زملائي الأعزاء

لقد أحال مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي السادس والثلاثون التقرير الذي تشرَّفت بتقديمه إليه عن تدوين القانون الدولي إلى لجنتكم القانونية. ولهذا أراني مسئولًا بعض الشيء عن انهماك اللجنة في بحث مثل هذا الموضوع العسير.

ويتضمَّن جدول الأعمال مسألتين: الأولى؛ تدوين القانون الدولي (طريقته وموضوعه). والثانية؛ إعادة النظر في المعاهدات غير المتعادلة. ويمكن بحث المسألة الثانية مستقلة عن الأولى، كما يمكن بحثها في النطاق العام لتدوين مبادئ القانون الدولي.

ومن المهم في مثل هذا الموضوع العظيم اختيار طريقة العمل على ضوء الأهداف التي يُراد بلوغها.

فما هي أهدافنا، أيها السادة، في صدد هذا التدوين؟ هذه — في رأيي — هي المسألة الأولى التي يتعين علينا الجواب عنها.

وأعتقد أننا جميعًا متفقون على أن أهدافنا تتجه قبل كل شيء إلى المساهمة، بما نملك من وسائل برلمانية، في الحيلولة دون نشوب حرب جديدة، وفي تلافي الأسباب التي قد تؤدي إلى إثارة الحروب: أي تسلط أمة — أيًّا كانت — على أمة أخرى أو على مجموعة من الأمم، بدعوى المحافظة على السِّلْم في العالم.

ويتعين علينا لبلوغ هذا الهدف أن نعمل على السير قدمًا في طريق التطور الجاري، فنتدرج من عهد لم يكن للعلاقات الدولية فيه قاعدة أخلاقية مرسومة، إلى عهد تكفل فيه الأخلاق الدولية وحدها إقامة نظام عالمي أساسه العدل والحق.

وإني لأعترف، أيها السادة، بأن هذه الكلمات تحمل في طياتها أمورًا عظيمة، ولكن الظروف الحاضرة تقتضي القيام بأمورٍ عظيمة، إذا أردنا ألا يكون تاريخ الجيل الحاضر سلسلة من التطاحن الدامي.

وإننا في هذه الظروف يجب أن نعمل، لا بوصفنا أصحاب مذاهب أو رجال فقه، بل بوصفنا ممثلين للشعوب، نحمل إزاء مواطنينا تلك المسئولية العظمى: مسئولية تجنيب الجماعة الإنسانية حربًا عالمية ثالثة يراها الكثيرون قضاء محتمل الوقوع.

وقد اقترحت في مشروع القرار الذي عرضته على مؤتمر القاهرة، تأليف لجنة برلمانية دولية تُعنى بصياغة بنود المبادئ الكبرى للأخلاق الدولية متخذة القرار الذي وافق عليه الاتحاد البرلماني الدولي في سنة ١٩٢٨ أساسًا لعملها. وهذه المبادئ هي التي تضمنها التصريح الخاص بالحريات الأساسية الأربع، وميثاق الأطلنطي، وتصريحا موسكو وطهران، ووثيقة شابلتبيك، وميثاق نورمبرج وغيرها من الوثائق الدولية المماثلة، وكذلك ما ورد من تلك المبادئ في الخطب الهامة التي ألقاها الناطقون بلسان الديمقراطيات العظمى خلال الحرب.

وقد أدى مشروع هذا القرار، الذي عرضته على المؤتمر فكانت «موافقته على مبدأ تدوين القانون الدولي»، إلى ظهور ثلاثة تيارات فكرية:

الأول: رأي مستر تيرج وولد (النرويج) الذي ضمَّنه مشروع قرار بانتظار نتيجة العمل الذي اضطلعت به هيئة الأمم المتحدة في صدد التدوين مع مدها بتشجيعنا.والثاني: الرأي الذي ضمَّنه مسيو هنري رولان (بلجيكا) مشروع قرار آخر، أبدى فيه التشكك لإقحامي كلمة «الأخلاق» في ميدان «القانون» الدولي، ورأى وجوب استبعاد ذكر «الأخلاق» من مشروع القرار الذي قدمته.والثالث: الرأي الذي انتهى المؤتمر إلى الإجماع عليه بقراره، ومؤداه: أنه لما كان الوقت لم يتسع للجنة برلمانية دولية تنظر في التقرير ومشروع القرار اللذين تشرفت بتقديمهما، فمن المفيد إحالة هذا التقرير إلى اللجنة الدائمة للمسائل القانونية لدراسته.

