إن بعض الفلاسفة ينكرون وجود الزمن، ويزعمون أنه وهم من أوهام العقل الإنساني لا وجود له في الواقع، ولكن الإنسان يشعر به لأنه يشعر بالحوادث تتوالى، فيسمي هذا التوالي زمنًا أو وقتًا، أو ما شاء من هذه الأسماء.

على كل حال هذه مسألة خلاف، لكن المسألة التي لا خلاف عليها أنه لا يُنْظَر بالعين ولا يُعْرَف له لون كان له وجود.

ولا ألوان إذن للأيام.

نعم؛ لا ألوان للأيام، وهذا معقول وصحيح. ولكنني مع هذا أقول إنني لم أذكر يومًا من الأيام المعدودة إلا رأيت له لونًا وميَّزْتُه بصبغة يخالف بها سائر الأيام.

وهكذا أنت أيها القارئ، وهكذا كل إنسان؛ لأننا مطبوعون جميعًا على تصوير المعاني الذهنية بصورة حسية تتفاوت في الوضوح على حسب التفاوت في انطباعها على صفحات الوجدان والخيال.

وليس الناس على نمط واحد في هذا التصور، فأما النمط الذي أعرفه من طبيعتي فهو تمييز الأيام المفرحة بألوان ربيعية كالتي نشاهدها أيام الربيع على وجه الأرض وتحت قبة السماء، وتمييز الأيام المكروهة بألوان الجو الكالح المشوب بالسحب والدواخين والأتربة، وكلها تبعث في النفس إحساسًا خفيًّا بوجوب إزالتها، ثم تختلف الإزالة المطلوبة: هل هي كنس أو إزاحة أو تنفيض أو تحطيم …؟

لكنها غاشية لا يستريح الناظر إلى بقائها، فلا بد أن تُزال بحال من الأحوال. وتقترن هذه الصورة عادة بصورة المكان الذي حصلت فيه المزعجات أو المحزنات، أو المكان الذي يخطر اسمه على البال كلما ذكرت تلك المزعجات وتلك المحزنات.

مثال ذلك أنني كلما ذكرت كلمة الاحتلال ذكرت معها في وقت واحد دخانًا يحيط بميناء الإسكندرية وصحراء التل الكبير وقلعة صلاح الدين، ووثبت بالذاكرة توًّا إلى حروب صلاح الدين.

وإنني كلما ذكرت وفاة سعد ذكرت غاشية ضبابية كابية تربط بين بيت الأمة وضريحه في الأمام، وتحتها أشباح من الناس كأنها أشباح الظلام.

ومن هذه الأيام يوم «المصادرة» بمجلس الشيوخ، وأُسَمِّيه يوم المصادرة لأنني هكذا أعرفه بين أمثاله من أيام الحياة البرلمانية، وأعني به يوم مصادرة الحرية في التعليق على مراسيم التعيينات عقب الاستجواب المعروف.

كلما ذكرت هذا اليوم ذكرت حجرة المعارضة ملفوفة في غبار يكاد يغشى كراسيها والجالسين عليها، فلا يتبين الناظر وجوههم إلا وعليها قترة ووجوم، ولا يزال يسأل: أين الفراشون؟ أين المراقبون؟ أين الموكلون بالنظام في هذا المكان؟

وأطرف ما في هذه الصورة أنني لا أستعيدها مرة إلا استعدت معها وجه الأستاذ حافظ رمضان وصوت الأستاذ حافظ رمضان.

مع الأستاذ حافظ رمضان

وسبب ذلك أنني كنت فعلًا أحادث الأستاذ حافظ رمضان، وكنا قد وقفنا لحظة عند المنضدة ننظر إلى الكتبة وهم ينسخون عريضة الاحتجاج، ثم اتجهنا معًا بحركة غير مقصودة إلى كنبة كبيرة نجلس عليها، كأننا نستريح من مسيرة ساعات.

وجلس الأستاذ حافظ يتأفف ويتبرم، وكان أول كلامه: إلى أين ينتهي الجنون بهذا الولد الرقيع …؟!

