تحار في فهمه العقول، ويعجز عن تفسيره أمهر الناس في حل الألغاز، وأقدرهم على كشف الأسرار، ورفع الأستار، مهما ينفق في ذلك من جهد ووقت، ومهما يحتمل في ذلك من مشقة وعناء.

فقد وصل أمس إلى الأستاذ السنهوري هذا القرار الظريف الطريف الجريء البريء، الذي أصدره مجلس الوزراء بفصله من العمل في كلية الحقوق، فإذا هذا القرار العجيب الغريب، قد صدر في يوم السبت، الحادي عشر من هذا الشهر، ولم يعلم الناس من أمره شيئًا لا في يوم السبت، ولا في الأيام الخمسة التي تليه، فلما كان يوم الجمعة تحدثت الجهاد بأن إشاعة تُشاع وأنباء تُذاع بأن الوزارة تريد أن تفصل الأستاذ السنهوري، وتمنت الجهاد صادقة ناصحة للوزارة وللجامعة ألا تكون هذه الأنباء صحيحة.

وفي ظهر هذا اليوم، انتهت إلينا أنباء خاصة عن بعض الراسخين في العلم بأن ما نشرته الجهاد على أنه إشاعة لم يكن إشاعة، وإنما كان حقًّا واقعًا قد تم وقوعه وقُضِيَ الأمر فيه، فاتصلنا ببعض هؤلاء الراسخين في العلم نسألهم عما نُقِل إلينا عنهم من الأنباء؛ فأنكروا هذه الأنباء إنكارًا، ظاهره القوة وباطنه الضعف، وخرجنا من الحديث معهم مرتابين.

ثم كان المساء، فبحثنا في المصادر المختلفة عن هذه الأنباء، أصادقة هي أم غير صادقة؟ أتمثل ما فعلت الوزارة، أم تمثل ما تريد الوزارة أن تفعل؟ فلم نستطع أن ننتهي إلى شيء قاطع، وإنما كان الأمر كله شكًّا في شك، واختلاطًا في اختلاط.

ثم أصبحنا يوم السبت، فإذا الأهرام تنشر الخبر على أنه صورة للحق الواقع وعلى أن مجلس الوزراء قد أصدر قرارًا لم يكن قد أُذِيع، ثم نقلت إلينا الريح، ونقل إلينا قطار البحر أن الأمر كان مكتومًا، وأن أصحاب الأمر كانوا يغلون في كتمانه، وأن الأمر كان خليقًا أن يظل مكتومًا حتى يتم تبليغ القرار إلى الأستاذ، أو حتى يُعاد النظر في هذا القرار، بعد أن ظهر لرئيس الوزراء أن هناك كيدًا يُكاد، وكلامًا لا يُصوِّر الحق، وظلمًا يجب رفعه، لولا أن عليمًا بدخائل الأمور أراد أن يضع الحكومة أمام الأمر الواقع؛ فألقى الأمر إلى من أرسله إلى الأهرام.

كل هذا يدل على أن مجلس الوزراء قد اتخذ قرارًا في اليوم الحادي عشر من هذا الشهر، وعلى أن هذا القرار قد كُتِم أسبوعًا كاملًا أو ستة أيام كاملة إن أردت التحقيق والتدقيق. ولعلنا لا نغلو إن قلنا إن هذا الأمر لم يُكتَم على الصحف وحدها، ولا على الجمهور من قراء الصحف، وإنما كُتِم على قوم آخرين من شأنهم ألا يخفى عليهم مثل هذه الأنباء؛ فمن الطبيعي أن نسأل أنفسنا وأن نسأل الناس وأن نسأل الوزراء عن مصدر هذا الكتمان الغريب لهذا القرار الغريب.

ومن المؤكد أن الخوف ليس هو مصدر هذا الكتمان؛ فوزارتنا — والحمد لله — مستمتعة بالشجاعة التي لا تشبهها شجاعة، والقوة التي لا تدانيها قوة، والجرأة التي لا يُعرَف لها نظير في الشرق والغرب؛ فهي لا تخاف أحدًا من الناس، وقد يخافها الناس جميعًا، وهي لا تخاف من شيء، وقد يخاف منها كل شيء.

وماذا يمكن أن تخاف الوزارة من إعلان هذا القرار وهو لا يزيد على أنه يفصل أستاذًا من أساتذة الجامعة لم يبلغ الأربعين، ولم تتعلق عليه الوزارة بمخالفة ثابتة لقانون من القوانين، أو نظام من النظم، أو أصل من الأصول. وإنما قِيلَ لها كلام فسمعته، ونُقِلَتْ إليها أحاديث فصدقتها، لم تُحقِّق ولم تسأل، ولم تجدَّ في تبيُّن الصواب. وهذا أيسر ما يصدر عن الوزارات القوية في مثل هذا العهد السعيد!

وليس من شك في أن الوزارة لم تَخَفْ غضب الجامعيين؛ فقد أصبح الجامعيون — والحمد لله — لا يُخافون ولا يُرهَبون، قلوبهم هادئة، وطباعهم مطمئنة، وضمائرهم مستريحة، وألسنتهم مُؤْثِرة للصمت، وأقلامهم تستريح من حر الصيف، وهم مؤمنون للوزارة يصدقونها إن قالت، ويطيعونها إن أمرت، ويتأثرونها إن فعلت، وهم واثقون بأن الوزارة معصومة لا تنطق عن هوى ولا تصدر عن خطأ، ولا تتورط فيما لا يليق؛ فهم مطمئنون إليها كل الاطمئنان. وآية ذلك أن زميلًا لهم قد فُصِل فصلًا، في غير تحقيق ولا سؤال، فلم ينكروا شيئًا، ومن يدري؟! لعلهم لم يعرفوا شيئًا!

