في فصل الخريف الماضي، أصبح رجلٌ يبلغ من العمر ٩٦ عامًا يُدعَى راماجيت راجاف أبًا، وهي تجربة ليس بوسع أي امرأة — سواء أكانت في سن السادسة والتسعين أو حتى السادسة والسبعين عامًا — أن تعيشها. يرجع ذلك إلى أن النساء يفقدن القدرة على الإنجاب في سن الخمسين تقريبًا، لا بسبب الهرم، ولا لأن الحضارة قد أفسدت أجسادهن، بل لأنهن يمررن بمرحلة تحول بيولوجي مميزة تعرف باسم «انقطاع الطمث».

تباحث العلماء طوال سنين حول سبب انقطاع الطمث؛ فقال بعضهم إنه سمة تطورت عبر عملية الانتخاب الطبيعي لدى أسلافنا، إذ أصبح في النهاية لدى النساء اللاتي توقفن عن الإنجاب أحفادٌ أكثر ممن استمررن في الإنجاب، بينما يقترح البعض الآخر أن حال الأمهات الأكبر سنًّا كان أفضل عندما كرَّسنَ كل جهودهن لرعاية الأطفال الذين ولدوا بالفعل بدلًا من إنجاب أطفال جدد. ومع تدهور مخزونهن المحدود من البويضات أصبحت النساء أكثر عرضةً للإجهاض، بل والموت أثناء الوضع. (عند مقارنة عملية التكاثر بين النساء والرجال نجد أن الأمر أسهل لدى الرجال؛ ففي وسعهم إنتاج حيوانات منوية جديدة طوال حياتهم، ولا يعانون من أيٍّ من أخطار الحمل.)

لكن بعض الدراسات تطرح تساؤلات حول هذه الفرضية، إذ قد لا تمثل عملية الولادة في المراحل المتأخرة من أعمار النساء خطورةً بالغةً لدرجة تجعل انقطاع الطمث ظاهرةً مفيدةً من منظور عملية التطور؛ لذا قدَّم بعض العلماء تفسيرًا مختلفًا قائلين إن انقطاع الطمث يتيح للنساء فرصة المساعدة في تربية أحفادهن، كذلك وجد الباحثون الذين درسوا سجلات السكان في فنلندا قبل الثورة الصناعية أن احتمالية بقاء الأطفال على قيد الحياة حتى سن البلوغ زادت في حال كون جدَّاتهم لا يزلن على قيد الحياة. ومن ثم، فقد يمثل انقطاع الطمث استراتيجية تطورية ناجحة؛ لأنه يؤدي إلى تزايد عدد الأحفاد الذين يستمرون في نقل الجينات الوراثية لجداتهم.

لكن هل لا بد من اعتبار انقطاع الطمث نوعًا خاصًّا من التأقلم لدى البشر؟ بعض العلماء لا يرون ذلك؛ إذ يقولون إن ما يحدث للنساء مع تقدمهن في العمر لا يختلف كثيرًا عما يحدث لإناث الأنواع الأخرى. ففي كثير من الأنواع، تُولد الإناث بمخزون من البويضات ينخفض تدريجيًّا طوال حياتهن، وباستطاعتهن تخصيص جزء من طاقتهن لتجديد البويضات، ولكن إذا أفرطن في بذل الطاقة لهذه الغاية تحديدًا، فلن يتبقى لهن سوى القليل من الطاقة لأداء المهام الأخرى. ويؤدي هذا التوازن التطوري في النهاية إلى نفاد البويضات الصالحة للنمو لدى الإناث. أما قدرة الأنثى على البقاء على قيد الحياة بعد تلك المرحلة فترتبط ببساطة بمدى استعداد جسدها لمقاومة الشيخوخة. إذن لا يوجد ما هو استثنائي في حقيقة كون الإناث يستطعن في كثير من الأنواع — من ضمنها الجرذان والفيلة — البقاء على قيد الحياة بعد انقضاء سنوات الإنجاب.

