هو فضيلة من غير شك، بل قل هو فضيلة من أرقى الفضائل وأزكاها، ولعله أرقى الفضائل وأزكاها، فبالصبر يمتاز الرجل الذي تمَّتْ له خصال الرجولة كلها، والذي يستطيع أن يلقى المكروه فلا يفزع منه ولا يضيق به، ولا يصبح صدره منه حرجًا كأنما يصعد في السماء.

وبالصبر يستطيع الرجل أن يهزأ من الحوادث، ويسخر من النوائب، ويبتسم للخطوب، وبالصبر يستطيع الرجل أن يحتمل الفتنة، ويثبت للمحنة، وينظر في الأشياء نظرًا هادئًا مطمئنًّا، لا يفسده خوف ولا رجاء، وإنما هو مستقيم معتدل، قوامه حكم العقل وصواب الرأي، ثم بالصبر يستطيع الرجل أن يخطو في حياته العاملة خطوات بريئة من الطيش، آمنة من العثار، بمقدار ما تسمح الطبيعة الإنسانية لأصحابها بأن يبرءوا من الطيش، ويأمنوا من العثار.

ولكن هذا الصبر أنواع، وله ضروب وفنون، وفيه ألوان وأشكال، فهناك صبر ثقيل جدًّا ليست فيه مرارة الانتظار وحدها، بل فيه أيضًا ثقل الأعباء وشدة الحرمان، وهناك صبر لذيذ تحيط به ضروب من النعمة، وألوان من اللذة، فتشوب مرارته وتخففها بعض الشيء، وتجعلها محتملة، بل محببة إلى الأذواق، مشتهاة في النفوس.

وقد ابتلى الله الأمة المصرية بالصبر في هذه الأيام، لم يفرق في ذلك بين أغنيائها وفقرائها، ولا بين شعبها ووزرائها، ولا بين جهالها وعلمائها، فكل مصري ممتحن في قدرته على الصبر، مفتون في طاقته للاحتمال. وقد ذكر رئيس الوزراء في أحد حديثيه مع الصحف الباريسية الصبر ومزاياه، فجعل الصبر قاعدة من قواعد الحكم، وأصلًا من أصول السياسة.

ورئيس الوزراء كان موفقًا كل التوفيق في اهتدائه إلى الصبر وجَعْلِه أساسًا لكل المشاكل السياسية بيننا وبين الإنجليز، بل بيننا وبين الأجانب عامة؛ فرئيس وزرائنا واثق بأن المفاوضات آتية لا ريب فيها، وبأن الخلاف بيننا وبين الإنجليز سيزول في يوم من الأيام، ولكن السبيل إلى المفاوضات وإلى حل الخلاف إنما هي الصبر، والصبر وحده.

وأؤكد لك أنك تسرف وتغلو، بل تتجاوز الإسراف والغلو إلى شيء لا أدري كيف أسميه إن أنكرت على رئيس وزرائنا أنه جلد صبور في المسائل السياسية عامة، وفيما بيننا وبين الإنجليز بنوع خاص. لقد نهض الرجل بأعباء الحكم، وأراد أن يفاوض الإنجليز، فاستمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم، وقضى عامًا كاملًا لا يفاوض، ولكنه يرجو أن يفاوض.

فلما دخل في العام الثاني همَّ بالمفاوضة — وكان قد أجرى الانتخاب وجمع البرلمان — فتقدم إلى الإنجليز في المفاوضة، ولكنهم استمهلوه فأمهلهم، واستنظروه فأنظرهم، ومضى صيف جاء بعده خريف، ومضى شتاء جاء بعده ربيع، وتمت دورة العام ودورة البرلمان، فهمَّ رئيس الوزراء بالمفاوضة ودعا إليها وألح في الدعاء، ولكن الإنجليز دفعوه فاندفع، وردوه فارتد، وطالبوه بالصبر فأسرع إليه، أسرع إليه ولكن بشرط أن يعطيه الإنجليز لمجة — كما كان يقول الشيخ حمزة فتح الله رحمه الله — أو تصبيرة — كما يقول مثلك ومثلي من الناس!

وقد أعطاه الإنجليز هذه اللمجة أو التصبيرة، فلقيه وزير خارجيتهم في جنيف ومس معه طرفًا من السياسة في طرف من حديث، وعاد رئيس الوزراء وقد تبلغ بهذا الطعام اليسير، فتعلل به وصبر عليه، ومضى خريف تبعه شتاء، وجاء بعده ربيع، ووقعت في هذه الفصول أحداث عُدِّلت لها الوزارة مرتين، ومرض لها رئيس الوزراء وغيرُه من زملائه، ولكن شيئًا من هذا لم يزعزع رئيس الوزراء عن صبره الواسع واحتماله العريض، فما زال واثقًا بالمفاوضات، راغبًا فيها، ملحًّا في الثقة والرغبة، مستعينًا عليهما بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من الأولياء والقديسين، حتى أقبل الصيف وسافر إلى فرنسا ليستريح ويستعين بالصبر على المفاوضات.

