بين المضمون والشكل عَلاقة دقيقة أساسها التوازُن الكامل، فلا المضمون بجائز أن يَطْغَى على الشكل، ولا الشكل بجائز أن يطغى على المضمون، وهذا القانون لا يسري على الفَنِّ وحده ولكنه يسري حيث يوجد المضمون والشكل في شتى الأنشطة الاجتماعية والإنسانية، كالاقتصاد والسياسة والدين … إلخ. ولا يطغى الشكل إلا على حساب المضمون والجوهر، والنتيجة الحتمية لذلك تدهوُر المعنى أمام اللفظ، وانكماش الجوهر حيال العَرَض، وتراجُع الأعماق تحت السطح. خذ الدين مثلًا إذا شئت، فستجد أن مقاماته كثيرة، منها ما يخاطب القلب، ومنها ما يخاطب العقل، ولكن قد تنحصر هموم كثيرين فيما ينقض الوضوء، أو يجرح الصيام، أو يجهر بالفطر، ولا أعني أن هذه أمور لا أهمية لها، ولكني أَوَدُّ أن تأخذ حجمها المناسب في السياق العام. وقد قرأنا عن جماعة في بعض بلاد المسلمين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وقرأنا عن نشاطها في مطاردة المتأخرين عن الصلاة وما شبه ذلك، ولكنَّا لم نسمع عن رأيها في الأموال التي تُبعثَر في العواصم على الملاهي، أو عن مدى احترام مبدأ الشورى في نظام بلدها السياسي، أو مبدأ التضامُن في نظامها الاقتصادي؛ لذلك لا يخدعني ترديد الشعارات، ولكني أراجع ما يتردد على ضوء قضية المضمون والشكل، وأتذكر أن الحماس قد يشتعل أحيانًا تغطيةً لشعور خفي بالذنب والعجز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.