ولم أكن بحاجة إلى السؤال عن الولد المجنون، فكأنما كان الأستاذ حافظ يُسمِّي فاروقًا باسمه فلا يحتاج السامع إلى سؤال.

ومضى الأستاذ حافظ يقول: إنها نوبات وقاحة ورقاعة، ولكنها رقاعة سمجة غاية في فساد الذوق.

قال: تصوَّرْ … تصوَّرْ أن هذا الولد يستدعي في أحد الأندية سيدة متزوجة على مسمع من زوجها ويخلو بها في حجرة مجاورة … ماذا تسمي هذا؟! فجورًا؟! عبثًا؟! هوسًا؟! إنه في الحق نوبة مرض لا تُوصَف بغير الجنون.

وكان الأستاذ حافظ يتكلم فيرتفع صوته شيئًا فشيئًا، كأنه في عزلة عما حوله. واستطرد من قصة ذلك النادي التي سمع بها وأوشك أن يرتاب في صحتها لغرابتها، إلى قصص أخرى عن ولع فاروق بتحقير كل من يصاحبه ويمشي معه، كأنه لا يصدق أنه ملك ولا يشعر بامتيازه عليهم إلا إذا استطاع أن يحقرهم وهم صاغرون!

نموذج حي

ولم أكن في ذلك الوقت قد قرأتُ مسرحية «كاليجولا» للأديب الفرنسي «ألبرت كامي» الذي تحدَّثْنا عنه في الأسبوع الماضي، ولعلها لم تكن تُرْجِمَتْ إلى اللغة الإنجليزية؛ لأنها ظهرت بالفرنسية في سنة ١٩٤٤ وغمرتها ضجة الحرب والصلح في ذلك الحين.

ومن تداعي الخواطر أنني كنت أذكر الأستاذ حافظ رمضان وأتصفح ألبرت كامي في وقت واحد، فتمثل لي حديثه عن فاروق وحديث كامي عن كاليجولا الإمبراطور الروماني المجنون، ووجدتني أسائل نفسي متعجبًا من هذه المشابهة بين فاروق وكاليجولا، وأكاد أتخيل أن فاروقًا كان يقلد زميله القديم أو أن الكاتب الفرنسي كان يتخذ من فاروق نموذجًا حيًّا لبطل روايته، فهما نسخة واحدة مع بعض التشويه هنا وهناك، كما تنطبع النسختان المتشابهتان في الورق النشاف.

كدت أتخيل هذا لولا أنه خيال بعيد، ولكن الحقيقة أن هذه المشابهة الواقعية شهادة حسنة لعبقرية الكاتب صاحب المسرحية؛ فقد كانت الأطوار الغريبة التي تخيلها موافقة لشخصية الإمبراطور القديم كأنها صورة منقولة من الحياة بغير تصرف كبير، وكأنما كان فاروق نموذجه الحي في النحت والتمثيل.

لكن أطوار «كاليجولا» قد امتازت بالصقل الفني الذي ترك فاروقًا إلى جانبه كالنسخة «الغشيمة» بغير تنجير أو تنميق، فكانت رقاعته محرومة من الأناقة، إن صح أنه حرمان …

كان كاليجولا كما صوره «كامي» يداعب أعضاء مجلس الشيوخ الأجلاء، وينادي أحدهم كما ننادي نحن «توتو» وتوحه وميمي من أطفالنا المحبين، وكان يصطنع الاهتمام بشواغل الدولة؛ فيركب المحفة مستغرقًا في الحديث عنها مع الشيوخ الموقرين، ولا يزال يصطنع هذا الاستغراق والمحفة تتحرك والأقطاب الموقرون يهرولون إلى جانب السواس هرولة تخل بهيبة الوقار، وتكون التوصية قد سبقت إلى الخدم بزيادة السرعة إلى الحد الذي لا يطيقه أولئك السادة الأجلاء، ولا يدرون ماذا يصنعون.

