لم يخطئ شوقي حين قال: إن المجد إذا تكوَّن لم يسهل تقويض ركنه، بل إن المجد إذا تكوَّن عفا على كل ما سواه من سيرة صاحبه، وجعل اسمه مضيئًا تتناقله الأجيال في إكبار وإجلال، ناسية كل ما سوى هذا المجد مما يخالط حياتنا من نقص أو خطأ.

يذكر الذين يحبون الفنون الجميلة اسم ليوناردو دي فينشي، المصور الإيطالي الخالد، صاحب الجيوكندا، بكل إكبار وإعظام، ولا يفكر أحدهم حين يذكر هذا الاسم أن صاحبه كان ثمرة غرام لم يعقده زواج، وأن فنشي نسبة إلى البلد الذي ولد فيه، وليس اسمًا لأبيه، وفيما حكم الناس أن من يولد من سفاح ينظر الناس إليه في حياته نظرة لا احترام فيها، ويرون في موته مداراة لعار تحسن مداراته، فأما الذين يمهد لهم المجد طريقه فلا يبخل الناس عليهم باحترامهم، فإذا ماتوا سمت ذكراهم فوق كل هذه الاعتبارات التي يقيم الناس لها في الحياة وزنًا أكبر الوزن.

وكثيرًا ما تساءل كتَّاب: ترى لو أن عيسى بن مريم لم يكن نبي الله ورسوله، ولم تذكر الكتب المقدسة أنه من روح الله، فبأي صفة كان الناس يصفونه ويصفون أمه البتول، بل لقد قال قوم مريم لها يوم ولدت عيسى: () وقالوا لها: ()، ()، فلما اصطفى الله عيسى لرسالته عقد التاريخ له تاج المجد الباقي على الزمان، فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا.

وما أكثر ما اقترف الذين عقد لهم التاريخ تاج المجد من هفوات في حياتهم، لكن مجدهم أغرق هذه الهفوات في طوفانه، وصدق في حقهم أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن تلك سنة الله يوم الحساب كما أنها سنته في هذا العالم، ولن تجد لسنة الله تحويلًا ولا تبديلًا.

والمجد الصحيح هو الذي ينسى صاحبه نفسه ليؤثر الخير ما أنعم الله به عليه من مواهب، عند ذلك يذكر الناس جميله، ولا يذكرون غير جميله، وتبقى سيرته بينهم عطرة في حياته وبعد مماته.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.