في العدد الأخير من مجلة «إيفلوشنري أنثروبولوجي»، بحث ثلاثة من العلماء عن كثبٍ طبيعةَ ظاهرة انقطاع الطمث البشرية. وبدأ العلماء الثلاثة — وهم دانييل ليفايتس، من جامعة جنوب الدنمارك؛ وأوسكار بيرجر، من معهد ماكس بلانك للأبحاث الديموغرافية؛ ولوري بنجامان لاكي، من النظام الدولي لمعلومات الأنواع — بمقارنة البيولوجيا البشرية بمثيلتها لدى أقربائنا من رتبة الرئيسيات. وبعد استعراض سجلات ٦٦ نوعًا من أنواع الرئيسيات، وجدوا أنه في جميع الحالات تستطيع الإناث العيش في حالة جيدة بعد آخر ولادة لها. وتتراوح مدة حياتهن بعد نهاية مرحلة الإنجاب بين ٢٥٪ و٩٥٪ من سنوات الإنجاب.

قد تشير هذه النتيجة — في حال النظر إليها منفردةً — إلى أن ظاهرة انقطاع الطمث لدى البشر ليست أمرًا مميزًا، لكنَّ ليفايتس وزملاءه ينبِّهون قُرَّاءهم إلى ضرورة النظر لهذه النتيجة بعين الشك؛ فمعظم سجلات العمر والمواليد تصدر من حدائق الحيوان — وهو أمر ليس مفاجئًا — حيث تنعم الرئيسيات بوفرة الغذاء وباهتمام الأطباء البيطريين، ولا تواجه تهديدًا يوميًّا من الحيوانات المتوحشة. وكما هو متوقع، فإن البيانات المتوفرة عن الرئيسيات البرية أقل بكثير، لكنها رغم ذلك تعكس صورة وحشية للغاية؛ إذ إن عددًا قليلًا فحسب من إناث الرئيسيات يبقى على قيد الحياة بعد انتهاء سنوات الإنجاب.

أما الوضع في البشر فمختلف؛ إذ تشكل السيدات في مرحلة انقطاع الطمث جزءًا كبيرًا من أي مجموعة سكانية، ولا يقتصر هذا النمط على المجتمعات المترفة فحسب؛ فعلى سبيل المثال في مجتمع الهادزا — وهي قبيلة تعيش في تنزانيا على جمع الثمار والصيد — تتوقع المرأة أن تقضي تقريبًا نصف حياتها وهي بالغة في المرحلة التي تلي فترة الخصوبة. ومن ناحية أخرى، يواجه العبيد في ترينداد بعضًا من أقسى الأوضاع التي سجلها التاريخ، والتي بلغت وحشيتها في الواقع حدًّا تسبب في تضاؤل أعدادهم باستمرار جرَّاء الوفيات المبكرة، ومع ذلك تقضي النساء في المتوسط ثلث حياتهن البالغة عقب وضع آخر طفل.

إذن، يبدو أن هناك حقًّا ما يميز حياة إناث البشر مقارنة بغيرهن من الرئيسيات، لكن هل انقطاع الطمث هو ما يميزهن، أم هو مجرد عَرَضٍ جانبي لشيء آخر تطور لدى أسلافنا؟ فعلى سبيل المثال، يتميز البشر بكبر حجم المخ، وكلما كَبُر حجم مخ الرئيسيات، زادت أعمارها. وربما ترجع تلك العلاقة إلى حقيقة أن الأطفال ذوي المخ الكبير يتطلبون قدرًا هائلًا من الطاقة والجهد أثناء الحمل وبعد ذلك، وهي متطلبات تفرض إيقاعًا أبطأ للحياة على الرئيسيات ذات المخ كبير الحجم. ومن ثَمَّ، فقد طرح هذا النمط بطبيعة الحال إمكانية أن يكون كبر حجم المخ لدى البشر هو السبب في انقطاع الطمث.

لكنَّ ليفايتس وزملاءه يختلفون مع هذا الرأي؛ إذ حللوا إناث رتبة الرئيسيات، بما فيهن إناث البشر، وقارنوا حجم المخ بالسن التي يتوقفن فيها عن الإنجاب وسنهن عند الوفاة، ووجدوا أنه حتى عند أخذ ضخامة حجم مخ البشر بعين الاعتبار، تظل إناث البشر يمثلن حالة غريبة. فعند مقارنتهن بباقي الرئيسيات، تتوقف النساء عن الإنجاب أسرع من المتوقع، ثم يواصلن حياتهن لفترة أطول من المتوقع.