وقد انضممت طوعًا إلى هذا الرأي. وإني لسعيد إذ أتيحت الفرصة للجنتكم كي تدرس المسألة من جميع وجوهها.

وقد وضع المكتب مذكرة عن «وثائق التدوين»، قصد بها معاونة اللجنة في هذه المرحلة من أعمالها. وهي تتضمن إيرادًا تاريخيًّا مفيدًا لشتى المحاولات التي بذلت منذ قرن لنمو القانون الدولي والعمل على تدوينه. وما أخال تلاوة هذا العرض التاريخي إلا باعثة للمترددين على الانضمام إلى الرأي الذي أبديته في تقريري، ألا وهو:

نطلب من الاتحاد، عند مساهمته الجديدة في تدوين القانون الدولي، ألا يستوحي من مصادره الثلاثة وهي المعاهدات والعادات المرعيَّة والملكة القانونية الكمينة في الشعوب سوى المصدر الأخير.

فما نقترحه اليوم على الاتحاد هو أن يُعنى في صدد تدوين القانون الدولي بنفسية الشعوب وبالأخلاق الدولية.

ويبدو لي أن هاتين الفقرتين، اللتين ذكرتهما نقلًا عن تقريري، دعامتان أساسيتان في هذه المرحلة الأولى من أعمالنا على الأقل.

إن القانون الدولي متسع الآفاق ولا نهاية لشعابه.

وحين يُراد وضع قواعد قانونية مشتركة، يبدو عسيرًا، إن لم يكن مستحيلًا، الاتفاق بين الدول المتجاورة والصديقة على مسائل معينة، كمسائل الجنسية، وتبادل المجرمين، ومعاملة الأجانب، وحماية الأقليات، وازدواج الضريبة.

فإذا أريد تطبيق هذه القواعد الاتفاقية المشتركة، في الميدان العالمي، ظهرت استحالة هذا الأمر ظهورًا واضحًا. ولهذا أرى أن يتخلى الاتحاد البرلماني الدولي، في هذه الآونة، عن مثل هذا العمل لممثلي الحكومات، ورجال التشريع والسياسة. وربما تسنى للأمم المتحدة أن تأتي عملًا مفيدًا في هذا الباب، أما الدور الذي يضطلع به الاتحاد في المستقبل فسأعود إلى تناوله في نهاية بياني هذا.

والاقتراح الذي قدمته في العام الماضي، وما زلت متمسكًا به، يرمي إلى أن نباشر، قبل كل شيء، تدوين المبادئ الكبرى للأخلاق الدولية. وما هذا إلا الفصل الأول من مشروع تدوين القانون الدولي. وإني لأدعو الاتحاد إلى أن يبدأ بتدوين «حقوق الدول وواجباتها».

واسمحوا لي أن أشير إلى أنكم لن تأتوا في هذا الشأن بدعًا. فالأخلاق والضمير والحق والواجب أشياء قديمة قدم العالم، أو قدم غريزة الخير والشر. وأعلم أن كثيرًا من رجال السياسة والدبلوماسية يحسبون فكرة الأخلاق فردية في جوهرها وليست قومية أو دولية. فكان يحلو للدول، وبخاصة في الماضي وفي العلاقات بين الدول القوية والضعيفة، اعتقاد أن الحاجة تنشئ الحق، وأنه يحق لكل هيئة قومية أن تعمل ما يحلو لها أو ما ينفعها بشرط ألا يجر عليها عقابًا أو جزاءً.

لقد ذكرت في تقريري أن لودفيج جمبلوفكز قال سنة ١٩٠٧ في مؤلفه «القانون العام» ما يأتي:

ليس للمبادئ الأخلاقية، حتى وقتنا الحاضر، في العلاقات الدولية إلا دور ثانوي. فالأنانية وحدها هي التي تسيِّر الدول والشعوب في أعمالها، ولن يدور في خلد أي مؤرخ أن يلومها على ذلك، أو أن يقيس أعمالها بمقياس القانون أو الأخلاق. فليس القانون الدولي وحده أقرب إلى المستقبل منه إلى الحاضر بل الأخلاق الدولية أيضًا. أما في الماضي فلم يكن لهما وجود بتاتًا وهذا هو الدرس الذي يلقنه لنا التاريخ.

