جماعة من النواب يقال إنهم يبلغون ثلث المجلس، يريدون أن يستجوِبُوا الحكومة حول الضرائب؛ لأنهم يجدونها كما يجدها الناس ثقيلة لا يقوى أصحاب الأرض على أدائها، وهم يتحدثون بأن رئيس الوزراء نفسه زعم في تصريح له بأنها تبلغ نصف الدخل الذي يظفر به الملَّاك بعد المشقة والجهد وبعد الكد والعناء.

ويقول قوم آخرون إنها تزيد على النصف وقد تبلغ الثلثين. ويقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد وعدت يومًا ما بتخفيض هذه الضرائب، ثم يقول أولئك وهؤلاء إن الحكومة قد نقضت وعدها فلم تمسَّ الضرائب بتخفيض، وهي تأبى إلا أن تُجْبَى لها هذه الضرائب كاملة غير منقوصة، وموفورة غير مقتَّر فيها، فإذا أدَّاها الفلاح كما هي فذاك، وإلا فإن الله لم يخلق السياط عبثًا، وإنما خلقها لتعمل في ظهور الذين يلتوُون على الحكومة بما لها عليهم من دين، والله — عزَّ وجلَّ — لم يخلق السجون عبثًا، وإنما خلقها لتُؤْوِي فيمن تُؤْوِيهم من الناس أولئك الذين يماطلون عجزًا أو مراوغة في أداء ما يجب أداؤه للحكومة من دَين، والله — عز وجل — لم يخلق الشرطة عبثًا، وإنما خلقها لتربط بالحبال وتمرغ في الأوحال أولئك الذين يعجزون أو يتكلفون العجز عن أداء ما يجب للحكومة عندهم من دين.

وما دامت الوزارة في حاجة إلى المال، وما دام الشعب ملزمًا — سواء قدر أم عجز — بأن يؤدي للحكومة حاجتها من المال، فيجب أن تطلب الحكومة ويجب أن يدفع الشعب، ومن اللجاج والإحراج أن تطالب الحكومة بالرفق، والله لم يخلق الحكومات للرفق، ومن اللجاج والإحراج أن تريد الترفيه عن الفلاح وتخفيف الأعباء عنه، والله لم يخلق الفلاح ليرفه عليه ويخفف عنه، وإنما خلقه ليشقى ويشقى دائمًا، وليشكو ويشكو دائمًا، وليتصل أنينه مع الدهر فيكون صورة صادقة لتاريخه المحزن الطويل.

وحاجة الحكومة إلى المال لا تنقضي؛ لأن لها موظفين يجب أن يؤجروا، وأن يؤجروا أضعاف ما يؤجر غيرهم من الموظَّفِين في البلاد الأخرى، وأن تزاد أجورهم بالاستثناء، وإن أقسمت الحكومة جهد أيمانها لتلغيَنَّ الاستثناء، وما دام هناك موظفون، وما دام لهؤلاء الموظفين أجور، وما دامت هذه الأجور قابلة للمد إلى غير حد؛ فللحكومة أن تطلب، وعلى الفلاح أن يدفع؛ لأن الله إنما خلق الناس ليمتصَّ بعضُهم دماء بعض، وليسعد بعضهم بشقاء بعض.

وليست الحكومة محتاجة إلى المال لتأجر الموظفين فحسب، ولكن محتاجة إلى المال أيضًا لتؤدي الدَّين، ولتؤديه ذهبًا إن لم توفق إلى تأديته ورقًا، والحكومة لا تستطيع التلكؤ في أداء الدَّين؛ لأن ذلك يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بنا ورأيهم فينا. وشقاء الفلاح وعناؤه، وجوع الفلاح وظمؤه، وتعرُّض الفلاح للأوبئة المهلكة والأمراض الفاتكة بسبب الجوع والظمأ والحرمان، وكل ذلك أهون وأيسر من غضب الأجنبي، ومن سوء ظن الأجنبي بنا ورأيه فينا.

ولِمَ لا؟! هذا شعورٌ طبيعي يجده كل إنسان. إن من الناس من يحتمل الجوع والحرمان، ويؤثرهما على أن يظهر عليه شيء من اضطراب الزي أو رقة الحال، وإذن فهو يشتري سمعته بعذاب الجوع ولذع الظمأ، وما يجوز على الأفراد يجب أن يجوز على الأمم، وإذن فلنكن فقراء، ولنكن معدَمين، وليعبث بنا الجوع والمرض، ولكن يجب أن يعتقد الأجنبي، وأن يعتقد دائمًا، أننا أغنياء وأننا موسرون، وأننا قادرون على الدفع ذهبًا إذا لم نوفَّق إلى إرضائه بالدفع ورقًا.

يجب أن نشتري سمعتنا بكل شيء حتى بتعريض جماعات الناس للتيفوس وما يُشبِه من الأوبئة والأمراض، وما دام الأجنبي يظنُّ بنا القدرة فله أن يطلب وعلينا أن ندفع، فإن نكلنا أو أظهرنا ميلًا إلى النكول فهي الخيانة وتعريض سمعة البلاد للخطر، وما دامت لنا سمعة يجب أن تُحفَظ، فلتحفظ من جميع وجوهها، ولتُحَطْ بجميع أشكالها ومظاهرها.

