رئيس الوزراء مغضبٌ، مغضبٌ جدًّا، مغضب إلى حد يوشك أن يبلغ الثورة، ولكنَّا والحمد لله لسنا موضوع هذا الغضب إلى الآن.

أولم يظهر أننا موضوع هذا الغضب إلى الآن؟! ومن لنا بالصبر والاحتمال إن غضب علينا رئيس الوزراء، أو تنكر لنا رئيس الوزراء؟! فرئيس الوزراء رجل حليم، وغضب الحليم شيء يُخاف.

ومع ذلك فهو مغضب على صديقه وخصمه، على رئيسه وزميله، مغضب على صدقي باشا.

والناس يعلمون أن غضب رئيس الوزراء اللاحق على رئيس الوزراء السابق قديم يرجع إلى أول هذا العام، حين بطش صدقي باشا بزميليه في الوزارة، فأخرجهما من الحكم إخراجًا. ولكن ذلك الغضب القديم كان غضبًا هادئًا لا يزعج، وأفلاطونيًّا لا يخيف، كان غضب المخالف في الرأي من جهة، وغضب الموتور المغيظ من جهة أخرى.

ثم مضت أيام جاءت بعدها أيام، والتقى المختصمان في باريس — نستغفر الله! — بل التقى المختصمون في باريس. فتم بينهم جميعًا صلح بريء شريف غير له رئيس الوزراء الجديد رأيه في رئيس الوزراء القديم، واسترد له رئيس الوزراء الجديد استقالته من حزب الشعب، وجرت المياه صافية لا يشوبها الكدر، مضطردة لا تعترضها الصخور.

ثم ماتت وزارة وتمخضت الأيام عن وزارة أخرى، وكان صدقي باشا رئيس الوزارة الميتة، وكان عبد الفتاح يحيى باشا رئيس الوزارة الوليدة؛ فاستُؤْنِفَت الخصومة بين الصديقين، والخصومة مألوفة بين القبر والصدر، والخصومة مألوفة بين الموت والحياة. اختصم الرئيسان فأنكر صدقي باشا أن يكون عبد الفتاح باشا من حزب الشعب، وأنكر عبد الفتاح باشا أن يكون قد خرج من حزب الشعب!

وكثر في ذلك الجدال وانتهى الأمر بعد أن ظهر أن القوة للحياة لا للموت وللصدر لا للقبر، إلى أن اعترف حزب الشعب ومعه رئيسه صدقي باشا بأن عبد الفتاح يحيى باشا عضو في الحزب، بل نائب لرئيس الحزب. ولكن هذا الاعتراف لم يصدر كما كان ينبغي أن يصدر في شيء من الرقة والظرف يلائمان رئيس الوزراء ويليقان بمكانته، وإنما صدرا في شيء من العنف والغلظة يلائمان رئيس حزب الشعب، ويصوران ما يملأ قلبه من إذعان المحنق وخضوع المغيظ؛ فقد قال صدقي باشا إن رئيس الوزراء طلب إليه العودة إلى حظيرة الحزب. ورئيس الوزراء لم يطلب شيئًا فيما يقول، وإنما طلب إليه صدقي باشا حين كان في باريس أن يعدل عن استقالته؛ ففعل. والله يعلم أي الرجلين كان الطالب، وأي الرجلين كان المطلوب.

وأنا أرجح صدق رئيس الوزراء؛ فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يطلبون، وإنما يأمرون. ولو أن رئيس الوزراء لم يسترد استقالته في باريس وأراد أن يلغيها بعد أن تولى الحكم لما احتاج إلى أن يلتمس، ولا إلى أن يرجو، ولا إلى أن يطلب، وإنما كان يكفيه أن يصدر إلى رئيسه في الحزب أمرًا بإلغاء استقالته إلغاءً، واعتباره نائبًا لرئيس الحزب، أو رئيسًا للحزب إن أراد، ولكن تواضعه وظرفه ومجاملته تمنعه من أن يريد مثل هذا.