وكان يلذ له أن يأمر بقتل الآباء والأبناء والأزواج والأعزاء، ثم يستدعي المفجوعين فيهم من ذوي قرباهم، فيهيج أمامهم ويتوعدهم أن يطيعوه أو يقذف بهم إلى الجلاء الواقف بالمرصاد، ثم يأمرهم بالضحك، ويضحكون! فيأمرهم بالقهقهة، ويقهقهون! … فيستزيدهم ويستعيدهم كأنهم في مباراة …

ثم يقهقه هو — حقًّا لا تمثيلًا — حين يراهم قد بلغوا من الحماسة في القهقهة المغتصبة غاية المستطاع.

ويُكَرِّم النبلاء بدعوتهم مع زوجاتهم إلى مائدته وإلى حفلات رقصه وغنائه، ثم يخاصر إحدى الزوجات إلى مكان قريب!

ويكرم الشعراء أيضًا … ولكن أي إكرام …؟!

يأمرهم بأن ينشدوا قصائدهم، وأن يسكت المنشد حين يسمع الصفير من فم الإمبراطور، ويتبعه الواقف إلى جواره على الأثر، فينشد أبياته وراءه كأنها تتمة القصيدة المبتورة، وبين القصيدتين مفارقات كأبعد ما تكون المفارقة بين الغزل والرثاء وبين الحكمة والهجاء … ثم يأمرهم بحمل ألواحهم وإخراج ألسنتهم ولحس القصائد من تلك الألواح، حتى لا أثر فيها ولا بقية من مداد … وذلك فيما يرى خير تقدير من ألسنتهم لتلك البلاغة المشتهاة! …

مسكين فاروق … إنه «كاليجولا» بغير فن وبغير معنى، ولا يكلف الله نفسًا إلى وسعها؛ فقد كانت سماحته نثرًا مبعثرًا يحتاج إلى الوزن والقافية، ولم يكن له خيال كاليجولا ولا خيال كاتبه الحديث.

وهذا هو المعنى

ولو كان الكاتب الحديث منطقيًّا مع نفسه لما أخرج «كاليجولا» من المادة «الخامة» التي كان فيها إلى هذه الصنعة المصقولة المتناسقة؛ لأن الدنيا كلها خبط عشواء في رأيه ومذهبه، فليس أصلح لها من مزاج «خبط عشواء» كمزاج ذلك الإمبراطور المختل على الرغم منه وبمحض إرادته، وبحكم الفوضى التي خلقها والتي خُلِقَتْ له قبل ولادته.

ولكن القافية لا تَعْذُر.

ونريد بالقافية هنا سلطان الفن؛ حيث حكم على المؤلف حكمه المطاع، فاضطره اضطرارًا إلى وضع المعنى في المسرحية التي كتبها ليقول إن الدنيا كلها «خبط عشواء» بغير معنى.

نعم يا صاح …

إن الفن أستاذ معلم لمن يحب أن يتعلم، والفن يقول لنا: إن الخلق بغير معنى مستحيل، وإننا ساعة نخلق قطعة من قطع الفن نلمس هذه الحقيقة لمسًا قويًّا في كل سطر وكل نغمة وكل ضربة بالريشة أو الفرشاة …

حتى هذه «اللخبطة» التي يسمونها المستقبلية وما فوق الواقعية … إلى آخر ما يهذرون به من ذلك الهراء العقيم.

نعم؛ حتى هذه «اللخبطة» نلمس وراءها الرغبة في اللخبطة واجتناب النظام والغرض المرسوم، فلا يستطيع الرسام أن يُظْهِر للناظر أنه لا يقصد شيئًا إلا حين يقصد هذا ويتعمد أن يبرزه على وجه من الوجوه.

والعالم كله لو كان بغير معنى لما استطعنا أن نفهم ذلك، ولا أن نفهم معنى الفوضى والاختلال، وإلا فمن أين تأتي لنا فكرة النظام وفكرة المناقضة للنظام؟!

ولِمَنْ شاء أن يقول إننا لا ندرك معنى ذلك النظام لأنه أكبر من عقولنا، ولِمَنْ شاء أن يقول إنه نظام لا يَحْسب لنا حسابًا ولا يَجْري على هوانا، ولِمَنْ شاء أن يقول إنه نظام يَغِيبُ فيه الحاضر كما تَغِيب الصورة المنقطعة في شريط الصور المتحركة، فلا نرى من القصة غير لمحة واحدة.

