أرفعه مع الإكبار والإجلال، ومع الولاء الصادق والإخلاص الصحيح، إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك، ومن حق كل مصري أن يرفع إلى جلالة الملك رجاءه إن احتاج إلى الرجاء، ودعاءه إن احتاج إلى الدعاء، ونصحه الصادق الأمين إن أحس بأن الواجب الوطني يأمره بأن يرفع إلى جلالته النصح الصادق الأمين.

وأظن أني حين أرفع هذا الرجاء إلى المقام الملكي الكريم لا أرفعه عن نفسي وحدها، وإنما أرفعه عن المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يضمرون لجلالة الملك مثل ما أضمر له من الحب، ويؤمنون لجلالة الملك بمثل ما أؤمن له به من الإخلاص، وينتظرون من جلالة الملك مثل ما أنتظر منه من الاستماع لنا إذا رجونا، والاستجابة لنا إذا دعونا، والتقدير لآرائنا التي نرفعها إلى جلالته على أجنحة مما يملأ قلوبنا من الإكبار والإجلال، ومن الحب والولاء والإخلاص.

وقد كنا نحن المصريين جميعًا نؤثر ألا نتحدث بآلامنا وآمالنا إلى جلالة الملك إلا من طريق التحدث بها إلى الوزراء، الذين يقيمهم الدستور صلة بين جلالته وبين الشعب، وكنا نحرص على ذلك أشد الحرص، وجهدنا في ذلك ما وسعنا الجهد، وأردنا دائمًا — وما زلنا نريد — أن يكون جلالة الملك بمعزل عما تثير آلامنا وآمالنا من الخصومات وألوان النزاع، ولكن الوزارة مستقيلة، فليس يجدي معها الحديث، ولم تُؤلَّف وزارة أخرى إلى الآن نستطيع أن نوجه إليها الحديث؛ لترفعه إلى صاحب الجلالة.

وقد استباح خصوم الكثرة الشعبية لأنفسهم أن يتحدثوا عن جلالة الملك، وأن يتوجهوا إليه مباشرة، لم يتحرجوا ولم يتحفظوا ولم يحتاطوا. ونحن — المصريين جميعًا — قد آمنا، ونريد أن نؤمن دائمًا بأن جلالة الملك ينظر إلى أبناء الشعب نظرًا سواء، فلا يُؤثِرُ منهم فريقًا على فريق، ولا يسمع منهم لقوم دون قوم، وإنما يؤثرهم جميعًا بحبه ونصحه، ويسوي بينهم جميعًا في عطفه ورعايته، فإذا استباح فريق من المصريين — لا يمثلون إلا قلة لا تُذكَر — لأنفسهم أن يتحدثوا عن جلالة الملك، ويتوجهوا بالحديث إلى جلالة الملك جهرة، فمن الحق للكثرة، بل من الحق على الكثرة، أن تتحدث إلى جلالة الملك بآلامها وآمالها، وأن ترفع إلى جلالة الملك آراءها ومطالبها، وأن تنتظر من جلالة الملك أن يتفضل فيلقى ما ترفعه إليه بما هو أهل له من العناية والتقدير.

والكثرة تشكو إلى جلالة الملك من آثام اقترفها قوم مسئولون، وقوم غير مسئولين، وهي ترجو من جلالة الملك أن ينظر في هذه الشكوى، وأن يتفضل فيأمر بتبيين جلية الأمر فيها، وأن يتفضل بعد ذلك فيأمر بأن ترد الأمور إلى نصابها، ويعود العدل إلى مستقره، وينصف المظلوم من الظالم، ويصب على الظالمين الآثمين ما يستحقون من العقاب.

وأول ما ترفعه الكثرة إلى جلالة الملك من ذلك أن رجلًا من الناس يقال له صدقي باشا، تقدم منذ أعوام يزعم أنه قادر على الإصلاح، مستعد لخدمة الوطن والملك، في عدل لا يشبهه عدل، وإنصاف لا يعدله إنصاف، ونظام ليس مثله نظام، وكان لمصر في ذلك الوقت دستور قبلته وأحبته وأنقذته، وانتخبت نوابها وشيوخها الذين يمثلونها أصدق تمثيل؛ لينفذوه وليعملوا في ظله.

