في أوائل القرن التاسع عشر كان ألكسندر ويلسون — عالم التاريخ الطبيعي — مرتحلًا في ولاية كنتاكي عندما أعتمت السماء فجأةً. كتب ويلسون فيما بعد في مذكراته أنه ظن أن «إعصارًا كان في طريقه إلى سحق المنزل وكل ما حوله في دوامة من الدمار.»

صيد الحمام البري في لويزيانا (١٨٧٥).
صيد الحمام البري في لويزيانا (١٨٧٥).

وعندما استعاد ويلسون صوابه أدرك أن ما حجب الشمس كان الحمام المهاجر.

تحتوي مذكرات الكثير من المستكشفين الأوائل على حكايات مشابهة؛ فقد كان الحمام المهاجر يجتاح شرق الولايات المتحدة في أسراب هائلة، ويقتات على الكستناء وثمار البلوط أثناء عبوره. وفيما كان ويلسون يحدق في سرب الحمام المهاجر، حاول أن يحصي عدد الحمام الموجود في السرب، فوجد أن عرض السرب الممتد من جانب لآخر يبلغ ميلًا واحدًا، وتدفق ذلك السرب فوق رأسه كنهر من الريش على مدًى يزيد عن أربع ساعات. ومن منطلق هذه المعلومة، خمن ويلسون أن السرب يضم ما يزيد عن ٢٫٢ مليار طائر، وكتب: «وعلى الرغم من أنه عدد يصعب تصوره إلى حد بعيد، فمن المحتمل أن يكون أقل بكثير من العدد الفعلي.»

في عام ١٩١٤ تعرض الحمام المهاجر للانقراض؛ وهذا يعود، على الأرجح، إلى صيده بأعداد كبيرة لأغراض تجارية. أشار مارك بارو في كتابه الذي يحمل عنوان «أشباح الطبيعة» إلى أن إبادة هذا النوع الكثير العدد أحدثت صدمة هائلة، وأن تلك الصدمة دفعت العالم إلى إدراك مدى هشاشة الطبيعة حقًّا.

ونظرًا لأن الحمام المهاجر اختفى قبل تطور علم البيئة الحديث؛ فالعلماء لا يعرفون الكثير عن تاريخه الطبيعي، واضطروا إلى الاعتماد، إلى حد كبير، على روايات الشهود؛ مثل روايات ويلسون، التي دفعتنا إلى التوصل إلى قصة بسيطة بعض الشيء، ألا وهي: وجود أسراب هائلة من الحمام المهاجر، ثم اختفاؤها والاحتفاظ ببضعة طيور نافقة منه محنطة بالمتاحف.

مع ذلك زعم بعض الباحثين في العقود الأخيرة أن تاريخ الحمام المهاجر كان أكثر تعقيدًا من ذلك. على سبيل المثال، في عام ١٩٨٥ أوضح عالم الآثار ويليام نيومان أن المواقع الأثرية للأمريكيين الأصليين لا تحتوي على عظام كثيرة للحمام المهاجر. وإنه لو كانت الطيورُ كثيرةَ العدد لدرجة أنها كانت تحجب الشمس واستمرت هكذا على مدى آلاف السنوات؛ لكان من المتوقع أن يكون الأمريكيون الأصليون قد تغذوا على أعداد وفيرة منها. ويؤكد نيومان أن الأسراب الكبيرة التي كانت موجودة في القرن التاسع عشر لا تعكس واقع وجود الحمام المهاجر لمدة زمنية طويلة.

وفي الوقت الحالي يتناول جيل جديد من العلماء هذا السؤال باستخدام خيط جديد من الأدلة؛ ألا وهو الحمض النووي. فقد اتضح أن بعض الحمام المحنط المحفوظ بين مقتنيات المتاحف ما زال يحمل أجزاءً بحجم مناسب من المادة الوراثية.

وفي عدد هذا الأسبوع من دورية بروسيدينجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز، يوضح تشي مينج هانج وزملاؤه الباحثون في جامعة ناشونال تايوان نورمال كيف حصلوا على الحمض النووي من باطن أصابع أقدام ثلاث من الحمام المهاجر، اثنتان منها اصطِيدتا في مينيسوتا والثالثة في بنسلفانيا، وتمكنوا من الحصول على نسبةٍ تتراوح ما بين ٥٧٪ و٧٥٪ من الجينوم الكامل لكل طائر.

عندما يتسنى للعلماء دراسة هذا القدر من الحمض النووي لأحد الحيوانات فإنهم يستطيعون معرفة الكثير من الأمور عنه؛ حيث يمكنهم، على سبيل المثال، معرفة أعداد أسلافه في الماضي.

يستطيع العلماء إتمام هذا العمل بفضل التنوع في جينات كل حيوان؛ فإذا قارنتَ جين الكولاجين في حمضك النووي مع جين الكولاجين لدى شخص آخر، فقد تكون النسختان مختلفتين قليلًا. وهذا يرجع إلى أن الطفرات تظهر في الجين مع انتقاله عبر الأجيال.