وواضح جدًّا أن حدثًا كهذا الحدث لو وقع في بلد من البلاد، التي تحترم الجامعات فيها نفسها لاضطربت الحياة الجامعية اضطرابًا، أما في مصر فالجامعة نائمة ولن تستيقظ حتى ينقضي الصيف.

وكانت الجامعة فيما مضى منذ عامين أو أكثر من عامين تقدر مثل هذه الأمور إلى حد ما؛ فالتاريخ يروي والناس يتحدثون أن حدثًا وقع في الجامعة منذ أكثر من عامين، فاضطربت له الحياة الجامعية اضطرابًا شديدًا، ويُقال إن مدير الجامعة استقال. أما الآن، فقد تعوَّدَت الجامعةُ حدوثَ الأحداث، فهي تلقاها بالصبر والثبات، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وانتظار الفرج الذي قد يجعل الأساتذة بمأمن من الفصل والنقل في غير سؤال ولا تحقيق!

الجامعة تريد أن تعيش، وتشفق من قطع العيش في هذه الأيام التي لا يجد الناس فيها ما ينفقون. وإذن؛ فهي راضية بما كان وبما هو كائن وبما سيكون، وإذن فالوزارة لم تكتم قرارها خوفًا من الجامعة واحتجاجها، ولا من الجامعيين وإلحاحهم في الإنكار، والوزارة لم تشفق من الطلاب؛ فالطلاب مُفرَّقون في أنحاء الأرض منذ كان الصيف، ولو كانوا مجتمعين لما أشفقت منهم الوزارة.

وماذا تخاف الوزارة من الطلاب وهي مسلحة بالقوانين واللوائح، التي تبيح لها فصلهم، جملة وتفريقًا، وعندها الشرطة وعندها الجيش، اللذان يحسنان إعمال العصي والسياط وإطلاق النار إذا جد الجد؟!

والوزارة لم تخف من الصحف. ومتى حفلت الوزارة بالصحف، أو حسبت لها حسابًا، أو رجت لها وقارًا؟! ولو أن للصحف أن تثير الخوف في نفس الوزراء لما كان بعض ما هو كائن، ولما أقامت الوزارة في الحكم أكثر من أيام.

والوزارة لم تخف من الشعب. ومتى خافت الوزارة من الشعب؟! وهي — بحمد الله — قادرة على أن تحمل الشعب ما يريد وما لا يريد، لها القوة التي لا تُرَدُّ والبأس الذي لا يُطاق. وإذن؛ فمِمَّ كانت تخاف الوزارة؟ وفِيمَ كانت تحرص على هذا الكتمان، وتحبس هذا القرار المسكين، وتحرمه حقه الطبيعي من الهواء، والضياء، والحياة الحرة الطلقة التي تنعم بها القرارات حين تصدر عن مجلس الوزراء؟

قال قائلون: كانت الوزارة تخاف من نفسها، وترهب ظلها، وتشفق من ضميرها؛ فقد أصدرت هذا القرار وهي كارهة له مترددة في إصداره، وكانت تريد أن تفكر وتقدر، وأن تستأني وتدبر، لعلها تطمئن إليه أو تعدل عنه.

وقال قائلون آخرون: بل حرصت الوزارة على هذا الكتمان حتى يغيب عن مصر بعض من كان في مصر وبعض من لا يتحرجون من الدخول فيما لا يعنيهم، والسؤال عما لا ينبغي أن يسألوا عنه. فلمَّا سافَرَ مَنْ سافَرَ، وغاب من غاب، رُفِعَتِ الأستار، وتنفس القرار، وحلق ثم طار، وانتهى أمس إلى الأستاذ السنهوري.

أما نحن، فلا نصدق أن الوزارة خافت من نفسها؛ فلم يكرهها أحد على أن تصدر هذا القرار! ولا نصدق أن الوزارة خافت من غيرها؛ فالوزارة لا تخاف أحدًا من الحاضرين ولا من الغائبين. وإذا كانت الوزارة لا تخاف من الشعب كله، فهي أكبر وأشجع من أن تهاب فردًا من الأفراد، أو جماعة من الجماعات!

وإذن؛ فما مصدر هذا الكتمان؟ وما سر هذا التستر؟ يُخيَّل إلينا أنه لغز من الألغاز سيظل محجوبًا وسيلتمس له الناس ضروب التعليل والتأويل، دون أن يظفروا له بحل أو تفسير.

وليس هذا غريبًا؛ فما أكثر ما في الكون والحياة من ألغاز يحار في فهمها العقل، ويعجز عن تفسيرها أعظم الناس حظًّا من الذكاء!

مهما يكن من شيء، فإن وزارتنا قد وُفِّقَتْ إلى أن تضيف سرًّا غامضًا إلى أسرار الفلسفة العليا، سيتعب الفلاسفة في كشف الأستار عنه؛ وهو مصدر هذا الكتمان لقرار لم يكن هناك ما يدعو إلى كتمانه!

فهل للوزارة أن تكشف لهم الغطاء، وتُبيِّن لهم هذه الحكمة الخفية التي أسكتتها أسبوعًا عما لا تسكت الوزارات عنه يومًا ولا بعض يوم؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.