على أن في تصريح صدقي باشا لفظًا آخر لعله أغضب رئيس الوزراء، فهو مجاز مألوف، ولكنه لا يلائم الظرف، ولا يلائم الرقة، وهو لفظ «حظيرة الحزب»؛ فالأصل في الحظيرة معروف إن رجعت إلى معجم من معاجم اللغة، ومهما قصدت بهذا اللفظ إلى المجاز فإنه يشعر بمعناه القديم. وهذا المعنى لا يليق برؤساء الوزارات، وبرئيس الوزارة القائمة خاصة؛ لأنه الإنسان المهذب بأدق معاني هذه الكلمة. والإنسان المهذب لا يُحشَر في الحظائر حشرًا، وإنما يُستقبَل في الصالونات، ويُسعَى إليه في مكاتب الرياسة، ولا هو يخالط الذين يُحشَرون في الحظائر، وإنما يصدر الأمر إلى الذين يسوسون الحظائر ومن فيها وما فيها.

فصدقي باشا إذن لم يُوفَّق إلى حسن الذوق حين ذهب إلى هذا النحو من المجاز، ورئيس الوزراء مغضب من شيء آخر صدر عن صدقي باشا وهو لا يلائم كرامته ولا يلائم كرامة زملائه الوزراء، وأنا أؤيده في ذلك أشد التأييد، فقد نام التوفيق عن صدقي باشا حين كان يعرض لهذه المسألة الدقيقة التي تحتاج إلى اليقظة وحسن التعبير، فقد زعم صدقي باشا أن حزبه سيؤيد الوزارة إذا رضي عن خطتها وكفايتها، وأغضب هذا التعبير رئيس الوزراء، ومن حقه أن يغضب وأن يثور؛ فخطة الوزارات في الحكم من شأنها هي لا من شأن الأحزاب، أو قُلْ كما يقول رئيس الوزراء إنها من شأن السلطة التنفيذية وحدها، وليس لصدقي باشا في السلطة التنفيذية الآن ناقة ولا جمل، وليس لحزبه في السلطة التنفيذية نعجة ولا كبش.

وإذن؛ فما تعرضه للخطة؟! وما تحكمه فيها؟!

هذا اعتداء من سلطة على سلطة، والدستور يقرر الفصل بين السلطات، ومنتسكيو يدافع عن هذا الفصل، ولك أن تسأل رئيس الوزراء: فِيمَ وجود البرلمان؟! ولماذا تعرض الوزارات عليه برامجها؟! ولِمَ تُلقَى خطبة العرش؟! ولِمَ يناقشها الشيوخ والنواب؟! فسيقول لك رئيس الوزراء: كل هذا شيء وخطة الوزارة شيء آخر! فإذا أردت أن تعرف هذا الشيء الآخر؛ فسيجيبك رئيس الوزراء بذلك الجواب المشهور: هذا شيءٌ لا نعلمه نحن ولا أنتم، أما نحن فمن المحقق أنَّا لا نعرف خطة الوزارة لأنها لم تُنشَر بعد، وأما الوزراء فمن المحقق أنهم لا يعرفون خطتهم لأنهم لم يرسموها بعد، وإنما هم ينتظرون حتى إذا فرغوا من قهر الوفد وإذلال حزب الشعب درسوا الشئون العامة، ثم رسموا لها خطتهم، أما قهر الوفد فسيتم بعد أسبوع، وأما إذلال حزب الشعب فسيتم بعد يوم أو يومين، إن لم يكن قد تم بالفعل.

وعلى كل حال، فليس لصدقي باشا وأصحابه أن يذكروا خطة الوزارة؛ لأن ذكرهم إياها اعتداء، ورئيس الوزراء آخر من يقبل الاعتداء، ولأن ذكرهم إياها مخالف للدستور، وغريب أن تصدر مخالفة الدستور عن واضع الدستور الجديد.

