إحدى الطرق المثلى لاكتشاف أنواع جديدة هي تحديد التسلسل الجيني للأنواع الموجودة بالفعل، وكثيرًا ما يعثر العلماء على جماعات بيولوجية مختلفة جينيًّا — تُعَدُّ أنواعًا في حدِّ ذاتها — لم يلحظها أحدٌ من قبلُ. وهكذا، اتضح أن الفيلَ الأفريقي هو في حقيقته جماعتان مختلفتان وراثيًّا من الأفيال الأفريقية، والفراشة النطاطة هي في واقع الأمر عشرة أنواع من الفراشات النطاطة، وثمة نوعان من تماسيح النيل، وربما أربعة أنواع من الحيتان القاتلة. كثيرًا ما يدرس العلماء الحمضَ النووي لكائن ما، فيكتشفوا أن النوع الواحد هو في الواقع نوعان أو ثلاثة أو اثنا عشر نوعًا، أو ربما مئات الأنواع.

الأوجه المختلفة لأشنيات الكورا.
الأوجه المختلفة لأشنيات الكورا.

منذ عشر سنوات فقط، تحدَّثَ العلماء عن أشنة ديكتيونيما جلابراتوم كما لو كانت نوعًا واحدًا؛ فأوراقها الكبيرة المميزة والجميلة منتشرة في جميع أنحاء الأمريكتين، وقد درس كثير من فرق الباحثين خواصَّها الكيميائية والبيئية، لكن حتى بدأ روبرت لوكينج — من المتحف الميداني للتاريخ الطبيعي — في دراسة جينات هذه الأشنة، لم يدرك أحدٌ الحقيقةَ الأكثر إثارةً للدهشة عن أشنة ديكتيونيما جلابراتوم، أَلَا وهي أنها تنقسم في الواقع إلى ١٢٦ نوعًا مختلفًا من الأشنيات، بل ربما مئات الأنواع أخرى.

يقول لوكينج: «هذه أروع حالات الثراء غير المعروف للأنواع» في أي جماعة من الكائنات الحية الضخمة.

والأشنيات هي فطريات تشكِّل تحالفاتٍ إما مع الطحالب وإما مع البكتيريا، بحيث يمتص الفطر الماءَ والمعادن، في حين يقوم شريكه بإعداد الغذاء من خلال امتصاص الطاقة الشمسية، وهذه الشراكة ناجحة بنحو واضح؛ فأشنة الأيل وشجيرات وأوراق الأشنيات الجميلة تظهر في جميع القارات، بما في ذلك القطب الجنوبي، وثمة حوالي ١٨ ألف نوع معروف منها.

وكان من الواضح أن ديكتيونيما جلابراتوم أحد هذه الأنواع، وقد وصف خبير الفطريات الإستوني الراحل إراست بارماستو هذا النوعَ من الأشنيات عام ١٩٧٨، إلا أن فريق لوكينج راح يحلِّل هذا النوعَ الواحد منذ عام ٢٠٠٤، وحين اكتشف الفريقُ أشنةً أخرى مختلفة في كوستاريكا، اتضح أن النوع الواحد يشمل نوعين، وحين قارَنوا بين جينات عدد صغير من العينات في عام ٢٠١٣، اتضح أن النوعين يضمان ١٦ نوعًا.

والآن، فرغ الفريق — الذي يضم بين أفراده طالبةَ الدراسات العليا مانويلا دال فورنو — من تحليل ٣٦٥ عينة جُمِعَت من أنحاء أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، وهذا العدد يزيد عن عشرة أمثال عدد العينات التي حلَّلَها الفريق في الدراسة السابقة؛ وبهذا الإجراء تحوَّلَت الستة عشر نوعًا إلى ١٢٦ نوعًا، يعمل الفريق على تصنيفها تحت المجموعتين الجديدتين: كورا وكوريلا.

الغريب في الأمر أن كثيرًا من هذه الأنواع ليس خفيًّا؛ فعلى عكس الأفيال الأفريقية أو تماسيح النيل، التي تبدو فيها الجماعاتُ المختلفة وراثيًّا متشابَهةً للغاية، ثمة فروق مذهلة بين هذه الأشنيات؛ فبعضها يتميَّز بلون أزرق فيروزي هادئ، والبعض الآخَر له لون أبيض شاحب؛ بعضها ينمو على الصخور، والبعض الآخَر ينمو على الأشجار والشجيرات، والبعض له سمات مختلفة مثل شعيرات دقيقة أو حوافَّ مجعدة. إنها مختلفة جدًّا، حتى إن التمييزَ بينها — في الواقع — لم يكن يتطلَّب تحليلًا وراثيًّا.

المشكلة هي أنك لا تستطيع رؤية هذا التنوع الكبير إلا من خلال دراسة الأشنيات في بيئتها الطبيعية، ومعظم العلماء يعملون مع عينات مجفَّفة ومخزَّنة في مجموعاتٍ؛ فإخراج الأشنيات من بيئتها الطبيعية من شأنه طمس الدلائل البيئية المهمة؛ فتجفيفها يجعل درجات ألوانها الرائعة تنحسر في بضعة ألوان باهتة. تجنَّبَ فريق لوكينج هذا الفخَّ من خلال التقاط صورة عالية الدقة لكلِّ أشنة أخذوا منها عينة؛ يقول لوكينج: «أصابنا الذهولُ الشديد مما توصَّلْنا إليه من نتائج.»

