لم يرفعها رئيس الوزراء بعدُ إلى جلالة الملك، ولعله لم يفكِّر في رفعها، ولكن الواجب الوطني أصبح يفرضها عليه فرضًا، ويجعل التلكؤ فيها أو الرغبة عنها تقصيرًا في ذات الوطن، لا ينبغي أن يصدر عن رجل يُؤْثِرُ أمته بالخير، ويحب لوطنه العافية، وينظر إلى الحكم على أنه وسيلة لا غاية، وواجب لا حقٌّ، وتكليف لا تشريف؛ ذلك أن كل شيء حول رئيس الوزراء يعلن إليه وإلى الناس صارخًا أن الوزارة عاجزة عجزًا مطلقًا عن النهوض بحق الوطن على الوزارات. وإذا قامت الأدلة الساطعة القاطعة للناس ولرئيس الوزراء على أن الوزارة قد أصابها العجز والقصور؛ فالواجب الوطني الذي لا يحتمل تهاونًا ولا شكًّا، ولا يقبل ترددًا ولا اضطرابًا، يقضي عليه بأن يستقيل؛ فالشعوب لا تُخْدَمُ بالعجز، ومنافع الأمم لا تتحقَّق بالقصور، والضمائر الحية لا تُتِيح لأصحابها أن يُسْرِفوا في محاولة النهوض بما لا يستطيعون النهوض به، وأن يكابروا الحوادث والخطوب؛ فيزعموا أنهم قادرون على أن يثبتوا لها، وينفذوا منها، مع أنها تأخذهم إلى أذقانهم، ثم إلى آذانهم، ثم تكاد تبتلعهم ابتلاعًا، وتكاد تبتلع معهم قومًا أبرياء، لا ينبغي لهم أن يغرقوا؛ لأنهم لم يخطئوا ولم يقصروا، ولم يقترفوا ذنبًا ولا إثمًا.

ورئيس الوزراء يعلم حقَّ العلم إذا تحدث إلى نفسه وضميره، وهو يعلم حق العلم إذا تحدث إلى الناس؛ أنه لم يكد ينهض بأعباء الحكم حتى أعلن غير مرة أنه سيُعْنَى بأمر الاقتصاد أكثر مما يعنى بأمر السياسة، وهو يعلم كذلك حق العلم أن معاونه وزير المالية لم يكد ينهض بمعاونته حتى أعلن أن له خططًا حازمة حاسمة في أمور المال والاقتصاد، سينفذها في حزم وعزم، وسينتهي بإنفاذها إلى إنقاذ مصر مما يحيط بها من الأزمات.

كلا الرجلين إذن قد جعل الإنقاذ المالي مهمة الوزارة الأولى، وكلاهما قد أعلن ذلك وأسرف في إعلانه، وكلاهما قد أعطى بذلك العهود والمواثيق أمام الناس وأمام البرلمان، ثم كلاهما قد أخفق في ذلك إخفاقًا فاحشًا، وعجز عن ذلك عجزًا مخيفًا. كلاهما قد أقسم جهد أيمانه ليجدنَّ لأزمة الديون العقارية حلولًا حاسمة، تستنقذ الملاك من المصارف وتحكمها، وتعفي على تلك الحلول النصفية التي كان يلجأ إليها صدقي باشا تعفية. وكلاهما قد عجز عن هذه الحلول، أو عما يشبهها، أو عما يقاربها، أو عما يشبه الحلول النصفية، التي كان يتكلَّفها صدقي باشا، عجزًا تامًّا.

وقد انقضى العام السياسي، ولم يُوَفَّق الرجل الطيب، ولم يوفق الرجل النابغة من ذلك إلى شيء. وكلا الرجلين قد تشدَّد في مسألة الدَّيْنِ العام تشددًا وضعفًا في وقت واحد؛ كلاهما أعلن أن مصر لن تدفع إلا ورقًا، ولن تنزل عن شيء من حقها، وزاد وزير المالية فأعلن أنه لن يفاوض، ولن يقبل مساومة، ولا أخذًا ولا ردًّا؛ وكلاهما مع ذلك كله، وبرغم ذلك كله، أمضى قضية الدين في طريقها القضائية وفي طريقها السياسية، فجعل يقاضي من ناحية، ويفاوض من ناحية أخرى، ولا يبلغ من المفاوضة والمقاضاة شيئًا.

إخفاق مطلق في أمر الدين العقاري، وإخفاق مطلق في أمر الدين العام، وعجز كامل شامل في كل ما طرأ من المشكلات السياسية، وعجز كامل شامل أيضًا في كل ما طرأ من المشكلات الإدارية الداخلية، واضطراب مع ذلك عظيم في فهم الواجب الوزاري وتدبير المنافع.

حياة كلها خلط: فيها الإقدام والإحجام، وفيها الإقبال والإدبار، وفيها العزم الظاهر والانهزام الذي لا شك فيه، وهذه الحياة الفاسدة المضطربة المختلطة تستمر عامًا سياسيًّا أو ما يقرب من العام؛ فلا تزيد حياة الشعب إلا اضطرابًا فاسدًا، ولا تزيد أمور الشعب إلا اختلاطًا وتعقيدًا حتى لم يبقَ بين المصريين من يستطيع أن يثق بشيء أو يطمئن إلى شيء، أو يفكر في يومه دون قلق، أو يأمل في غده دون حذر وإشفاق.