إذا كانت السلالة كبيرة العدد، فسينعكس هذا الأمر في وجود تنوع جيني كبير وسينتقل إلى الأجيال المستقبلية. على صعيد آخر نجد أن السلالات الصغيرة لا تملك العدد الكافي من الأفراد لاحتواء تنوعات كثيرة؛ وهكذا فإن أفراد تلك السلالة سوف ينقلون تنوعات جينية قليلة للغاية إلى ذريتهم.

ولهذا السبب فإن التنوع الجيني في السلالات الحالية يمكن أن يكون دليلًا على حجم السلالة في الماضي. وحتى إذا ارتفع عدد أفراد السلالة بمعدلات هائلة فيما بعدُ، فستظل السلالة تضم قدرًا قليلًا من التنوعات الجينية؛ لأنها كانت ضئيلة العدد في الأصل.

في حقيقة الأمر، لا يمكن للعلماء حساب الحجم الحقيقي لسلالةٍ ما في الماضي بهذه الطريقة؛ ويرجع هذا إلى أن جزءًا ضئيلًا فقط من أفراد كل جيل هم من ينجبون في نهاية الأمر، ومن ثم يمكننا أن ننظر فقط إلى تنوُّع جينات «أولئك الأفراد» فحسب. ويشير العلماء إلى هذه المجموعة الصغيرة من المنجبين باسم: «الحجم الفعال بالسلالة»، ورغم ذلك، من المجدي نفعًا أن نعرف الحجم الفعَّال للسلالة؛ لأنه يمكن أن يكون دليلًا تقريبيًّا على عدد السلالة الحقيقي؛ (فعادةً يكون الحجم الفعال للسلالة هو عُشر الحجم الحقيقي تقريبًا.)

عندما بدأ العلماء لأول مرة في حساب الأحجام الفعالة بالسلالات قاموا بحسابه من خلال مقارنة جين معين في عدد كبير من الأفراد. أما في السنوات الأخيرة فقد ابتكروا حيلة عكسية رائعة؛ حيث يمكنهم تقدير الحجم الفعال للسلالة من خلال فحص الكثير من الجينات في عدد قليل من الأفراد. وفي حالة اختلاف عدد كبير من هذه الجينات من فرد إلى آخر، فإن هذا الاختلاف يخبر العلماء بأن هذه الحيوانات أتت من سلالةٍ كانت كبيرة العدد في الماضي، أما إذا كانت الجينات متشابِهةً للغاية فهذا يعني أن عددها كان صغيرًا.

ما يميز هذه الطريقة كثيرًا هو أنها تتيح للعلماء فرصةَ تعقُّب حجم السلالة عبر الزمان؛ وهذا لأن العلماء يستطيعون المقارنة بين أوقات تولُّد تنوُّعات كل جين من سلف مشترك. وإذا اتضح من تعقب مجموعة كبيرة من التنوعات الجينية أنها تعود إلى وقت واحد بعينه؛ فهذا يعني أن ذلك النوع كان قليل العدد في ذلك الوقت. وفي عام ٢٠١١ استخدم هينج لي وريتشارد ديربن، الباحثان في معهد ويلكم تراست سانجر، هذه الطريقة في إعادة بناء التاريخ البشري، مستعينين بست وحدات فقط من الجينوم. ووجدا أن عدد البشر تقلَّص إلى حد مذهل في فترةٍ تتراوح ما بين ٥٠٠٠٠ و٢٠٠٠٠ سنة مضت، ثم عاد وزاد زيادةً كبيرةً.

وفي الوقت الحاضر استخدم هانج وزملاؤه الأسلوب نفسه لمعرفة أعداد سلالة الحمام المهاجر، ومن المثير للدهشة أنهم وجدوا أن متوسط الحجم الفعال بالسلالة في الماضي كان ٣٣٠ ألف طائر فقط. كان العلماء قد قدَّروا أن عدد الحمام المهاجر في القرن التاسع عشر كان يتراوح ما بين ٣ و٥ مليارات طائر. بعبارة أخرى: كان الحجم الفعال للسلالة أقل مما نتوقع بآلاف المرات.

إن هذا التباين يشير إلى أن الحمام المهاجر كان عدده أقل كثيرًا في مرحلة معينة في الماضي. وعندما أعاد هانج وزملاؤه بناء تاريخ سلالة الحمام المهاجر؛ وجدوا أن الطيور مرت بالفعل بتغيرات هائلة. فمنذ ١٢٠ ألف سنة تقريبًا، كان الحمام وافر العدد، لكنه تقلص إلى أعداد قليلة منذ ٢١ ألف سنة. وبعد ذلك عاد إلى سابق عهده بعد آخر عصر جليدي، ووصل إلى ذروة عدده مرة أخرى منذ حوالي ٩٠٠٠ سنة. ومنذ ذلك الوقت أخذت أعداد الحمام تتضاءل ببطء.