فهذه الفقرة تبيِّن في أبلغ عبارة المراحل الثلاث «للأخلاق الدولية» من ناحية حقوق الدول وواجباتها.

فبالأمس لم يكن لفكرة الأخلاق هذه من وجود. كان الحق في جانب القوة، وكانت الغلبة للأقوى وسادت شريعة الغاب التي لا تقوم إلا في عالم لا معيار له.

واليوم نشهد يقظة الوعي الشعبي الدولي، وأصبح الناس يتساءلون: «الأخلاق الدولية»! هل من وجود لها؟ وهل هي من طبيعة تختلف عن طبيعة الأخلاق التي تسود علاقات الأفراد؟ وما هو الذي تسمح به أو تبيحه أو تفرضه؟ هل من سبيل إلى تحسينها؟ وكيف يتسنَّى ذلك؟

وهذه الأسئلة التي سبق لهربرت كروس أن تساءلها وأوردتُها في تقريري، تعبِّر في رأيي أبلغ التعبير عن حالتنا النفسية اليوم.

ونحن إذ نبحث الآن عن قواعد الأخلاق الدولية، أقول ما قاله بسكال عن الإيمان: «ما كنتم لتبحثوا عنه لو لم تكونوا قد وجدتموه.»

وفي الغد الذي نعمل له هنا تبدأ المرحلة الثالثة التي تصبح فيها الأخلاق الدولية في الحقيقة نهجًا يتبع، فلا يعود يسع دولة ما أن تُخالفَه دون أن تسقط في نظر الجماعة الإنسانية، ويقوم مقام شريعة القوة بين الدول سلطان القانون ومبدأ العدل وعهد الخير.

وليس هذا حلمًا خياليًّا، بل شرطٌ أساسيٌّ لسيادة السلام.

إن زميلنا المحترم مسيو هنري رولان، ذلك الحجة في القانون الدولي، قد وجَّه نظرنا، في الخطاب القيِّم الذي ألقاه في مؤتمر القاهرة، إلى ضرورة «التمييز بين مبادئ الأخلاق التي تطبق على الأفراد وتلك التي تطبق على الدول. فهناك كما يقول، كثير من المبادئ الأخلاقية التي لا تنطبق على العلاقات بين الدول …»

إنني لأوافقه على هذا القول، كما أوافقه على ما قاله في موضع آخر من خطابه المذكور من:

إن جميع الناس يشعرون شعورًا عميقًا بأنه يتعين على رجال السياسة أن يحترموا في العلاقات الدولية مبادئ الأخلاق، وبأنه يجب علينا أن ننتزع تلك العقلية الميكافيلية العتيقة التي تبيح الالتجاء إلى الكذب والخداع والعنف في العلاقات الدولية، بينما تنكر ذلك في العلاقات بين الأفراد.

إنها لعبارات جميلة، أيها السادة، ونحن جميعًا عليها متفقون. وأقترح أن نسجل موافقتنا عليها صراحة بتدوينها، فيمكننا أن نذكر في مقدمة الواجبات المفروضة على الدول أن تمتنع في علاقاتها مع غيرها من الدول عن اصطناع العنف والخداع والتزوير، كما نسجل في مقدمة حقوق الدول أنه يحق لها التعويض عما يصيبها من أضرار تنشأ عن العنف الدولي والخداع والضرر الجسيم والتزوير. هذا أيها السادة مثل من الحالات العديدة التي يلتقي عندها الحق الدولي والأخلاق الدولية، ويصبحان كلًّا لا يتجزأ.

أما الاعتراض الذي يسوقه البعض، من أن عملنا في هذا الصدد سيزاوج عمل هيئة الأمم المتحدة، فمردود بأن صفتنا البرلمانية لن تلبث أن تطبع أعمالنا بطابعها، بينما تبرز الصفة الحكومية في أعمال هيئة الأمم المتحدة.

