ولكن أصحابها أبعد الناس عن الراحة، وأدناهم من التعب، وأنأى الناس عن الأمن، وأقربهم من الخوف.

عقول لا كالعقول، تفهم الأشياء على غير ما يجب أن تفهم عليه الأشياء، وتؤوِّلها بعكس ما يجب أن تؤوَّل به، وتعللها بأضدادها ونقائضها؛ لأنها لا تعمل مستقيمة، ولا معتدلة، ولا حرة ولا مرسلة على سجيتها، وإنما تعوج؛ لأن أصحابها يريدون لها الاعوجاج، وتنحرف لأن أصحابها يكرهونها على الانحراف، وهم يفعلون بها ذلك لأن أمورهم لا تستقيم إلا إذا اعوجت العقول، وانحرف المنطق وفسد التفكير، وقلبت الحياة ظهرًا لبطن، أو بطنًا لظهر، ورأسًا على عقب، أو عقبًا على رأس.

هؤلاء هم الوزاريون الذين لا تستقيم حياتهم، ولا يصفو عيشهم إلا إذا اطمأنوا إلى أن الوزارة لا بأس عليها من طارئ يطرأ أو حادث يلم. فهم سعداء ما واتتهم الحوادث، وأعانتهم الظروف، فإذا أظهرت الحوادث ميلًا عنهم أو تنكرًا لهم، تركوا الحق وعاشوا في الخيال؛ لأنهم أضعف من أن يواجهوا الحق، أو يصبروا على مذاقه المر، أو يثبتوا لطوارئه المزعجة. والخيال سهل مرن يمكن أن يصور بأشد الصور اختلافًا، وأن يلون بأعظم الألوان تباينًا، ولا سيما حين لا يحكم فيه العقل، وإنما تحكم فيه الأماني والآمال.

ويظهر أن قصة المندوب السامي وسفره وإنابة رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية عنه قد كان لها أعظم الأثر في حياة الوزاريين فجارت بعقولهم عن قصدها، وألقت في قلوبهم خوفًا وذعرًا، وتركتهم في حيرة، لم يستطيعوا أن يخلصوا منها بعد. فالرجل لم يكن مواتيًا ولا مسالمًا أثناء إقامته في مصر، وإنما كان يأمر وينهى، ويسأل عما ليس له أن يسأل عنه، ويدخل فيما ليس له أن يدخل فيه، ويعرب — وما أقل ما كان يعرب — عما لا يحب الوزاريون أن يعرب عنه من الميول والأهواء، أو من المذاهب والآراء. ثم يقال: إنه هم بالسفر فأنبأ الوزارة — أو لم ينبئها، وإنما أنبأتها الأخبار — بأن فلانًا سينوب عنه في أعماله بعد أن يعين مستشارًا للدار، وفلان هذا يسمى المستر كيلي. ثم سافر الرجل، ولم تكد السفينة تقطع به ما بين مصر وإيطاليا من عرض البحر حتى ظهر أن الذي سينوب عنه ليس مستشاره الجديد، وإنما هو رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية.

هنالك اضطربت القلوب، وحارت العقول، وأخذ الوزاريون يتساءلون، ويضربون أخماسًا لأسداس، وأسداسًا لأخماس. فلما كان حديث الطوارئ ازداد الاضطراب، واشتدت الحيرة، وعظم الاختلاط، وأصبح القوم في ظلماء لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يفهمون ما قيل لهم، وما يراد بهم!

ومن ذلك الوقت كثر القول، وانتشرت الإشاعات. وكان القول في صفوف الوزاريين أكثر منه في صفوف غيرهم من المعارضين، وكانت الإشاعات في بيئات الوزاريين أشد انتشارًا منها في بيئات المعارضين؛ ذلك أن حياة الوزاريين واستمتاعهم بما يستمتعون به من جاه وسلطان، واطمئنانهم إلى السفر، كل ذلك رهين بما يكون من المندوب السامي أو حول المندوب السامي، ومن وزارة الخارجية في لندرة أو حول وزارة الخارجية في لندرة.