هذا النمط يتفق تمامًا مع التاريخ البيئي للعصور الجليدية؛ فمنذ حوالي ١٢٠ ألف سنة كان المناخ دافئًا، وكانت الكتل الجليدية في أقل مستواياتها، وكانت الغابات واسعة الانتشار في أرجاء أمريكا الشمالية. ومنذ ٢١ ألف سنة كان كثير من البيئات الطبيعية للحمام المهاجر مغطًّى بالجليد، ولم تستطع البيئاتُ المتبقية توفيرَ غابات البلوط والكستناء التي تعتمد عليها الطيور في غذائها. وبمجرد أن انحسرت الكتل الجليدية عادت الغابات مرة أخرى ومعها الطيور.

ورغم ذلك يرى هانج وزملاؤه أن هذه التغيرات المناخية الطويلة الأجل هي فقط أحد الأسباب المفسرة لقلة عدد الأفراد الفعالين بسلالة الحمام المهاجر. وارتأوا أن الحمام كان مثل الجراد الذي يتزايد عدده سريعًا عند توافُر الغذاء، لكن أعداده تنهار عندما تسوء الأحوال. (يمكن أن يبلغ عدد الجراد الحقيقي ١٠٠ مليار جرادة عند ذروة انتشاره، لكن حجم الأفراد الفعالين فيه يكون فقط نصف مليون جرادة.)

وفي دراستهم الجديدة توصل هانج وزملاؤه إلى استنتاج شبيه باستنتاج نيومان؛ فقالوا إن الأسراب الهائلة التي رآها علماء الطبيعة، أمثال ويلسون في القرن التاسع عشر، لم تكن ظاهرة ثابتة في المشهد الأمريكي في فترة ما قبل الثورة الصناعية، بل ربما كان ويلسون شاهدًا فحسب على موجة انتشار للطيور.

من الممكن أيضًا أن يكون المستوطنون الأوروبيون مسئولين عن ذلك الانتشار، فربما كان الأمريكيون الأصليون سببًا في انخفاض أعداد الحمام المهاجر؛ نظرًا لصيدهم إياه وجمعهم ثمرات البلوط والكستناء، وعندما أبعد الأوروبيون الأمريكيين الأصليين عن أراضيهم أتاحوا الفرصة لهذه الطيور لزيادة أعدادها، وساعدوها أكثر من خلال زراعة المحاصيل التي تتغذى عليها.

مع تجميع الباحثين للحمض النووي للحمام المهاجر؛ فإنهم يزيدون من احتمالات استرجاع الطائر مرة أخرى بعد انقراضه. وكما وصفت في العام الماضي في مجلة ناشونال جيوجرافيك: بمقدور الباحثين من الناحية النظرية استخدام جينوم سلالة قريبة الشبه بالحمام المهاجر — وهي الحمام المخطط الذيل — كوسيلة داعمة لتعديل الحمض النووي باستخدام طفرات خاصة بالحمام المهاجر. شرح بن نوفاك، الباحث في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، كيف يمكن أن يتسنى لنا حينئذٍ استفراخ طيورٍ تحمل هذا الحمض النووي إلى أن تبدو مثل الحمام المهاجر القديم، وربما تسلك سلوكياته أيضًا؟

طريقة إحياء الحمام المهاجر.
طريقة إحياء الحمام المهاجر.

تشير دراسة هانج الجديدة (وغيرها من الأبحاث المماثلة التي يجريها نوفاك وزملاؤه) إلى أن العلماء ربما يكونون قادرين على إعادة الحمام المهاجر إلى الحياة في صورته الكاملة، دون إعادة الأسراب التي تضم مليارات الحمام والتي رآها ويلسون. ورغم أن الحمام المهاجر قد انخفضت أعداده إلى أعداد قليلة للغاية في بعض الأحيان؛ فإنه استطاع البقاء لمئات الآلاف من السنوات قبل أن يبدأ الناس في صيده ببنادق الصيد.

على صعيد آخر، إذا تمكَّنَّا من استعادة الحمام المهاجر المنقرض، فمن الممكن ألا يستقر عند مستوًى عددي ثابت، فإذا كانت الظروف مواتيةً فمن الممكن أن تتزايد أعداده زيادة كبيرة، أما إذا جعلنا الظروف صعبة أمام الطائر، من خلال تغير المناخ على سبيل المثال، فمن الممكن أن تنخفض أعداده مرة أخرى. وعلى الرغم من أن أسراب الحمام المهاجر قد تبدو كإعصار وشيك، فإن بقاءه يعتمد بشدة على نظامه البيئي.

The Feathered River by Carl Zimmer. The Loom. June 18, 2014.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.