هذا فضلًا عن أن كثيرًا من الدول، ومنها إيطاليا التي سنكون ضيوفًا عليها في روما، لمَّا نصبح أعضاءً في هيئة الأمم المتحدة. ومن ثم كان الاتحاد البرلماني الدولي أوسع مدى من هيئة الأمم المتحدة بالقياس إلى العالمية. وهناك كثير من الدول الأعضاء في الاتحاد ليست منضمة إلى الأمم المتحدة، ويمكنها أن تساهم في عملنا مساهمة ثمينة لا تتوافر في ليك سكسس.

فإذا اتفقت كلمتنا، أيها السادة، على الأهداف التي نرمي إليها من المرحلة الأولى من التدوين، وجب أن نتفق أيضًا على الخطة التي نختطها في أعمالنا. وإنها لمشكلة عسيرة كما أشارت إلى ذلك مذكرة المكتب في صفحاتها الأخيرة.

ولم يشأ المكتب أن يعرض حلًّا لها، ورأى أن يترك للجنتنا الفرعية أن ترسم خطة تتفق وأغراضها.

وأرى أن أمامنا طريقتين يمكن أن نختار بينهما أو أن نتبعهما معًا في وقتٍ واحد:

والطريقة الأولى هي طريقة الأسئلة، سواءٌ تلك التي وردت في نهاية المذكرة أو غيرها مما يكون أكثر منها تفصيلًا.

فإذا دعيت كل شعبة من الشعب القومية إلى الإجابة، في إسهاب وفي وقتٍ وجيز، على الأسئلة التي تقررون طرحها — لتجمَّع لدينا من ذلك مادة أولية غزيرة يسهل أن نخرج منها ببعض التوجيهات.

والطريقة الثانية، التي لا يمكن الالتجاء إليها مع الطريقة الأولى في وقتٍ واحد كسبًا للوقت، تقوم على تأليف لجنة تحرير تتخذ التصريح الخاص بحقوق الدول وواجباتها مبدأً لعملها، وهي التي وافق عليها مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي الذي عقد ببرلين سنة ١٩٢٨.

وقد ظهرت منذ تلك السنة مشروعات كثيرة عن تصريحات خاصة بحقوق الدول وواجباتها. ومن أحدثها المشروع الذي قدمته حكومة بناما للجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر سنة ١٩٤٦ وقد أوردت بناما في مذكرتها الإيضاحية الكثير من المشروعات المماثلة وكلها حديثة العهد. ثم إن معظم المعاهد العلمية الدولية قد عنيت ببحث هذا الموضوع، مسترشدًا بعضها بأعمال بعض. وإني لأضع تحت تصرف اللجنة — لتزويدها بالوثائق — مشروعًا حسنًا انتهت إليه الأكاديمية السياسية الدولية سنة ١٩٣٤ ومن السهل تقديم مشروعات عديدة مماثلة أعدت في غير قليل من العناية.

وفي وسع المكتب من جهة أخرى أن يضع تحت تصرف لجنة التحرير الوثائق الدولية التي ذكرتها في تقريري المقدم إلى مؤتمر القاهرة، وغيرها من الوثائق المشابهة، أذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:

(١) تصريح الرئيس روزفلت عن الحريات الأساسية الأربع الصادر في ٦ يناير ١٩٤١.
(٢) ميثاق الأطلنطي الذي أعلنه الرئيس روزفلت، ومستر تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في ١٤ أغسطس سنة ١٩٤١، وانضمت إليه ٤٧ دولة حتى شهر أبريل سنة ١٩٤٥.
(٣) بعض فقرات من البلاغ الصادر عن مؤتمر موسكو، ومن التصريح الذي أصدرته بعد فضه أربع من الدول العظمى: الولايات المتحدة، وبريطانيا العظمى، والاتحاد السوفييتي، والصين.
(٤) بعض فقرات من تصريح طهران الموقع عليه من الرئيس روزفلت، ومستر تشرشل، والمارشال ستالين في أول ديسمبر سنة ١٩٤٣.
(٥) المبادئ الأساسية لوثيقة شابلتبيك الصادرة في ٨ مارس سنة ١٩٤٥. وهذه المبادئ الواردة في صورة بنود مدونة يجب تعميمها، بحيث تشمل بقدر المستطاع مجموعة الأمم المتمدنة.
(٦) وثائق نورمبرج، وبخاصة وثيقة لندن المؤرخة في ٨ أغسطس سنة ١٩٤٥، وحكم محكمة نورمبرج.
(٧) المبادئ الأساسية للأخلاق الدولية التي أعلنها خلال الحرب الأخيرة الناطقون بلسان الديمقراطيات الكبرى الظافرة ورددتها الصحافة العالمية.

