ترد في كل عام رسائل البرق بمظاهرات دولية يقوم بها العمال في سائر أنحاء العالم المتمدين، يطلقون عليها اسم «مظاهرات أول مايو»، وهي لقدم العهد بها، لا يعرف كثيرون من القراء أصلها، ولا تتحرى الصحف حقيقتها، ويظنها البعض مظاهرات ثورية؛ لأن بعض العمال يقابلون تحرش الشرطة بهم، بالدفاع عن أنفسهم، وتكون معهم نسوتهم وأطفالهم فتُزهق الأرواح وتُراق الدماء، وتُشج الرءوس وتُهشم الأعضاء، فيتخيل القارئ الشرقي — لخلو ذهنه من تاريخ تلك المظاهرات — أنها فتنة سنوية يقوم بها جماعة الفوضى أو أنصار المشاغبة. والحقيقة بعيدة عن ذلك؛ لأنها حركة مطالبة بأمر يعتقده العمال حقًّا مقدسًا لهم.

وأصل تلك المظاهرات أن المؤتمر الدولي الذي عُقد في جنيف سنة ١٨٦٦ اتخذ قاعدة «العمل لثماني ساعات في اليوم» أساسًا لمطالب العمال، ومنذ ثلاثة وستين عامًا تعودت مؤتمرات العمال القومية والدولية — الاشتراكية منها وغير الاشتراكية — أن تجعل هذا المطلب في مقدمة مطالبها؛ لأنها تعتبره قائمًا على فكرة عادلة غايتها إنصاف العامل بوصف كونه إنسانًا، لبدنه عليه حقوق مثل التي عليه لصاحب العمل وربِّ المال ومدير المصنع. وحقيقة هذا المطلب أنه ليس اشتراكيًّا في أصله، ولكن الاشتراكيين انتحلوا مبدأ المناداة به لثلاثة أسباب جوهرية:

الأول: أنه يقضي على الفراغ والعطل اللذين يئن منهما العمال في أنحاء العالم، ويحل مسألة البطالة.الثاني: أنه يرفع الأجور ويحسن حالة العامل.الثالث: يمنح العمال نصيبًا من الفراغ يصرفونه في تدبير شئونهم والدفاع عن مصالحهم الخاصة.

ويدَّعي الاشتراكيون أن الثماني ساعات هي أقصى ما يجوز تكليف العامل به، وأنهم يؤمِّلون أن يصل الإصلاح الاجتماعي بالعامل إلى تخفيض ساعات العمل إلى سبع ساعات أو ست أو خمس، ولعل هذا من نوع المغالاة في طلب الكثير حتى ينالوا القليل؛ فإنهم لا شك قانعون بالثماني.

ومن غرائب الاتفاق أن واحدًا من أكبر أرباب رءوس الأموال وأعظم المصانع — وهو فورد الأمريكي الشهير — قد اختصر ساعات العمل إلى أربعين ساعة في الأسبوع وهي متوسط ست ساعات للعمل في اليوم الواحد، وأدخل هذا الإصلاح في مصانعه بمحض إرادته دون إرهاق ولا إرغام، ولكن رغبة منه في تحسين حالة عماله، فضلًا عن إصلاحات أخرى ابتدعها وأسبغ نعمتها على عماله في مساكنهم، وأجورهم، ووسائل معاشهم، وتعليم أولادهم، والسهر على صحتهم، وتوفير النقود لشيخوختهم.

وقد أسس العمال جريدة لتكون لسان حالهم في أول مايو من كل عام أسموها Manifestation de Ire Mai أي «مظاهرة أول مايو» ولم يصدر منها سوى عددين: الأول في سنة ١٨٩٢، والثاني في سنة ١٨٩٤، ولكن الحركة استمرت بدون جريدة. وفي سنة ١٨٩٢ أصدر المجلس الوطني لحزب العمال الفرنسي منشورًا خاصًّا بتحديد ساعات العمل، جاء فيه أن مطلب الساعات الثماني أهم مطلب للعمال، وأنه واجب التحقيق فورًا؛ لأن تلك الساعات كافية للإنتاج إذا استخدم كل شخص قادر على العمل بدلًا من أن يستغل أفراد بقيمة زهيدة ليبقى الكثيرون عاطلين وليفيد أرباب رءوس الأموال الفرق في الجهود والنقود. على أن أرباب الأموال وأصحاب المصانع أنفسهم ينتفعون من تحديد ساعات العمل بتقليل المزاحمة الناشئة من الإكثار من الإنتاج والمضاربة بإنقاص الأثمان، وهي نتيجة محتمة للإفراط في الإنتاج وعرض المصنوعات والبضائع بكثرة مهولة على أسواق بليت بالكساد. ثم إن راحة العامل وتحسن حاله يعودان على العمل نفسه بالفائدة؛ لأن العمل الذي يخرج من يد عامل منهوك القوى لا يعدل العمل الذي ينتجه الصانع المستريح المطمئن على ذاته وعلى بيته، المالك قياد إرادته.

وقد ألف الإنجليزي الفاضل جون راي كتابًا اسمه «يوم الساعات الثماني»، ونقله إلى اللغة الفرنسية جيوشتارك وجعله مبحثًا للمقارنة بين النتائج التي أسفر عنها تطبيق تلك القاعدة في الجمهوريات والممالك المختلفة. وثمرة مباحثه الدولية المؤيدة بالإحصاء في جميع جهات العالم تؤيد فوائد تحديد ساعات العمل، وفي الطبعة الأخيرة من هذا الكتاب (باريس جياروبريين سنة ١٩٠٠) فصل ختامي عن التقدم الذي أحرزته تلك الحركة في إنجلترا، وهي وطن المؤلف وأعظم مركز للعمل والعمال في العالم بالنسبة لمساحتها وعدد سكانها، ويعد هذا الكتاب أساسًا علميًّا للمطالبة بتحديد الساعات.

وقد ذكرتا جريدة مظاهرة أول مايو الفرنسية التي ظهر منها عددان في ١٨٩٢ و١٨٩٤، ولا يفوتنا أن نذكر جريدتين أخريين أُنشِئتا للدفاع عن هذا المطلب سبقتا تلك الصحيفة بسنين: الأولى أمريكية تُحرَّر باللغة الإنجليزية وتُنشر في مدينة بوسطون منذ سنة ١٨٦٩، أي بعد مؤتمر جنيف الدولي الذي قرر المناداة بهذا المبدأ بثلاث سنين، واسمها Eight Hours League، والثانية تُنشر بالفرنسية أسبوعيًّا منذ ٧ ديسمبر سنة ١٨٨٩، وتظهر في مدينة زوريخ السويسرية، واسمها يوم الساعات الثماني La journée de Huit heures وينفق عليهما العمال خاصةً.

ومما يُذكر في هذا المقام بمناسبة تشريع العمال أن الحكومات المصرية يجب عليها أن تُعنَى بتحديد ساعات العمل، وأن تنظم عمل النساء والأطفال مراعية في حالتهم ضعف المرأة وحاجاتها للراحة البدنية في أوقات معينة، كذلك يجب عليها حماية الطفولة من مطامع أرباب الأموال؛ لئلا تعجز أجسام الصغار عن النمو فلا يعودوا صالحين للحياة في المستقبل، وطفل اليوم والد رجل الغد كما يقول الإنجليز في أمثالهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.