… كتبتم عن رأس السيد جمال الدين الأفغاني فيما يختص بنظرية النشوء والارتقاء، ثم عقبتم بقولكم: وهكذا ظن السيد جمال الدين أن مذهبًا كمذهب النشوء والارتقاء يُناقَش ويُفنَّد بهذه السهولة فيعيي صاحبه عن الجواب … ولكن العذر واضح للسيد في عزوب التفصيلات عنه؛ لأنها كانت يومئذ تعزب عن الغربيين …

وكان واضحًا أنكم قد عرضتم ما قد يوحي إلينا برأيكم … فلا يسعني في هذا المقام إلا أن أطمع في معرفة رأيكم في هذه النظرية … إلخ.

محمد مسعود محمد، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية

يظهر — كما لاحظت في بعض اليوميات السابقة — أن الاهتمام بمذهب النشوء قد تجدَّد عندنا كما تجدَّد في الغرب بعد الاحتفال بانقضاء مائة سنة على صدور كتاب «أصل الأنواع». فإن الأسئلة عنه خلال الأسابيع الأخيرة تتوالى من جهات كثيرة بين المشتغلين بمثل هذا المذهب من المثقفين، وأكثرها يسألني عن رأيي فيه ورأيي في أقوال المعترضين عليه.

أما رأيي في «مذهب النشوء» فخلاصته أنه «نظرية» لم تبلغ بَعْدُ مبلغ الحقائق العلمية، ولكن الذين يبطلونها باسم الدين يتعجلون ويكررون الخطأ الذي وقع فيه المتعجلون يوم ادعوا على الدين أنه يُحرِّم القول بأن الأرض «كرة» وأنها تدور حول الشمس، والدين براء مما ادعوه عليه.

إن العلم لم يُثْبِتْ نظرية النشوء في أصل الأنواع؛ لأن القائلين به لم يَدُلُّونا على حيوان واحد قد تحوَّل من نوع إلى نوع بفعل الانتخاب الطبيعي، ولكن هذا التحوُّل قد يثبت غدًا بتجربة من تجارب علم الجينات أو الناسلات Genetics فلا يصح أن نُقْحِم الدِّين في الجَزْم بشيء لا يزال بين الثبوت والبطلان.

والقرآن الكريم يُوجِب علينا أن نؤمن بأن الإنسان مخلوق من طين، وهكذا يجب أن نعتقد بلا خلاف، ولكن القرآن يُعلِّمنا أنه خُلِقَ «من سلالة من طين» ولا يغلق الباب على البحث الذي يفسر هذه السلالة بما يُوافِق الدِّين والعلم على السواء.

ولا نَنْسَ أن النشوء في اعتقاد أكبر علمائه يُعزِّز حكمة الخالق كما قال العلامة «ألفريد والاس» شريك داروين في نظرياته عن الأنواع وعن الانتخاب الطبيعي وغيره من أركان هذا المذاهب الواسع … ولا نَنْسَ أن داروين نفسه لا يقول بتسلسل الإنسان من القرد كما شاع على الأفواه، وكل ما قاله إن الإنسان والأحياء العليا متسلسلون من أرومة واحدة بعد التطور والارتقاء، وقد خالفه شريكه «والاس» مع هذا، فقال بأن الانتخاب الطبيعي لا يصدق على الإنسان وإن نظام الكون لا ينفي المعجزات وخوارق العادات؛ لأن الخليقة كلها إعجاز وتدبير يخفى على العقول.

***

ولمن شاء أن يرفض مذهب النشوء؛ لأنه لم يتقرر بالمشاهدة ولا بالتجربة العلمية، ولكن فقدان الدليل شيء والقول بأن الدليل قائم على إنكاره شيء آخر بعيد كل البعد عن مجرد الإحجام والتردد. وليس من الرعاية للدِّين أن نُعرِّضه للنفي والإثبات في أمور نُصِيب فيها أو نُخطئ ونعلم فيها أو نجهل، ولا تزال خفاياها في غيب الله … فقد كفى ما جناه المتعجلون باسم الدين حين زلزلوا عقائد الناس بإنكار المحسوسات وتكذيب دوران الأرض أو تكذيب نسبة الطاعون إلى الجراثيم أو تكذيب حساب الأفلاك بالأيام والساعات، فإن هؤلاء «الأصدقاء الجهلاء» أضر على الدين من أعدائه الألداء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Ahmed Yassin ·٢٤ يونيو ٢٠١٥، ٩:٣٠ ص

    لو نظرنا اليها من منظور كتاب الله سنجد انها مجرد قانون الله في محلوقاته وكونه ...فأغلب الايات تدل علي التأمل في الخلق ...."ماخلقت هذا باطلاً سبحانك :) ! "