وقد قال المندوب السامي عن نائبه شيئًا، وقالت وزارة الخارجية البريطانية وقالت الحوادث معها شيئًا آخر، فكان السؤال الأول الذي يجب أن يلقيه الوزاريون على أنفسهم هو هذا السؤال: أكان المندوب السامي يعلم أم كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من إرسال المستر بترسون إلى مصر؟ وهذا السؤال خطير، فإن كان المندوب السامي يعلم ما صممت عليه وزارة الخارجية، ففي إنبائه للوزارة بغيره، أو في إمساكه عن إنباء الوزارة بشيء، خطر محقق وسر يحيط به كثير جدًّا من الغموض. وإن كان المندوب السامي يجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية ففي هذا الجهل نفسه خطر محقق، وسر يحيط به كثير من الغموض أيضًا. فيه إمكان تغيير المندوب السامي، وفي تغيير المندوب السامي أخطار وأسرار، لا يعلم كنهها ونتائجها إلا الراسخون في العلم.

وكذلك ظل القوم يسألون ويلحون في السؤال، فلما أعياهم الأمر فيما يظهر أعرضوا عن البحث المنتج وانصرفوا عن المنطق المستقيم ولجئوا إلى الأماني والآمال، وأخذوا يقدرون أي الأمرين أوفق للمصلحة العاجلة وأشد ملاءمة لمكان الوزارة بين الناس في مصر.

وليس من شكٍّ بأن علم الناس بأن المندوب السامي قال للوزارة غير ما يعلم أو أخفى على الوزارة بعض ما يعلم دليل قاطع على أن الأمور بينه وبين الوزارة لم تكن مستقيمة، ولا معتدلة ولا جارية على أهواء الوزاريين. وإذن، فالخير كل الخير أن يذاع بين الناس أن المندوب السامي قد كان مثل الوزارة يجهل كل الجهل ما صممت عليه وزارة الخارجية من نهوض المستر بترسون بأعباء العمل في دار المندوب السامي أثناء غيبة السير مايلز لامبسون، ذلك أدنى إلى العذر، وأحرى أن يفهم الناس منه أمورًا كثيرة بعضها يلائم مصالح الوزاريين.

وكذلك أشيع ثم نشر في «المقطم» أن المندوب السامي، لم يكن يعلم من أمر نائبه شيئًا، ثم ألحت الإشاعة في هذا، وألحت فيه «المقطم» أيضًا وانتقل الأمر من «المقطم» إلى غيرها من الصحف المؤيدة للوزارة والعاطفة عليها. ثم أخذ القوم يقيمون الأدلة على أن المندوب السامي كان كالوزارة يجهل رأي وزارة الخارجية، وما صممت عليه.

وهذا النحو من التفكير ملائم كل الملاءمة لعقول الوزاريين وسيرة الوزارة؛ فالوزاريون قد تعودوا أن ينقل الموظفون كبارًا وصغارًا، وأن تغير أعمالهم وأن يفصلوا على غير علم منهم، ولا انتظار لما سيحدث لهم من الأمر. وما أكثر الموظفين المصريين الذين يفدون على دواوينهم آمنين، فلا يكادون يبلغونها حتى يعلموا أنهم قد نقلوا من مصلحة إلى مصلحة ومن مدينة إلى مدينة ومن ديوان إلى ديوان! وما أكثر الموظفين المصريين الذين يروحون إلى دورهم آمنين حتى إذا قرءوا صحف المساء علموا منها أنهم قد نقلوا أو فصلوا أو ألم بهم ما شاءت الوزارة من الخطوب. والمندوب السامي على كل حال موظف من الموظفين له وزارة يتبعها، ورؤساء يستطيعون القضاء في أمره بالنقل والعزل فضلًا عن تقصير الإجازة وإطالتها، وفضلًا عن إنابة هذا أو ذاك عنه أثناء غيابه الطويل أو القصير. وإذن، فما الذي يمنع أن ينقل المندوب السامي فجأة وعلى غير علم منه كما ينقل فلان من رياسة هذه المصلحة إلى مكتب هذا الوزير، أو من عمله في القاهرة إلى عمل غيره في أسوان؟ وما الذي يمنع من أن يفصل المندوب السامي على غير علم ولا انتظار فصلًا مفاجئًا في غير سؤال، ولا حساب ولا تحقيق، كما فصل الأستاذ السنهوري مثلًا من كلية الحقوق؟ هذا موظف وذاك موظف، وهذا عمل وذاك عمل، وهذه وزارة وتلك وزارة.