فهذه الوثائق كفيلة بأن تطبع عملنا بالطابع السياسي الحاضر.

وبعد أن تتزود لجنة التحرير بهذه المجموعة الهامة من الوثائق، مضافًا إليها الردود على الأسئلة التي سبق أن أشرت إليها، أقترح — وهنا أرجو أن ينضم إليها سكرتيرنا العام الألمعي مسيو ليوبولد بواسييه — أن تشرع في عملها متخذة التصريح الصادر من الاتحاد في سنة ١٩٢٨ أساسًا لها، على أن تعتبر المشروعات أو التصريحات التالية له اقتراحات بالتعديل أو بالإضافة تعنى اللجنة ببحثها، وتأخذ منها ما تراه مناسبًا. وبعد ذلك يحال التصريح الجديد المعدل عن حقوق الدول وواجباتها إلى اللجنة القانونية، فتعرضه هذه اللجنة بدورها على مؤتمر برلماني دولي يعقد في المستقبل، مشفوعًا بتقرير مناسب. وليس هناك ما يمنع هذه اللجنة من أن تبلِّغ سلفًا المشروع المعدل إلى الشعب المختلفة لإبداء ملاحظاتها عليه، إن تيسَّر ذلك دون إضاعة الوقت.

تلكما أيها السادة هما الطريقتان اللتان أتشرف بعرضهما عليكم لاختيار إحداهما، وأكرر القول أن ليس هناك ما يحول دون تنفيذهما معًا، فيشرع في وقت واحد في توجيه الأسئلة وفي عمل لجنة التحرير.

وقد لا يُعد عملنا في هذا الاتجاه بدعة أو جديدًا بالمعنى الصحيح، ولكن اسمحوا لي بأن أكرر القول أن الأمر لا يتطلب أن نخلق جديدًا في ميدان الأخلاق الدولية والقانون الدولي، بل يتطلب أن نعلن من جديد ما هو حق وعدل. وهما أمران ثابتان ولكن من الخير أن يكونا ماثلين في جميع الأذهان، يجب أن يعلن أعضاء الاتحاد — غداة حرب عالمية — إيمانهم بهذه المبادئ وعزمهم على أن يلتزموا في سياستهم البرلمانية القومية قواعد الخير هذه بين الدول. وليس هذا الذي ندعو إلى عمله اختراعًا أو اكتشافًا وإنما هو وثيقة جديدة للإيمان.

ومن الواضح أن القرار الذي سيوافق عليه أحد المؤتمرات البرلمانية الدولية المقبلة، متضمِّنًا صياغة جديدة لحقوق الدول وواجباتها، لن يكون سوى المرحلة الأولى من مراحل التدوين. أما المرحلة التالية فتقوم، في رأيي، على أن نضع نصًّا خاصًّا بنا عن «الحقوق الأساسية للإنسان». وهناك هيئات أخرى، منها هيئة الأمم المتحدة، تقوم بهذا العمل. ولكني أعيد القول أن صفتنا التمثيلية تسمح لنا بأن نضفي على أعمالنا طابعًا برلمانيًّا خاصًّا يعطيها قيمة ذاتية.

ونحن بعملنا هذا لا نكون قد عدونا نطاق الأخلاق الدولية. ولكن ليس هناك ما يحول دون الخروج من هذا النطاق، والانتقال إلى نطاق التدوين الاتفاقي بمعناه الصحيح.

