير وآخر كبير، وإنما حقوق الدولة كلها كبار، ومن أباح لنفسه أنْ يستهين بواحد منها؛ فهو خليق أنْ يبيح لنفسه الاستهانة بها جميعًا، ومن حقنا — أيضًا — أنْ نفهم، وأنْ نتشدد في الفهم، وأنْ نعلم على حساب من كان هذا الغداء، وعلى حساب من كانت هذه النزهة، وعلى حساب من كان هذا الشاي؛ أكان الإنفاق على هذا كله من مال الوزير الخاص؟ وإذن فهل دفع للدولة أجرًا لهذه السفينة، أم كان الإنفاق عليها من مال الدولة؟

وإذن فمن الذي زعم أنَّ من حق الوزراء على الدولة أنْ تغديهم في سفنها، وتمكنهم من النزهة، وتقدم لهم الشاي بعد ذلك؟ أفيدخل هذا في واجبات الاصطياف التي تنهض بها الدولة للوزراء، حين ينتقلون من القاهرة إلى الإسكندرية في غير موجب للانتقال؟ وإذا أباحت الدولة للوزراء أنْ ينفقوا من أموالها في طعامهم وشرابهم ونزهتهم، فما بالها لا تبيح هذا لغير الوزراء؟

كل هذه مسائل لا يحفل الناس بها، ولكننا نحن نحفل بها كل الحفل، ونسأل عنها ونلح في السؤال؛ لأننا نحب لوزرائنا أنْ يكونوا مُثُلًا عليا في الدقة، ونقاء اليد، وصفاء الضمير، والتحرج من إنفاق أموال الدولة — مهما تكن قليلة ضئيلة — في غير حق، ومن بذل أموال الدولة مهما تكن يسيرة هينة في غير وجوه البذل المعروفة التي تدعو إليها المنفعة، ويبيحها القانون.

ثم للمسألة وجه آخر خليق أنْ نتبينه، وأنْ نعرف رأي وزيرنا الخطير فيه، فما الذي حمله على أنْ يقيم هذه الوليمة؟ ويدعو إلى هذه المأدبة؟ وأين الظرف السعيد الذي يبيح للوزراء أنْ يتوسعوا بعض الشيء في الإنفاق، ويخرجوا بعض الشيء عما يجب أنْ يأخذوا أنفسهم به من التحرج في البذل والإنفاق؟ أوفق وزير ماليتنا الخطير إلى حل مشكلة من مشكلات الدولة في الدين العقاري، أو في الدين العام، أو في الاستبدالات، أو في أزمات الموظفين التي لا تنقضي، أو في تخفيض الضرائب التي لا تريد أنْ تنخفض، أو في تفريج الكرب الذي لا يريد أنْ يزول، فهو مغتبط بهذا التوفيق، وهو يريد أنْ يشرك زملاءه في هذا الاغتباط، وهو يرى أنَّ من حقه على الدولة أنْ تبيح له فضلًا من سعة؛ لما أدى إليها من خدمة، ولما رد عنها من هم، وأنْ تتيح له ولزملائه ساعات من نهار يتأرجحون فيها على موج البحر، ويستمتعون فيها بمناظر الشمس حين تلقي أشعتها الشاحبة على الأمواج الصاخبة في وقت الغروب، ويستحضرون فيها هذه الخواطر الفلسفيَّة العليا التي يستحضرها الشعراء والرجال المثقفون حين يرون الأمواج العنيفة تضطرب اضطرابًا عنيفًا بصور السماء التي تعكسها عليها أضواء الشمس آخر النهار؟!

كلا، لم يوفق الوزير إلى شيء، ولم يحل الوزير مشكلة، ولم يستوجب الوزير على الدولة شيئًا، وإذن ففيم هذه المأدبة؟ وفيم هذه النزهة؟ وفيم هذا الشاي؟

صبرية من الصبريات التي يعجز الناس عن فهمها، ويعيا الراسخون في العلم عن تأويلها، إلَّا أنْ تكون تمهيدًا لشيء لم ينكشف عنه الغيبُ بعدُ، وقد ينكشف عنه في يوم من الأيام. فمن يدري ماذا يُكِنُّ الغدُ في ضميره؟ وماذا يُضمِر الزمان بين خفاياه؟

والغريب أنَّ نشاط وزير الماليَّة لم يقف عند هذه الصبرية الرائعة منذ ذهب إلى الإسكندرية، فلم يكد الناس يتحدثون بهذه المأدبة البحرية، وهذه النزهة البحرية، وهذا الشاي البحري، ولم يكد الناس يفرغون من هذا الحديث، ويعلنون عجزهم عن فهمه وتأويله، حتى فتح لهم الوزير الخطير بابًا جديدًا من أبواب الحديث، فأعلنت الصحف أنه يدعو المندوب السامي إلى وليمة يقيمها له في البر لا في البحر، وفي داره الخاصَّة لا في دار من دور الدولة، بل في قريته الخاصَّة التي تسمى باسمه، والتي اشتققنا منها اسم الصبريات.

نعم، إذا كان يوم الأربعاء المقبل، فسيكون وزير الماليَّة في الصبرية، وسيذهب المندوب السامي إلى الصبرية، وسيقام في الصبرية غداء فخم يطعم فيه المندوب السامي ويشرب، ويُؤكل فيه العيش والملح بين وزيرنا النابغة وممثل بريطانيا العظمى، وأكبر الظن أنَّ وزراءنا سيشتركون في هذه المأدبة، وسيُدْعون إليها. ولا غرابة في ذلك؛ فقد دُعي وزير ماليتنا إلى الغداء في قصر الدوبارة، ولكل دعوة رد، كما أنَّ لكل سؤال جوابًا. ولكنْ حدِّثني عما سيقول الناس حين يسعى المندوب من الإسكندرية إلى الصبرية ليتناول الغداء على مائدة الوزير الخطير، سينتظرون أنْ يصبح الوزير الخطير في يوم من الأيام — قريب أو بعيد — رئيسًا خطيرًا. ليسهر القنصلان — كما كان يقول الرومان — فإن الأمر في حاجة إلى السهر.

والقنصلان هنا هما: الرجل الطيب، ووزير التقاليد، أحدهما في يده الرياسة، والآخر ينظر إليها من بعد، قال صاحبي: ولِمَ لا تقول: ليسهر القناصل؛ فقد يكون وزير داخليتنا قنصلًا ثالثًا لا يقل حظًّا من القنصلية عن وزير التقاليد؟ وماذا يمنع المندوب السامي أنْ يتناول الغداء في القيس كما سيتناوله في الصبرية؟

أرأيت إلى أننا لم نَفْرَغ ولا يُنتَظَر أنْ نَفْرَغ من الصبريات، فستتكشف لنا براعة وزير ماليتنا كل يوم عن إحدى الأعاجيب؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.