سأحاول في هذا الفصل أن أقول كلامًا معقولًا، ولكني أخشى أن يغرقني التيار فإن عبابه زخار، وما أعرفني أطلت التفكير في شيء إلا فقدت وثاقة الحال وخسرت اليقين وحُرمت الاستقرار وخرجت بالحيرة المتعبة؛ وقد يكون ذلك لقصور في ذهني وضعف أو اضطراب أو فساد في طريقة التفكير وأسلوب التناول! فإني أرى غيري يفكر ويهتدي، ولا أراني أجني من التفكير إلا الضلال والشطط والحسرة، ويا ربما ذهبتُ أُعزي نفسي وأقول إن من السهل أن يضل الإنسان؛ فقد يعرض له طريقان يبدآن من نقطة واحدة ثم يذهب كلٌّ منهما في اتجاه، هذا شرقًا وهذا غربًا أو شمالًا أو جنوبًا، وعلى قدر إيغاله في أحدهما يكون بعده عن الآخر، فإذا كان الطريق الذي أخذ هو السواء فقد اهتدى، وإذا أخطأ وسار على الثاني فإن كل دَبة رِجل تقصيه عن غايته بمقدار ما بين الطريقين من البعد المتزايد لا بمقدار الخطوة، هذا وما كان الفرق عند الابتداء إلا مسافة قدم، بل لفتة رأس لا أكثر، ولكنها لفتة تتقاذف بعدها الأبعاد وتترامى المسافات ويبلغ الضلال غايته، وكذلك في التفكير؛ إذا كُتب للإنسان التوفيق انثنى خاطره إلى ناحية السداد، وإلا مال به سوء الحظ على حيث ينأى عن الصواب ويتيه ويشط، وشعوري بهذا الضعف قديم، وما أكثر ما حاولت أن أحتج له وأعتذر منه بالإحالة على مثل هذا الضرب من التصوير! فمن ذلك قول النفس تخاطبني في قصيدة «العراك» — وهي لم تُنشر — وقد شبهت الحياة ﺑ «صحراء سوء»:

والشاهد البيت الأخير، وقد سقت الأبيات ليرى القارئ أن حيرتي قديمة العهد.

والذي أريد أن أقوله هنا هو أن الأصل أن الكلام جهل وأن الثرثرة فراغ، والجهل أو الفراغ بعضه يكون من القائل، وبعضه يكون من السامع، على نسب تتفاوت، وحظوظ تختلف، وتتقارب أو تتباعد، ولست أعني بالجهل شيئًا يورِث المذمة أو يوجِب العيب، وإنما أعني أنَّا خُلقنا جهلاء فارغين، وأن الكلام آية ذلك — أو من آياته فينا — على قدر كثرة الكلام تكون قلة المعرفة وشدة الجهل، والطفل لا تنقطع ثرثرته وهذره، ولا يجف نبعهما عنده، والمرأة تليه في ذلك لأنها أضعف من الرجل رغبة في المعرفة، ولا يحفزها ما يحفزه إلى العلم والاستكناه والفهم، والسبب في ذلك راجع إلى وظيفة كلٍّ منهما في الحياة، ولما كانت وظيفة المرأة أن تحفظ النوع فإن حاجتها إلى الرجل لا إلى المعرفة، وحسبها من العلم ما يجعلها أقدر على خدمة النوع، أما الرجل فإنه الساعي والمجاهد والمتعرض والمستهدف، فالعلم مطلبه لأن العلم قوة، ولا خلاف في أن المرأة أكثر من الرجل كلامًا لأن وقتها أفرغ، وعقلها كذلك ونفسها أيضًا، ومع ذلك لم تخلف من الآثار الكلامية شيئًا كالذي خلفه الرجل في مقداره أو في قيمته.

والإنسان يتكلم ليخبر أو يستخبر أو يختبر، وهو حين يخبر بشيء يظن بالسامع الجهل به أو يفرض ذلك ويزعمه، وحين يستخبر يطلب المعرفة ويَنشُد العلم ويُقر بالجهل، فإذا كان يقصد إلى الاختبار فهو شاكٌّ، ولا علم لي بالناس غيري، ولكني أعلم من نفسي أني أحيانًا يخالجني الريب في أن في رأسي أو في نفسي شيئًا؛ فأنطلق أتكلم — أو أكتب — لأعرف ماذا عندي، وشبيهٌ بهذا أن يتناول المرء قُلة فيهزها أو يقلبها على فمها ليرى هل فيها ماء؟ وكما أن الباعث على تحريك القُلة أو قلبها هو التبيُّن، كذلك أنا أكثر ما أتكلم أو أكتب — والكتابة ضرب من الكلام — لأني أريد أن أطَّلع على ما في نفسي، وما أظن بغيري إلا أنه يفعل ذلك أيضًا وهو لا يدري، وما عرَفت هذا من نفسي إلا لأني مغرًى بفحصها ومساءلتها ومحاسبتها، وعيني لا تفتأ تنثني إليها وتدور بلحظها في زواياها باحثة مستطلعة، وقلما أهتدي إلى سرٍّ أو أقع على نفيس، ولكن الذي أفوز به — بالغًا ما بلغ من الضآلة والهوان — يعدل عندي الدنيا وما فيها بل يرجح بها.