يظن لوكينج أن ثمة منطقًا متناقضًا وغريبًا عرقَلَ الكثيرَ من علماء الأشنيات أيضًا؛ فمن الممكن أن تبدو الأشنيات مختلفةً للغاية بناءً على المكان الذي تنمو فيه والنمط الذي تنمو به، ومن ثَمَّ فإن النوع الواحد يستطيع اتخاذَ أشكال كثيرة؛ وقد سهَّلَ ذلك أن يظن بعضهم أن عيناتٍ شديدةَ الاختلاف من الأشنيات ليست في الواقع سوى نفس الأشنة، أو أن العينات الضخمة ليست إلا صورًا أقدم من أنواع أصغر حجمًا؛ تحليل الحمض النووي وحده هو الذي استطاع تمييزَ هذه الأنواع بعضها عن بعض، لكنه لم ينتهِ حتى الآن.

قسَّمَ الفريقُ أمريكا الشماليةَ وأمريكا الجنوبيةَ إلى شبكة من المربعات، وأظهر أن ١٠١ نوع من الأنواع المائة والستة والعشرين من ديكتيونيما جلابراتوم موجودةٌ في مربع واحد فقط من مربعات الشبكة؛ وهذا يرجِّح أن ديكتيونيما جلابراتوم لا تنتشر عبر القارة، وإنما هي مئات من الأشنيات المتمركزة في موضع واحد على نحو مثير للذهول. أن تأتي كلُّ هذه الأنواع من الأشنيات من ٢٠ مربعًا فقط من أصل ٢٠٩ يعني أنه ربما يكون ثمة أشنيات كورا وكوريلا أكثر كثيرًا تنتظر مَن يكتشفها في أجزاء أخرى من الأمريكتين.

فكم عدد تلك الأنواع الأخرى من الأشنيات؟ حاوَلَ الفريق التنبُّؤَ بعدد هذه الأنواع من خلال حساب عدد الأنواع التي يعرفونها في مواطنها المختلفة، وتقدير مدى انتشار كل نوع، وتقدير مدى دقتهم في جمع العينات من كلِّ جزء من الأمريكتين؛ فانتهوا إلى تقدير عدد هذه الأشنيات ﺑ ٤٥٢ نوعًا إجمالًا، «وهي زيادة ضخمة لا يمكن تصوُّرُها من نوع واحد.»

تقول آن برينجل من جامعة هارفرد، التي تدرس الأشنيات: «توضِّح هذه الدراسة على نحوٍ رائع مدى قلة ما نعرفه عن أعداد الفطريات على وجه الأرض. أشعر بالذهول أمام جمال الأشنيات المصوَّرة على الورق، وأتساءل إذا ما كان السكان المحليون يعرفون هذه الأنواع بالفعل، مع أنها غير موصوفة في المطبوعات العلمية الرسمية.»

يقول لوكينج: «لقد تعرَّفنا بالفعل على مجموعة أخرى من الأشنيات الكبيرة، التي ستُظهِر على الأرجح أنماطًا مشابِهةً لتلك الخاصة بالأنواع غير المعروفة التي يبلغ عددها ضعفَ عدد الأنواع المعروفة على الأقل، إن لم يكن أكثر. من ناحية التصنيف، لا يزال أمامنا قدرٌ كبير من العمل، ولا يمكن أن نأخذ أيَّ شيء كأمر مسلَّم به.»

تعيش معظم هذه الأنواع في مناطق البارامو، وهي بيئات طبيعية صغيرة في جبال الإنديز فوق مستوى الغابات ولكنها تحت مستوى الجليد. في هذه البقاع المعتدلة البرودة، تتحكَّم الأشنيات في مقدار المياه والمواد الغذائية الموجودة في التربة، مما يرسخ أُسُسًا ثابتة للشبكات الغذائية التي تتضمَّن «نسر كوندور الأنديز» و«الدب أبو نظارة» ومجموعة مميزة من النباتات السريعة التطور.

يقول لوكينج: «إن هذه الأنظمة البيئية مهدَّدةٌ بالانقراض إلى حدٍّ هائل، وقد اختفت بدرجة كبيرة؛ فمع اختفاء أيٍّ من مناطق البارامو، يختفي تباعًا نوعٌ بيولوجيٌّ فريدٌ. في الماضي، كان من المعتقد أن كلَّ مناطق البارامو متشابَهة، ومن ثَمَّ كان من الممكن المحافظة على تنوُّعها الوراثي بالمحافظة على بضعة من أجزائها، لكننا الآن بتنا نعرف أن الأمر ليس كذلك.»

تضيف برنجل قائلة: «إن الأشنيات أنظمة بيئية، تحتضن أعدادًا كبيرة من الكائنات الحية الأخرى داخل جسمها، بما في ذلك فطريات وبكتيريا أخرى، وإذا فقدنا أحد أنواع هذه الأشنيات، فلا أدري ما الذي قد نفقده كذلك.»

One Lichen Species Is Actually 126, and Probably More by Ed Yong. Not Exactly Rocket Science. June 30, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.