وكذلك استقام التفكير للوزاريين فظنوا ثم استيقنوا ثم اطمأنوا، ثم أشاعوا ثم ألحوا في الإشاعة، أن المندوب السامي قد سافر وهو يجهل نائبه كل الجهل، ولم يعلم من أمر ذلك شيئًا إلا حين قرأ الصحف في إيطاليا، أو حين قرأ رسائل البرق في السفينة، كما علم الأستاذ السنهوري أنه فصل من عمله حين رأى أنباء فصله منشورة في «الأهرام».

ولا ينبغي أن تقول للوزاريين: إن في هذا التفكير غرابة قليلة أو كثيرة، وإن الإنجليز غير مصريين، وإن تقاليد العزل والفصل، والنقل والإنابة في وزارة الخارجية البريطانية تخالف هذه التقاليد في الوزارة المصرية أثناء هذا العهد السعيد، لا ينبغي أن تقول للوزاريين شيئًا من هذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا شيئًا من هذا. وإنما المندوب السامي عندهم موظف وخلاص، ووزير الخارجية البريطانية يستطيع أن ينقله أو يعزله أو ينيب عنه من يشاء وخلاص، كما يستطيع وزير التقاليد عندنا أن يفعل هذا ممن شاء من الموظفين! فإذا علمت أن الأمر يستطيع أن يتجاوز هذا التفكير الساذج إلى شيء من المهارة في نشر الدعوة، وكسب الوقت عذرت الوزاريين فيما يعللون أنفسهم به من آمال وفيما يذيعون على الناس من أحاديث، فمن يدري؟ لعل المندوب السامي إنما أطيلت إجازته بناء على رغبة خفية وصلت إلى وزارة الخارجية البريطانية من بعض الذين تعنيهم شئون السياسة في مصر! ومن يدري؟ لعل إطالة الإجازة هذه خطوة أولى ستتبعها خطوة ثانية أصرح منها وأوضح أثرًا! ومن يدري؟ لعل الذين سعوا إلى إطالة الإجازة ويسعون إلى ما سيليها من الخطوات، هم الذين طلبوا إلى وزارة الخارجية أن ترسل المستر بترسون ليقوم بعمل المندوب السامي في مصر! وإذن، فليست أمور المصريين وحدها إلى الوزارة المصرية والوزاريين المصريين، وإنما إليهم أيضًا أمور الإنجليز في دار المندوب السامي على أقل تقدير.

فهم إذن أقوياء، وهم إذن مسلطون لا على الوفد والوفديين وحدهم، بل على المحافظين والأحرار والعمال في بلاد الإنجليز، وهم إذن أصحاب الأمر والباقون في الحكم لا ينازعهم في ذلك منازع، ولا يخالفهم في ذلك مخالف، وما داموا يملكون من أمر المندوب السامي أن يطيلوا إجازته وأن ينيبوا عنه فلانًا دون فلان، فقد يملكون أن ينقلوه أو يعزلوه. وهم يملكون من غير شك أن يفعلوا بالوفد والوفديين وبمصر والمصريين ما يريدون، وإنما الشيء الوحيد الذي لا يملكونه هو العقل المستقيم الذي يمكنهم من استقامة الحكم وحسن التفكير! ولكن ماذا تريد أن تصنع، أو ماذا تستطيع أن تصنع بقوم ينتهي بهم الذكاء إلى هذا الحد الذي ليس بعده ذكاء؟!

مهما يكن من شيء فإن العقيدة الرسمية عند الوزاريين، العقيدة التي يجب أن يعتقدها المصريون جميعًا، هي أن المندوب السامي قد سافر، وهو يجهل كل الجهل ما يراد به وبداره وبأعماله في مصر أثناء غيابه، وأن الوزارة المصرية قد كانت تجهل ذلك مجاملة للمندوب السامي فأما في حقيقة الأمر، فقد كانت تعلمه حق العلم، ومن هنا يجب أن يؤمن المصريون جميعًا بأن حديث الطوارئ لغو لا أصل له، وأن حديث التغيير السياسي سخف لا دليل عليه، وأن كل شيء هادئ على ضفاف النيل إلا النيل نفسه فهو مضطرب كثير الاضطراب، ولكن أمر النيل يسير تستطيع الوزارة أن تضبطه وتسيطر عليه.

فالوزارة إذن باقية، هادئة آمنة، لم تكن في يوم من الأيام كما هي الآن.

ألم أقل لك: إنها عقول؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.