ولن ترى كلامًا إلا حيث يكون جهل، وما حاجة العارف الواثق أن يقول أو يسمع؟ ولو كان القاضي الذي يجلس مجلس الحكم يعرف الحقيقة المتنازعة التي لا يزيدها كلام الخصوم إلا خفاءً واسترارًا، لما افتقر إلى السؤال والاستماع إلى الشهود والإنصات إلى الحجج والبينات التي يُدلي بها من يرفعون إليه الأمر، ولكنه يُصغي حينًا وينطق حينًا آخر ليهتدي أو يتثبت، والطبيب يستفسر من المريض عما ينتابه من أعراض العلة لحيرته في الاهتداء إليها أو شكِّه في موضعها، والشاعر ينظم القصائد ليشرح نفسه لنفسه، وليفسر لها وقع الحياة وحقائقها، ولو أنه أحاط بما يضطرب به فؤاده، ويجيش به صدره، ويطوف برأسه، إحاطة وافية دقيقة لاستراح ولما أحس بأي دافع إلى النظم، فإذا سمعت من يقول لك: إني أكتب أو أقرض الشعر لأُرفِّه عن نفسي ولأخفف عنها وطأة الشعور، فاعلم أن معنى ذلك أنه يريد أن يفهم هذا الشعور وأن يدرك ما يدور في نفسه، والتنفيس هو الفهم، ولا ترفيه إلا بالعلم، وليس أثقل من الحيرة ولا أشد على المرء من الاستبهام والخفاء، وإذا رأيت شاعرًا يُحدِّثك عن حبه ويصف لك وقْعه عنده وما يحرك نفسه له ويصور ضعفه أو قوته حياله، فاعلم أنه لا يفعل ذلك من أجلك، بل ليضع المسبار ويقيس الغور ويجس الجرح ويعرف عمقه ويمتحن مبلغ قدرته على المقاومة واستعداده للبرء السريع، ومن أجل ذلك كان الشعر من أصدق المرايا وأكشفها عن النفوس؛ ولما كانت النفوس متشابهة فإن شعر الشاعر يعد بحق مرآة للإنسانية قاطبة، وما ظنك بالرجل الذي يقول:

أكان يسوق حكمة أم كان يصف نفسه ويخبر بحاله ويصور لك ما وجده؟

وذاك الذي يقول:

ألست تراه قد غاص في نفسه فأبرز منها علة الحسرة عنده على الشباب الذي لا يعود، على حين يرى الشجر — وهو كائن حي مثله — يكتسي بعد العري، ويخضرُّ بعد إذ كان أصفر، ويورق ويرف بعد الذوي والجفاف، والقمر لا يزال نقصانه يعقبه الزيادة، ولا يغيب منه عن العين شيء إلا عاد فارتد إليه؟ ومن البيتين يُحس المرء عتبًا على الدنيا وصروف الأيام، وألمًا لتفرد الإنسان — فيما يرى الشاعر — بهذا المصير الذي لا رجعة فيه ولا لطف، ولا انحراف عنه ولا تبديل له دون بعض الكائنات في هذا الوجود العجيب، ولا شك أن في النظرة قصورًا وفي العتب سوء توجيه مردُّه إلى الخطأ في القياس أو قلة العلم، على أن هذا لا قيمة له، وإنما الذي له قيمة أن الشاعر هنا ينظر في أعطاف نفسه ويتأمل إحساسه وخوالجه ويقيسها ويجسها ليعرفها ويحددها، ويستعين على ذلك بمقابلة حاله بحال الشجر وحال القمر.

ومن هذا الباب قول يحيى بن زياد:

وما يفعل الشيب هذا في كل حال، ولكن هذا ما وجد الشاعر من فعله له، وما عرفه من نفسه، وخير الشعر ما كان اهتداءً إلى حقيقة تشمل الناس جميعًا، ويدخل في خصوصها عمومهم، وإلا كان كلامًا شخصيًّا بحتًا لا يعني أحدًا.