أمة كانت هادئة النفس، ومن حقها أن تهدأ، فأصبحت بفضل هاتين الوزارتين قلقة لا تستقر، حائرة لا تدري ماذا يراد بها، وإن كانت تعلم ما تريد. ما لهذا تُقَامُ الوزارات في الحكم، وما لهذا ينهض رؤساء الوزارات بأعباء الحكم. ليصدقنا الرجل الطيب، فكل شيء من حوله في حياة الناس العامة والخاصة يعلن إليه أن بقاءه في الحكم شيء غير مرغوب فيه، وأن واجبه لنفسه يقضي عليه بالاستقالة ليريح ضميره؛ فما نظن أن ضميره يستريح حين يضطرب بين داره ومكتبه في غير نفع ولا فائدة، بل في كثير من الضرر وإفساد الأمور. والواجب الوطني إنما يقضي عليه أن يستقيل ليريح أمته من هذا الفساد المتصل، وليتيح لأمته أن تنظر لعلها تجد مخرجًا من هذه المآزق التي دفعت إليها، ومخلصًا من هذا الشر الذي وُرِّطَتْ فيه.

كل شيء يطالب رئيس الوزارة بالاستقالة إلا هؤلاء النفر الذين يدورون حوله وحول زملائه، يلتمسون المنافع التي تلتمس حول أصحاب الجاه والسلطان؛ فلينظر رئيس الوزراء لمن يسمع؟ أيسمع للضمير ولصوت الوطن، وهما يُلِحَّانِ عليه في أن يستقيل؟ أم يسمع لأصحاب المنافع والمآرب، وهم يلحون عليه في البقاء، لا لمنفعته، ولا لمنفعة مصر، بل لمنافعهم هم؟

ولا يخدعْ رئيس الوزراء نفسه، ولا يأمل رئيس الوزراء في غد؛ فإن وزارته ميئوس منها؛ قد عجزت إلى اليوم عن أن تحقق أي منفعة لمصر، وستكون غدًا وبعد غد أشدَّ عجزًا، وأعظم إخفاقًا؛ ذلك أن الأمم لا تُحْكَمُ رغم أنفها، ولا تُخْدَمُ على غير ما تريد في هذه الأيام، ورئيس الوزراء يعلم أن الأمة لا تحب وزارته، ولن تحبها، ولا تؤيِّد وزارته ولن تؤيدها؛ فهو من هذه الناحية مستيئس، لا أمل له ولا رجاء، وليس الأجانب من الغفلة والبله بحيث يمضون في منح التأييد إلى غير حد، لوزارة لا ترضى عنها الأمة، ولا يؤيدها الشعب، ولا تطمئنُّ إليها البلاد. إنما يمنح الأجانب تأييدهم لمثل هذه الوزارات أوقاتًا قصارًا ليحققوا بعض منافعهم العاجلة، فأما إذا جدَّ الجد، واتصل الأمر بالمنافع الباقية؛ فالأجانب يعلمون حق العلم أن الاعتماد في هذه المنافع يجب أن يكون على الشعوب وعلى الحكومات التي تمثل الشعوب تمثيلًا صحيحًا.

ولو وثق الأجانب بحكومة ينفر منها الشعب لفاوض الإنجليز صدقي باشا ولأمضوا المعاهدة، ولفاوض الإنجليز يحيى باشا ولأمضوا معه المعاهدة، بل لو اطمأنَّ الأجانب إلى حكومة لا تمثل الشعب لما فشل مؤتمر الدين.

فنحن واثقون كلَّ الثقة بأن المصدر الصحيح لفشل هذا المؤتمر إنما هو شك الدول في قيمة الوزارة القائمة، وضعف ثقتها فيما تملك من قوة وسلطان يمكنانها من أن تنطق باسم مصر، أو تعاهد عن مصر. فإذا كان رئيس الوزراء يحب وطنه حقًّا، وما نشك في ذلك، أو إذا كان رئيس الوزراء يريد لوطنه أن يحلَّ مشكلاته السياسية، والاقتصادية، ويستأنف السير في طريقه إلى الأمن والرقي والاستقلال؛ فليرفع استقالة وزارته؛ فإن وزارته هي التي تَحُول بين مصر وبين هذا كله، وإلا فليقم رئيس الوزراء دليلًا جديدًا على أنه يستطيع حقًّا أن ينهض بأعباء الحكم لمصلحة المصريين، وهذا الدليل لا يكلفه إلا إصدار التشريع الذي ينزع مسألة الدين نزعًا من المفاوضات، ومن اختصاص القضاء المختلط.

أما نحن فنؤكد لرئيس الوزراء أن وزارته لن تستطيع أن تحاول من ذلك شيئًا، وأن وزارة أخرى يحبها الشعب ويؤيدها هي وحدها التي تستطيع إن قامت أن تحمل الدول على قبول ما تريد مصر، فإن لم تستطع، فهي وحدها القادرة على أن تصدر هذا التشريع الذي يضطر الدول اضطرارًا إلى أن تنزل عند ما تريد مصر؛ لأن مصر لا تريد إلا حقًّا وعدلًا.

فليفكر رئيس الوزراء في هذا كله؛ فلا نزال نعتقد أن منفعة مصر آثر عنده من منفعة الأشخاص مهما يكونوا …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.