هو إذن صابرٌ مصابر، أستاذ في الصبر والمصابرة، وليس صبره مقصورًا على المفاوضات، بل هو يتناول كل المسائل السياسية التي يعرض لها بحكم منصبه، فهو كالأمة المصرية يريد إلغاء الامتيازات من غير شك؛ لأن إلغاء الامتيازات شرط لتمام السيادة القومية، ورئيس وزرائنا شديد الحرص على السيادة القومية، واذْكُر رده التاريخي على رئيس وزراء الإنجليز.

هو إذن يريد إلغاء الامتيازات، ولكنه يستعين على إلغاء الامتيازات بما يستعين به على المفاوضات بالصبر، وطول البال، وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله المقربين، وهو واصل من غير شك إلى إلغاء الامتيازات من نفس الطريق التي سيصل منها إلى مفاوضة الإنجليز.

ورئيس وزرائنا شديد الحرص كغيره من المصريين على ألا يستهلك الدَّين ولا يؤدي فوائده إلا ورقًا، ولكن هذه مسألة سياسية خطيرة تحتاج إلى التمهل والأناة، وإلى سعة الحيلة وطول الانتظار، ورئيس وزرائنا خير من يتمهل، وخير من يستأني، وخير من يحتال، وخير من ينتظر. وهو يستعين على هذا كله بالصبر وزيارة الشيخ الإنبابي وغيره من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وما دام رئيس الوزراء صابرًا مصابرًا مرابطًا في فرسايل، فسيذعن له الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز، وسيقبلون منه الورق مكان الذهب النضار!

وكذلك يُلقي رئيس الوزراء على المصريين درسًا في الصبر والاستعانة به على الأحداث والخطوب، ولكن صبر رئيس الوزراء مهما يطل فهو هين يسير الاحتمال؛ لأن إرجاء المفاوضات إلى أجل غير مسمى يؤذي الشعب المصري في مصالحه ومنافعه وحاجاته وآماله أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء، ولأن بقاء الامتياز يؤذي مصر في كرامتها واستقلالها أكثر ألف مرة ومرة مما يؤذي شخص رئيس الوزراء، ولأن الإبطاء في حل مسألة الدين يضيع مصالح مصر أكثر ألف مرة ومرة مما يمس رئيس الوزراء.

فصبر رئيس الوزراء على هذه الأشياء ليس صبرًا على أذًى يصيبه أو ضرر يلمُّ به، وإنما هو صبر على أذًى يصيب غيره، وعلى آلام تلذع غيره، وعلى ضرٍّ يمس غيره. ما أيسر الصبر على مثل هذه الأشياء! ما أيسر صبر الصحيح على مرض المريض، ولا سيما إذا لم يكن من أهله ولا من أصدقائه! كلنا صابر على هذا النحو كرئيس الوزراء. فإذا أضفت إلى هذا أن صبر رئيس الوزراء مهما يكن مرًّا فقد تشوبه وتخفف مرارته حلاوة المنصب، وما تستتبع من قوة وبأس، ومن جاه وسلطان، ومن ترفٍ ونعيم، في مصر حينًا، وفي أوروبا حينًا آخر، كان صبر رئيس الوزراء لونًا من ألوان الترف الذي يتمناه الناس جميعًا، ولكنه لا يتاح للناس جميعًا.

هناك صبر آخر ليس كصبر رئيس الوزراء؛ لأنه مرٌّ خالصٌ لا تشوبه حلاوة، ولا يخففه لين ولا نعيم، فيه خضوع لضروب من العسف والجور، وفيه احتمال لصروف من البأس والمكروه، وفيه جوع وفيه حرمان، وفيه تعرض للمرض والأوبئة، وفيه أكثر من هذا كله، وأشد من هذا كله، فيه شعور الناس؛ لأنهم قد خلقوا كرامًا أحرارًا، وعجز الناس عن أن يستمتعوا بهذه الكرامة وهذه الحرية. وهذا الصبر المر الثقيل الطويل هو الذي أراد الله أن يمتحن به في هذه الأيام جيلًا من الناس يقال لهم المصريون.

والله عز وجل قادر على أن يبلو المجاهدين والصابرين بألوان المحن في الأنفس والأموال والثمرات، وهو قادر بعد أن يبلوهم في هذا كله على أن يثيبهم على ما صبروا، ويأجرهم على ما احتملوا، ويحسن جزاءهم على ما جاهدوا، ويرد عليهم ما امتحنهم فيه، فإذا هم كرام، وإذا هم أحرار.

فليصبر رئيس الوزراء في فرسايل وغيرها من ربوع أوروبا، وليصبر المصريون في مصر، فإن الله مع الصابرين، ولكن مع الصابرين حقًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.