فلا يصدق القارئ ما يقوله الشعراء والأدباء والمتحذلقون، فما تبقى بالشاعر أو بالقارئ حاجة إلى الشعر أو الأدب أو النقد أو غير ذلك من فنون الكلام لو أن الناس عرفوا الحياة والنفس معرفتهما، وصاروا لا يخفى عليهم من أمرهما شيء، وما حاجة من يعلم إلى كلام يوصَف به المعلوم أو يُصوَّر أو يُشرَح أو يُفسَّر؟

وكثيرًا ما يتفق المرء أن يقص حكاية أو خبرًا على صاحب يكون عنده خبر ذلك، فيقل صبره على الحكاية ويبدو منه الملال، وقلَّ أن يُخفي ضجره إذا لم يكن ممن يسعهم ضبط أنفسهم أو ممن يُؤْثرون المجاملة أو يميلون إلى النفاق، وقد يروح يقاطع، أو يهز رأسه ويبتسم ابتسامة من يريد أن يقول: وهل تحسبني أجهل هذا حتى تجشم نفسك عناء التحديث؟ ذلك لأنه يعلم ما تُفضي به إليه ولا يجهله، ولو جهله لكان حاله معك على خلاف ذلك، ولَمال إليك بسمعه وأولاك الْتِفَاته ولَكره أن يقاطعك أحد أو يصرفك عن الكلام.

فكل كلام مظهر لجهل الإنسان، والناس يقرءون الشعر وغيره مما هو جهل، ليفهموا ما خفي عليهم وليعلموا ما يجهلون، وليسدوا النقص في حياتهم ويرحبوا نطاقها ويوسعوا آفاقها، وليُدخلوا في متناول حسهم ما لعله يفوتهم من العواطف والمدركات وكل ما له وجود في العقل والنفس، وليوقظوا الخامد من حواسهم والراكد من مشاعرهم، وليملَئُوا قلوبهم ويعمروا صدورهم بكل ما يسع الطبيعة البشرية احتماله، وكل ما له قدرة على تحريكها وابتعاثها، وقراءة الشعر — كنظمه — تدريب على الاستمتاع بتدبر الحياة ودرس النفس، والشعر على الخصوص والأدب على العموم يعينان على تمثيل معاني الجلال والأدب والحق والجمال وما إلى ذلك، وإحضارها للذهن بما يكشفان عنه من وجوه هذه المعاني وصلاتها ومظاهرها، وهما يسدان النقص في علم الإنسان وتجاربه، ويثيران فيه تلك العواطف التي تجعل حوادث الحياة أشد تحريكًا له، وتجعله هو أشد استعدادًا لتلقي المؤثرات على اختلافها وأحسن فهمًا لها، وقراء الشعر لا يعرفون بأنهم يبغون هذا أو يفيدونه منه، ولكن هذا ما يحدث عرَفوا أم لم يعرفوا.

والإنسان يكون إما جاهلًا أو شاكًّا أو عارفًا، أو إذا شئت فقل: إنه إما أن يكون غمرًا أو حائرًا مضطربًا، أو مجربًا، والشعر يخدع الجاهل والحدث الغمر؛ لأنه لجهله أو قلة معاناته للحياة يتلقى ما يقوله الشاعر بالثقة والتصديق، أما المجرب العارف فعنده الميزان ينصبه لكل ما يقع له، وعلى قدر علمه وفطنته ووفاء تجربته تكون دقة ميزانه وأحكامه؛ ومن هنا كان الشعر أوقع في نفوس الجهلة والنساء والشبان والأغمار، وكلما علت بالإنسان السن وزاد حظه من المعرفة ونصيبه من التجريب وعظم فهمه للحياة وإدراكه لحقائق الوجود، كان صبره على الأدب أقل لأنه جهل أو من الجهل، وما أشبه الأديب بالذي يتحسس طريقه في الظلام ويمد ذراعه لعل يده تلمس شيئًا يهتدي به.

وحقائق الحياة يكشف بعضها عن بعض، ويقود معروفها إلى مجهولها، وكلما اتسع علم الإنسان وضاقت دائرة جهله، نزع إلى الصمت وإلى الكف من غرب اللسان، حتى يجيء وقت يتم فيه العلم أو يقرب من التمام، ويُمحى الجهل أو يكاد، فيستغني الإنسان عن الكلام ولا يبقى للأدب محل.

وعزاء من لا يرضيهم هذا القول أن هذا اليوم بعيد، بل لعله أبعد مما يسهل على العقل أن يتصور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.