وتوجد — في الواقع — مسائل عديدة في القانون الدولي تفيد فيها المناقشات البرلمانية فائدة كبيرة، أذكر منها إجمالًا مسائل الجنسية، وحالة الأجانب، والمياه الإقليمية، والحصانة الدبلوماسية، والحماية الدولية للأقليات، وتبادل المجرمين، وغيرها من المسائل المماثلة التي يسترعي تنازع القوانين في شأنها انتباهنا نحن المشرعين. وفي وسع المكتب البرلماني أن يضع قائمة أولية للمسائل التي قد يفيد إدراجها في جدول أعمال مؤتمراتنا التالية، على أن يُطلب من الشعب المختصة أن تضع تحت تصرف المكتب — ثم اللجنة القانونية — بيانًا مسهبًا عن التشريع القومي المعمول به في بلادها.

وقد تساعد هذه الوثائق المكتب أو مقرر اللجنة على تحليل هذه التشريعات القومية المختلفة ثم تنسيقها. وبهذا تظهر لا ريب اتجاهات القانون الدولي في صددها.

وبذلك يكون لدى كل شعبة من الشعب البرلمانية جزء من القانون الدولي، ليس كما هو موجود لديها أو لدى غيرها فحسب، بل كما يجب أن يكون عليه يومًا ما لصالح الجماعة الإنسانية. وهكذا يتاح لمؤتمراتنا أن توافق بالتوالي على مشروعات قرارات في شتى المواد التي يراد أو يمكن تدوينها. ومن شأن هذه القرارات أن تبين الاتجاهات التي تساعد أغلبية البرلمانيين ويسترشدون بها. ومن المأمول أن تجد هذه القرارات إلى حد ما صدى لها في كل برلمان عن طريق التعديل للتشريع المحلي، ولا ريب أن هذه الطريقة بطيئة، ولكن يبدو أنها الوسيلة العملية لتقريب وجهات النظر بين التشريعات المختلفة في المواد المتصلة بالقانون الدولي. وهذا التقريب يمهد السبيل لتدوين القانون الدولي على خير وجه يتفق والوسائل التشريعية التي في متناول أعضاء البرلمانات الذين يتألف الاتحاد منهم.

إنها لخطة بعيدة المدى، ولكنها، إذا أيَّدها المؤتمر المقبل، ستتيح للمكتب أن يعد للمؤتمرات المقبلة قبل انعقادها بوقتٍ طويل الموضوعات المتصلة بالقانون الدولي. وسيكون التدوين على هذه الصورة بطيئًا مجزءًا، ولكنه سيلائم ما في حوزة الاتحاد من وسائل، وما يقصد إليه من أغراض حددتها المادة الأولى من نظامه الأساسي. فهي تنص على أن الاتحاد «يهدف إلى دراسة جميع المسائل ذات الصبغة الدولية التي يمكنه أن يساعد على حلها بالطريق البرلماني».

وبناءً على ما تقدم، فإن الطريقة التي أتشرف باقتراحها على اللجنة القانونية تنفيذًا لقرار مؤتمر القاهرة في شأن تدوين القانون الدولي، تتلخَّص فيما يلي:

(١) صياغة «حقوق الدول وواجباتها» صياغة جديدة، مع البدء بالتصريح الذي وافق عليه الاتحاد سنة ١٩٢٨ ويمكن تأليف لجنة للتحرير فورًا تعد مشروع القرار الذي يعرض على المؤتمر المقبل أو المؤتمر التالي.
(٢) وضع نص عن «الحقوق الأساسية للإنسان» بالطريقة التي تتبع في الموضوع السابق على أن يتم بعده.
(٣) دعوة المكتب البرلماني الدولي إلى تحرير قائمة بالمسائل ذات الطابع الدولي التي يمكن حلها بالطريق البرلماني. وهو عمل يقتضي التحليل والتنسيق في التشريع المقارن. وهذه المسائل المختلفة تدرس على التوالي عن طريق أسئلة توجه إلى الشُّعب وتبين التشريعات أو التقاليد المحلية المعمول بها وأسبابها، وتدرج هذه المسائل المختلفة، بمجرد الانتهاء من إعدادها، في جدول أعمال المؤتمرات المتعاقبة توطئة لاتخاذ قرارات تحدد الاتجاهات الجديدة في القانون الدولي.

هذه أيها السادة هي الأغراض والطريقة التي أقترحها عليكم في إيجاز، تنفيذًا للقرار الذي اتخذه المؤتمر السادس والثلاثون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.