وقد أقبل هؤلاء النواب والشيوخ إلى البرلمان، فأقسموا يمين الإخلاص للدستور والملك صادقين، ومضوا في البر بهذه اليمين يخدمون الوطن والملك في نزاهة، وبقلوب نقية، وضمائر طاهرة، وعزائم لا تعرف الضعف ولا الفتور، وإنهم لكذلك، وإذا هذا الرجل قد أقبل، يزعم ما يزعم، ويقول ما يقول. وقد تفضل جلالة الملك بامتحانه وابتلائه، فكلَّفه تأليف الوزارة، وحمَّله أعباء الحكم، فقبل التكليف ولم يكن لقبوله أهلًا، واحتمل الأمانة ولم يكن على حملها قادرًا.

ثم لم يكد يستقيم له الأمر حتى أهدر حقوق الشعب إهدارًا، وألغى دستور الشعب إلغاء، وفض برلمان الشعب فضًّا، ثم مضى في ألوان من الظلم لم تقف عند حد، ولم تنته إلى غاية، إلا أنها ملأت قلوب الشعب بغضًا وحقدًا وحفيظة، ووصمت حياة مصر من الخزي والعار بما لا يلائم كرامة شعب حر، ولا يلائم عصر جلالة الملك العظيم.

ومع ذلك كله لم تقم عقبات أمام هذا الرجل فيما حاول، ولم تظهر صعوبات لهذا الرجل تثنيه عما أراد، وكان في دستور الشعب نص صريح قاطع بأن تعديل الدستور فيما يمكن تعديله لا يتم، ولا يمكن أن يتم، إلا إذا أقره المؤتمر الذي يأتلف من مجلسي البرلمان، فلم يحفل هذا الرجل بهذا النص، ولم يقف عنده، ولم يلتفت إليه، ولم يتورع من إهداره وتجاوز حدوده، مع أنه كان قد أقسم اليمين بالوفاء لهذا الدستور، والمحافظة عليه.

لم يذكر يمينه، أو لم يحرص على البر بها، وألغى الدستور إلغاء، واستصدر دستورًا جديدًا اتخذه ستارًا لشر أنواع الحكم، وأقبح ضروب الظلم، وأفظع صنوف السيئات، ثم انتهى إلى الإخفاق، وجاء بعده قوم آخرون لم يكونوا خيرًا منه، ولم يكونوا شرًّا منه، مضوا على أثره يحنثون بالإيمان التي أقسموها للدستور، ويتخذون الدستور ستارًا لأقبح أنواع الحكم لا يخافون شيئًا، ولا يستحون من أحد، حتى دارت عليهم الدائرة كما دارت على الذين سبقوهم إلى الظلم والجور.

ثم فتح باب هذه الأزمة على مصراعيه، وتفضلت يا مولاي فأمرت رئيس ديوانك العالي أن يعرض الوزارة على رجل آخر من المصريين لم يشترك في الظلم، ولم يساهم في الجور، ولم يحنث في اليمين، وإنما نصح ما وسعه النصح، فلما رأى أنه غير قادر على العمل اعتزله واستقال. وقد علم الشعب المصري يا مولاي، أن أمرك الكريم بعرض الوزارة عليه لم يكد يبلغه حتى أسرع إلى الاستجابة، ولم يتردد في التلبية، ولكنه كان في ذلك ناصحًا مخلصًا لوطنه ومليكه كما كان من قبل، حين عمل، وحين اعتزل العمل.

وقد رأى أن نصحه للوطن والمليك يفرض عليه أمورًا لا يستطيع بدونها أن يلي الحكم، وينجح في حل ما يواجه مصر من المشكلات التي أثارها ظلم الظالمين، وعجز العاجزين، فرفع هذه الأمور إلى السدة الملكية الكريمة وانتظر. وبينما كان هذا الرجل ينتظر، وكان الشعب ينتظر معه، أخذ أنصار هذا النظام الجديد الذي أُعلِن في غير موافقة للدستور، والذي فُرض على الشعب فرضًا، والذي لم يَرْضَ الشعب عنه في لحظة من اللحظات، أخذ أنصار هذا النظام، وفي طليعتهم رئيس النواب ورئيس الشيوخ القائمين، يُذيعون في الشعب عن طريق الصحف والأحاديث أن جلالتكم تحرصون على هذا النظام أشد الحرص، وتأبون إلغاءه أشد الإباء.