أمَّا أنه بغير معنى، فهذا هو الكلام بغير معنى، ويكفي أن توجد كلمة المعنى في لغة إنسانية واحدة لكي نتردد كثيرًا قبل أن نُنْكِر معنى الوجود ومعنى الحياة.

الأديب لا الإمبراطور

ولقد تعمَّدَ صاحبُنا «كامي» أن يختار «كاليجولا» دون غيره؛ لِيُثْبِت سخافة الدنيا ويضرب فيها خبط عشواء، فماذا ثبت بعد هذا المجهود الفني على يديه؟

ثبت أن الرجل «خبط عشواء» لا ينسجم مع الدنيا ولا ينسجم مع نفسه، وثبت أنه شاذ تتفرج الدنيا على شذوذه عشرين قرنًا وتعجب لوجوده فيها يومًا من الأيام.

فهل من أجل ذلك يُقال إن الدنيا ومَنْ فيها خبط عشواء؟!

وماذا تصنع الدنيا لتقول لنا إنها نظام ونظام ونظام، وإنها لا تطيق «الخبط عشواء» في الحياة ولا بعد الممات؟!

إننا نحسب أن «كاليجولا» شخصية لا رسالة لها في عصر من العصور؛ لأنه شخصية مختلة معتلة، سواء ظهرت في القرن الأول للميلاد أو ظهرت في القرن العشرين، وسواء نبتت في علم الحضارة أم كانت من نبات الهمجية الأولى …

أما الشخصية التي تؤدي رسالتها النفسية الفنية في ذلك القرن — نعني القرن الأول للميلاد — فهي شخصية أديب ذكي ألمعي متزن القوى والملكات، وليست بشخصية الإمبراطور المختل الفكر والشعور.

الشخصية النادرة الغريبة في ذلك العصر هي شخصية «بترونيوس»، الكاتب الشاعر الفيلسوف الذوَّاقة، الذي لقَّبوه في زمانه «بالفيصل» لسلامة اختياره في كل مسألة من مسائل الذوق، والنقد، والأناقة، والتمييز.

هذه الشخصية النادرة رآها الألوف من رواد الصور المتحركة في القاهرة مُمَثَّلة في رواية «كوفاديس» من تأليف الكاتب البولوني التتري هنريك سينكوفيز الذي شُغِل — كما شُغِل كامي — بأعاجيب القرن الأول للميلاد، وتُوفِّي قبل مولده بثلاث سنوات.

ولا نعلم كيف مثَّل المخرجون «بترونيوس» على اللوحة البيضاء، ولكننا نعلم أن الكاتب البولوني قد أحسن تصويره واستمدَّ ملامحه جميعًا من التاريخ المأثور، ولولا التصرف الذي يلجأ إليه القصاصون لكانت صورته في الرواية مضارعة لصورته الصادقة في تاريخ «تاسيتوس» مؤرخ الرومان المشهور … ولكن القصاص البولوني زوَّقه قليلًا بزواق الغراميات والعلاقات الخاصة التي صغَّرته نوعًا من التصغير، ولم تستطع مع ذلك أن تخفي سجاياه التي قد ترفعه من بعض الجوانب إلى مقام فوق مقام سقراط …

بترونيوس هذا قد بلغ بالنفس الإنسانية غاية ما تبلغه من القوة بفضل الإيمان بالجمال والحياة، كُلَّما عزَّتْ عليها قوة الإيمان بالحق وما هو أكبر من الحياة.

نظر حوله فإذا الدنيا تعطيه كل ما يُشْبِع شهواته، ولا تعطيه شيئًا مما يُشْبِع الروح، فعاش فيها كأنه غريب عنها يحتملها احتمالًا ويتسلَّى فيها باللذات عن غائب مفقود، واصطبر ما وَسِعَه أن يصطبر في غير هوان ولا استكانة، فلمَّا أحاط به الهوان ووجب أن يصبر عليه أو يفارق الدنيا، فارقها أعجب فراق وعاه لنا تاريخ بني آدم وحواء.

قال عن تاسيتوس في الكتاب السادس عشر: «إن ذكراه جديرة بالمراجعة في هذا السياق.»