وهكذا لم يتوصل ليفايتس وزملاؤه في النهاية إلا إلى حقيقة أن نساء البشر في المعتاد يعشن حياة أطول بكثير من حياة إناث الرئيسيات بعد انتهاء فترة الإنجاب، وهو ما لا يمكن تفسيره بعوامل أخرى مثل حجم المخ. ويبدو أنه على مدار تاريخ البشرية، كان ثلث النساء على الأقل في أي مرحلة زمنية ممن تجاوزن مرحلة الخصوبة، وهي نسبة تزيد عشر مرات عن مثيلتها لدى أكثر الرئيسيات دلالًا في حدائق الحيوان. وهكذا يبدو أن هناك شيئًا مميزًا في ظاهرة انقطاع الطمث؛ شيئًا يستحق التفسير.

من أجل تفسير هذا التحول الاستثنائي في مسار التطور، يقدم العلماء فرضية تقول بأنه قبل ستة ملايين عامٍ كان أسلافنا القدماء من إناثِ أشباه البشر لا يختلفن عن غيرهن من إناث الرئيسيات؛ أي كان من الممكن بقاؤهن على قيد الحياة بعد آخر ولادة لهن، لكن ذلك لم يحدث قطُّ تقريبًا؛ لأن معظمهن كن في عداد الموتى في تلك المرحلة.

إلا أن أشباه البشر سلكوا بعد ذلك مسارًا تطوريًّا استثنائيًّا، إذ طوروا مخًّا أكبر حجمًا، واكتسبوا قدرات جديدة مكنتهم — على سبيل المثال — من صناعة المزيد من الأدوات متعددة الاستعمالات ومن التواصل باستخدام اللغة، وهي العوامل التي ربما مكنتهم من العيش لفترة أطول، ونتيجة لذلك عاش المزيد من الإناث لما بعد سنوات الإنجاب.

بالنظر إلى الفرضية السابقة، تظهر فوائد الحياة بعد انقطاع الطمث، إذ إن عملية الانتخاب الطبيعي ستفضل أي جينات تمكن النساء من العيش لفترة أطول؛ لأن النساء الأكبر سنًّا يزدن من احتمالية بقاء أحفادهن على قيد الحياة. وعبر أجيال عديدة، طورت النساء حياة يقضين الجزء الأكبر منها دون إنجاب أطفال.

وفقًا لهذه الفرضية الجديدة، تصبح ظاهرة انقطاع الطمث لدى البشر أمرًا مميزًا لكنه ليس فريدًا من نوعه؛ ففي العديد من الأنواع تستطيع الإناث البقاء على قيد الحياة بعد فترة الإنجاب، لكنهن نادرًا ما يتمكَّنَّ من ذلك؛ مما يحرم مسار التطور من فرصة مد فترة تلك المرحلة من الحياة. لكن إذا توفرت تلك الفرصة لدى الحيوانات الأخرى — لأي سبب كان — فقد تتطور لديها كذلك ظاهرة انقطاع الطمث. بل وحتى الحشرات في وسعها الانتفاع من انقطاع الطمث؛ ففي نوع من الحشرات يُعرَف باسم مَنِّ العفصة الياباني، تتوقف الإناث عن الإنجاب في منتصف حياتها، وبما أن بطونها لم تعد مخصصة لإنماء البيض، فإنها تستغل تلك المساحة لتصنيع مادة كيميائية لزجة تستخدمها عند مهاجمة أحد الحيوانات المفترسة لمستعمرة المَنِّ، إذ تهرع تلك الإناث المتوقفة عن الإنجاب وتلصق جسدها بجسد الحيوان المفترس بحيث تغطيه تمامًا، مضحية بحياتها أثناء هذه العملية البطولية. ربما تختلف القوى التطورية التي تقف وراء انقطاع الطمث بين البشر والمَنِّ، لكن النتيجة تظل واحدة.

Why Menopause? By Carl Zimmer. The Loom. April 18, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.