وإذن فليسافر رئيس الوزراء مستشفيًا إلى أوروبا، ولتُحِطْ به في سفره واستشفائه كل مظاهر العظمة والجلال التي تَلِيق ببلاد الفراعنة! وإلا ظن الأجنبي بنا الفقر! واتهمنا بسوء الحال! والموت والفناء خير من أن يرانا الأجنبي كما نحن فقراء مأزومين، لا نجد ما ننفق على تغذية أبنائنا وتعليمهم.

هذه أشياء يجب أن تبقى سرًّا مكتومًا بيننا وبين أنفسنا. هذه نار يجب أن نصلاها ونحترق فيها دون أن يُحِسَّ الأجنبي ذلك أو يشعر به! وإلا ضاعت سمعتنا، وتعرضت كرامتنا للخطر!

ومن مظاهر السمعة التي لا بد منها لبلدٍ مستقل كريم: أن تسافر كشافتنا إلى بودابست فتعبر البحر، وتقطع البر، وتنفق الألوف؛ ليقول الناس من الأجانب: ما أعظم حظ مصر من الحضارة والغنى! إن لها كشافة كغيرها من البلاد، وإنها ترسلها إلى أوروبا ليراها الناس، ولا ينبغي أن يعلم الأجنبي أن آباء هؤلاء الغلمان الذين ترسلهم الحكومة إلى بودابست قد يتضوَّرون جوعًا، وقد يعجزون عن أن يغذوا أبناءهم الآخرين.

ومن مظاهر هذه السمعة التي لا بد من أن تظل مرعيَّة محفوظة: أن يكون لنا ملعب يكون فيه الرقص، ويكون فيه الغناء، ويكون فيه التمثيل، وينعم الأجانب بالاختلاف إليه والاستمتاع بما يكون فيه من اللذات، ولا ينبغي أن يعلم الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والممثلون والممثلات، والمختلفون إليهم من الأجانب أن وزارة المعارف تنفق عليهم ما تنفق من المال، وتطرد أبناءنا من المدارس؛ لأن آباءهم لا يجدون ما ينفقون!

هذه أسرار يجب أن تظلَّ مكتومة بيننا وبين أنفسنا، نألم لها، ونشكو منها، ونَئِنُّ من شدة الألم وحرارة الشكوى، ولكننا فلاحون! وهل خلق الفلاح إلا ليألم ويشكو ويَئِنَّ؟! وما حياة الفلاح إذا لم تكن أنينًا متصلًا مع الدهر يصور تاريخه المحزن الطويل؟!

ما أجدر هؤلاء النواب المستجوبين الذين بلغوا الخمسين أو أكثر من الخمسين، أن يعدلوا عن استجوابهم؛ فهم يحاولون شيئًا لا سبيل إليه ولا أمل فيه!

أين هي الشجاعة التي تمكِّن الوزارة من أن تعرض للضرائب، فتعرض أجور الموظفين للنقص، وتظهر حقيقة أمرنا لهؤلاء الذين ينظرون إلينا كما ينظر الراعي الحريص إلى قطعانه وقد امتلأت ضروعها باللبن الدسم اللذيذ؟!

لا أمل في أن تُمَسَّ الضرائب ولا في أن تُخَفَّضَ، بل لا أمل في أن ينظر الاستجواب، فسيؤخر إلى أجل غير مسمى إن لم يسترده أصحابه، فإن أبى أصحابه التأجيل إلى غير أجل فسيقال لهم اصطنعوا الذوق والظرف، وفكروا في أن رئيس الوزراء مسافر، وفكروا في أنه مريض، وهو على رياسته للوزراء وزير المالية، هو وحده الذي يستطيع أن يقول في هذا الموضوع نعم أو لا، وإذن فشيئًا من الرفق، وشيئًا من المجاملة، وشيئًا من رعاية التقاليد! انتظروا حتى يعود رئيس الوزراء!

وسيسمع المستجوبون هذا الكلام فيأخذهم حب الذوق، ويأخذهم الإشفاق على المسافر المريض، حتى يؤثروا مجاملة رئيس الوزراء على التعجل في إنقاذ الفلاح! لقد صبر الفلاح أعوامًا، فليصبر أشهرًا. وستبقى الضرائب كما هي، وسيشقى بها الفلاح كما يصلى نارها الآن! وسيئِنُّ الفلاح وستعبث به ناران: نار القيظ تحرق جلده، ونار الجوع والحزن تحرق كبده! والفلاح صبور خلق لاحتمال الشدائد والثبات للمكروه!

أما أنا فليس يعنيني أن تُخَفَّضَ الضرائب أو لا تخفض، وإنما الذي يعنيني هو أن يشعر الفلاح بما يُحِيطُ به من شقاء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.