ولم يقف صدقي باشا في عدوانه عن خطة الوزارة، بل ذكر كفاية الوزراء، وجعل نفسه وحزبه ممتحنين، يحكمون على الوزراء بالكفاية فيرضون عنهم، أو بالعجز فيسقطونهم. وهذا إسراف في الشطط لا يقره عقل، ولا تقره فلسفة حديثة ولا قديمة. فالكفاية صفة ثابتة لا تزول عن أصحابها، ورئيس الوزراء وحده هو الحكم في تقدير هذه الكفاية، وما دام رئيس الوزراء قد اختار زملاءه فهم أكفاء، ولو لم يكونوا أكفاء لما أخذهم كما يقول لمعاونته.

وأنت تعلم أن رئيس الوزراء رجل كغيره من الناس قبل أن تُسنَد إليه الرياسة، فإذا أُسنِدَت إليه فهو معصوم، لا يجوز عليه الخطأ!

وإذن؛ فليس من حق صدقي باشا وأصحابه أن يعرضوا لكفاية الوزراء. فمن شك في ذلك أو أنكره فليسأل أساتذة الفلسفة في الجامعة المصرية، أو في الأزهر الشريف عن الصفات الثابتة: هل تنتقل؟ وعن الصفات المتنقلة: هل تثبت؟ فذلك فن من فنون العلم لا يحسنه إلا النابغون النابهون الراسخون.

رئيس الوزراء مغضب آخر الأمر لشيء ثالث أو رابع، وهو ما ذكره صدقي باشا عن سعي المديرين في صرف الشعبيين عن حزبهم، فصدقي باشا — فيما يقول رئيس الوزراء — قد حرَّفَ كلام الحكومة تحريفًا؛ لأن رجال الإدارة لا يزيدون على تنفيذ القانون بأمانة وإخلاص. وهذه لغة يجب أن يفهمها صدقي باشا حق الفهم؛ لأنه هو الذي وضعها، فقد كان رجال الإدارة ينفذون القانون في أمانة وإخلاص حين اقترفوا آثام البداري، واضطروا عبد الفتاح باشا إلى أن يخاصم فيهم صدقي باشا، وكانوا ينفذون القانون في أمانة وإخلاص، وما يزالون ينفذونه في أمانة وإخلاص حين يسلطون بأسهم وبطشهم على خصوم الحكومة من المعارضين. وإذن؛ فما ينبغي لصدقي باشا أن يشك في إخلاص رجال الإدارة وأمانتهم وهم تلاميذه الذين شهد منهم الأمانة والإخلاص.

فأنت ترى أن رئيس الوزراء مغضب ثائر، وأنت ترى أن رئيس الوزراء مغيظ محنق، وأنت تشاركني إن كان قلبك رحيمًا في الإشفاق على صدقي باشا من غضب رئيس الوزراء وثورته، ومن غيظه وحنقه، ومع ذلك فقد كان يُقال إن الوفاق قد تم بين الرئيسين: رئيس الوزارة الميتة، ورئيس الوزارة الوليدة.

أفنصدق ما كان يُقال صباح أمس أم نصدق ما نشرته لنا الأهرام عن رئيس الوزراء صباح اليوم؟ أما أنا فأصدق الأمرين جميعًا؛ فالرئيسان متفقان اتفاقًا لا شك فيه تقضي به الظروف، ما دام كل واحد منهما إنسانًا يشعر ويحس ويحرص على الجاه والسلطان، ويأبى الخضوع والإذعان. وقد تسألني: وكيف يجتمع على هذين الرجلين العظيمين أن يأتلفا ويختلفا في وقت واحد وحول موضوع واحد هو الحكم؟ فأجيبك بأن هذه مزايا العظماء تجتمع فيهم النقائص وتصطلح عليهم الأضداد.

وبَعْدُ، فما أنت وذاك؟! وما سؤالك والإلحاح فيه؟! قوم يقدمون لك الفكاهة ويسلون عنك الهم، يسرونك إذا أصبحت ويسرونك إذا أمسيت؛ فما ينبغي لك إن كنت حكيمًا إلا أن تتفكه وتتسلى وتضحك، ولا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لك تحمل إليك السوء، فابتسم للأيام فإنها تبتسم لك عن ثغر جميل منذ تمخضت لك عن هذه الوزارة البديعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.