وقد زعم رئيسا النواب والشيوخ، يا مولاي، للناس أنهما سمعا ذلك من جلالتك حين تشرَّفا بالمثول بين يديك، والشعب المصري، يا مولاي، لا يُصدِّقهما، ولا يعتقد أنهما قد صوَّرا رأي جلالتك تصويرًا صحيحًا. وذلك طبيعي؛ فالشعب المصري لا يستطيع أن يفهم ولا أن يصدق أن يصل صدقي باشا إلى ما وصل إليه من إلغاء دستور آمن به الشعب دون أن يجد في ذلك مشقة أو عناء، وألا يصل نسيم باشا إلى ما يريد من إلغاء دستور لم يؤمن به الشعب، وإنما تقوم أمامه العقبات، وتظهر أمامه المصاعب، وتثار بين يديه المشكلات.

والشعب المصري، يا مولاي، لا يستطيع أن يفهم أن يكون إلغاء مادة من هذا الدستور مستحيلًا، على حين لم تظهر استحالة ولا شيء يشبه الاستحالة في إلغاء الدستور القديم كله.

والشعب المصري، يا مولاي، يعتقد أن الظروف التي سهلت تغيير الدستور القديم دون الرجوع إلى المؤتمر، تستطيع أن تبيح تغيير الدستور الجديد قبل أن يبلغ عشرة أعوام.

والشعب المصري، يا مولاي، يرفض كل الرفض ما يذيعه دعاة السوء من أن إرادتك السامية تناقض في هذه الظروف إرادة شعبك المخلص الأمين.

والشعب المصري، يا مولاي، يؤمن كل الإيمان بأن الأمر إذا صُوِّر لجلالتك على وجهه؛ فإن حبك لوطنك، وتقديرك لأمتك، وحكمتك التي هي موئل مصر، كل ذلك كفيل بأن يرد إلى كل ذي حق حقه، وبأن يحمل جلالتك على أن تجري مع طبيعتك الكريمة التي تؤثر العدل والحق، ولا تريد لهذا البلد إلا خيرًا، ولا ترضى لهذا الشعب إلا أن يكون عزيزًا كريمًا.

والشعب المصري، يا مولاي، واثق كل الثقة بأن أمرك الكريم سيصدر في أقرب وقت ممكن، فيفتح أبواب الأمل لهذه الملايين التي حال اليأس دونها ودون الاغتباط أعوامًا طوالًا، ويرد طير السوء إلى أوكارها، ويقطع ألسنة المرجفين، ويعلن إلى العالم الذي يرقب مصر في هذه الأيام أن صاحب عرش النيل وسكان وادي النيل متفقون أشد الاتفاق، لا يمكن أن يثور بينهم خلاف؛ لأن صاحب العرش لا يضمر لشعبه إلا حبًّا وعطفًا وتقديرًا، ولأن أبناء النيل لا يضمرون لمليكهم إلا ولاء وإخلاصًا وإجلالًا.

نعم، يا مولاي، هؤلاء مئات من أصحاب المنافع يسعون في الأرض مفسدين، ويذيعون في الناس كلمة السوء لا يبتغون إلا المنافع العاجلة، وهؤلاء أربعة عشر مليونًا من المصريين يرفعون إلى جلالتك حبهم وإخلاصهم ورجاءهم في أن تجعل كلمة الشعب هي العليا، وكلمة المستبدين هي السفلى، وفي أن ترد مصر أمام نفسها وأمام الأجانب إلى ما ينبغي لها من الكرامة والعزة وإباء الضيم.

وأنا، يا مولاي، واثق بأن أمل الشعب المصري فيك لن يخيب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.