ثم قال: «إنه كان ينام النهار ويسهر الليل في قضاء واجبات الحياة والمتعة بمسراتها. وقد اشتهر غيره بالجهد والمحاولة، ووصل هو إلى الشهرة على مهل وأناة. ولم يكن كغيره من المُتْرَفين على فسادهم وإفراطهم، ولكنه كان على الغاية من سلامة الذوق، فكل ما قاله أو أبداه يأتي هيِّنًا عفوًا بغير كلفة، فيروق من أجل ذلك ويشوق لما فيه من الدقة مع قلة الاكتراث. وعلى أناقته تولى ولاية «بثيينا» وكيلًا، فقنصلًا، فامتاز في سياستها بالهمة والاقتدار.»

ثم أشار تاسيتوس إلى خصومه الذين حسدوه لكفايته، وإعجاب نيرون بلباقته وأستاذيته، فأوغروا عليه ذلك المجنون الآخر من عواهل الرومان، فأنِفَ الرجل أن يتوسل ويتشفع، وآثر الموت على الحياة.

وفي ذلك يقول تاسيتوس: «إنه لم يشأ أن يذبل ويذوى بين الخوف والأمل، ولم يشأ كذلك أن يقضي على حياته بضربة عنيفة قاضية، ولكنه فصد بعض عروقه ثم ربطها برفق كما بدا له، وجلس إلى أصحابه يحدثهم، فلم يلمح عليه أحد منهم أثرًا للهم أو الوجل، ولم يحادثهم ليستمع إلى كلام في خلود النفس أو كلام من عظات الحكماء، بل كان حديثهم كله يدور على الشعر اللطيف والطرائف المستحبة، ونظر في شئون خدمه فكافأ بعضهم وأمر بجلد الآخرين، وذهب لينام ففارق الحياة وهو نائم بغير عناء. ولم يتملق في وصيته نيرون أو تيجلينوس كما فعل غيره في وصاياهم، بل عرض فيها لمساوئ نيرون ودعارته مع البغاة وأرسلها إليه مطبوعة بخاتمه، ثم حطم الخاتم مخافة أن يُسْتَعْمَل بعد موته في إيذاء أحد من الناس.»

أراد المؤرخ الكبير أن يعقد المقارنة في هذا الموقف بين بترونيوس وسقراط الذي تجرع السم ثم جلس ينتظر الموت ويتحدث إلى أصحابه في الخلود وبقاء النفس بعد الموت، فهو قد واجه الموت بقوة مستمدة من الخلود، وتلك قوة لم يُرْزَقها بترونيوس في مثل موقفه، ولكنه وجد في ذهنه الصفاء الذي يُساعده على رواية الشعر الجميل والاستماع إليه، ويتيح له أن يفرغ لشئون الدار والخدم كما كان يفرغ لها سائر أيامه بعيدًا من شبح القبر الذي يترقبه بعد ساعات، ثم يذهب لينام فينام … ولا يقلقه أنها النومة التي لا يفتح بعدها عينيه وليس من ورائها غير الفناء بلا رجاء.

أعظم من سقراط

فهو بحق أعظم في هذا الموقف من سقراط.

وهو بحق صاحب رسالة في القرن الأول للميلاد على مقربة من أكبر معترك بين الوثنية والدين؛ رسالة لا تعدها رسالة في الدلالة على غربة الحياة … إلا أنها غربة من نوع آخر غير تلك الغربة التي يحسها «كامي» ومن نهج معه في طريق؛ إذ هي غربة الذوق السليم يعانيها فيصل الأذواق، ويقول في رسالته التي برهن عليها بحياته وموته إن الإنسان مخلوق ليؤمن بشيء أعظم من الحياة، وإلا فالحياة عنده عبء يحتمله احتمالًا ولا يبالي أن يخرج منه كما يخرج من فرجة ملولة أو من متحف فيه سر مفقود.

رسالة بترونيوس أن افتقاد الإيمان في الدنيا من الكياسة وسلامة الذوق، وليس قصاراه أنه وجهة فكر، أو علالة حسن، أو قبلة ضمير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.