هي هذه التي تضطرب فيها الديمقراطية الغربية منذ شهور، فتقلب أمورها ظهرًا لبطن، وبطنًا لظهر، وتقلبها رأسًا على عقب، وعقبًا على رأس، ثم لا تدري بعد ذلك ماذا تأتي وماذا تدع، ولا تعرف ماذا تصنع وكيف تقول، ومشكلتها تأتي قبل كل شيء من أنها لا تريد أو لا تستطيع أن تفهم حقائق الأشياء على وجهها في العالم الجديد.

أَلِفَتْ ضخامة القوة وسعة السلطان، والأمر الذي لا يكاد يصدر حتى تخضع له رقاب الساسة وتذعن له الشعوب، فخُيل إليها أن قوَّتها ستظل دائمًا ضخمة، وأن سلطانها سيظل دائمًا واسعًا، وأن أمرها سيظل دائمًا نافذًا مطاعًا، وأن ساسة الشرق وقادته سيظلون دائمًا ضعافًا مستذَلِّين، وأن شعوب الشرق ستظل دائمًا مستكينة مذعنة، ولم تنسَ إلا شيئًا واحدًا يسيرًا جدًّا خطيرًا مع ذلك جدًّا، وهو أن الأرض تدور، وأن الأيام دول، وأن القوة ليست خالدة كما أن الضعف ليس خالدًا، وأنها هي نفسها قد قويت بعد ضعف، وتسلطت بعد أن تسلط عليها الأقوياء، وأن ما اختلف عليها من الأحداث يمكن أن يختلف على غيرها من الأوطان والشعوب.

فبريطانيا العظمى لم تُخلق حين خُلقت عظيمة القوة شديدة البأس مبسوطة اليد على أقطار الأرض، وإنما مرَّت بأطوار من حياتها — أو مرَّت بها أطوار من حياتها — كانت فيها محكومة غير حاكمة، ومأمورة غير آمرة، وقُل مثل ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية. وقُل مثل كذلك في فرنسا، خضعت كلها لسلطان الأقوياء في بعض أطوار حياتها، ثم أتيحت لها القوة فأخضعت الناس لسلطانها، فأي غرابة في أن يَقوى الضعيف ويعز الذليل ويسود المَسُود. هذه هي الحقيقة التي يحجبها الغرور عن عقول الساسة الغربيين وقلوبهم وضمائرهم، فيورطهم في هذه الحيرة التي يضطربون فيها الآن والتي تضحك منهم بين حين وحين؛ لما كانت تهابهم وتذعن لسلطانهم وتجد السعادة كل السعادة في ابتسامهم، وتستشعر الخوف كل الخوف من عبوسهم. والغريب أن النُّذُر تتوالى عليهم، فلا يحفلون بها ولا يؤبهون لها ولا ينتفعون بها في قليل أو كثير.

فليست البلاد العربية مثلًا أول من خالف عن أمرهم وسخِر من وعيدهم ولم يحفل ببأسهم وسلطانهم؛ ففي الأرض أوطان أخرى كانت لأمرهم خاضعة، ثم أُتيح لها أن تَقوى بعد ضعف، وتعز بعد ذلة، وتَكْرُم بعد هوان؛ فأصبحت نِدًّا للذين كانوا يسودونها، ثم أصبحت أقوى منهم قوة وأشد منهم بأسًا وأطول منهم يدًا إلى ما تريد، وأصبحوا هم يبتغون إليها الوسيلة ويلتمسون عندها المعونة. والولايات المتحدة الأمريكية نفسها أقوى دليل على ذلك، فأين كان مكانها من بريطانيا العظمى في القرن الثامن عشر، وأين يكون مكان بريطانيا العظمى منها في هذا القرن؛ كانت تابعة فأصبحت متبوعة، وكانت خاضعة فأصبحت تأمر فتُطاع، وأصبح البريطانيون أنفسهم لا يستطيعون أن يقضوا من دونها أمرًا.

فكيف بالأمم التي لا تريد أن تعلو على أحد ولا أن تتحكم في أحد، وإنما تريد أن تكون حرة كريمة تصدر في أمرها كله عما تحب هي لا عما يحب لها غيرها من الناس.

وأشد من هذا كله غرابة أن فلاسفة الغرب ومفكريه قد تنبهوا إلى هذه الظاهرة الطبيعية ونبَّهوا إليها، فلم يحفل بهم الساسة ولم يسمعوا إليهم، وإنما أصم الغرور آذانهم وألقى بينهم وبين الحقائق حُجُبًا كثافًا. ما أكثر ما نبه الفلاسفة والمفكرون في الغرب إلى أن طبيعة الأشياء تقتضي في هذا العصر خاصة أن يتعلم الجاهل، ويتنبه الغافل، ويقوى الضعيف، وتثور الشعوب الخاضعة بالشعوب التي تُخضعها، وتتحرر من الاستعمار بنفس القوة التي يتخذها المستعمرون وسيلة إلى إخضاعها والتحكم فيها. وهذا نفسه هو الذي كان، فوسائل الشرق إلى القوة والاستقلال هي نفس وسائل الغرب إلى التحكم والاستعلاء في الأرض. تعلم الغرب فأُتيحت له القوة، ثم دفعته هذه القوة إلى التحكم في الناس والتسلط على أقطار الأرض، وقد أخذ الشرق يتعلم وأخذ يقوى وأخذ يتحرر ويتخفف من أعباء الاستعمار. ولو قد فهم الغرب هذه الحقائق لأراح نفسه وأراح الناس من شر كثير، ولعصم كثيرًا من الدماء والأموال، ولعصم نفسه أولًا من البغي والطغيان حيث لا ينفع البغي ولا الطغيان، ولكن الغرور قد أفسد على الغرب أمره، فأسرف على نفسه وعلى الناس في سفك الدماء وإزهاق النفوس وإنفاق الأموال في غير طائل، وورط نفسه في هذه الحيرة التي لا يجد منها مخرجًا.

أنشأ في هذه الرقعة من الأرض لعبته المصطنعة التي سماها إسرائيل على غير أساس معقول، وبعد أن فات وقت الاستعمار وإجلاء الناس عن أوطانهم ليسكنها غيرهم ظن أن ما أتيح له في أواخر القرون الوسطى من استعمار أمريكا وآسيا وأفريقيا ما زال متاحًا له في القرن العشرين، وأنه يستطع في هذه الأيام أن يجلي العرب عن فلسطين، كما أجلى أو أفنى أو أذاب أهل أمريكا منذ قرون. ونسي أنه يعيش الآن في عصر غير ذلك العصر وتحيط به ظروف غير تلك الظروف، فلما رأى مقاومة العرب أخذته الكبرياء وحاول أن يسحق هذه المقاومة بالقوة والعنف، فلما أعياه ذلك حاول أن يقهرها بالحيلة والمداورة، فلما لم يُغْنِ ذلك عنه شيئًا وقف موقفه هذا الغريب يضرب أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، يُنذر حينًا ويتملق حينًا آخر، فلا يغني عنه النذير ولا ينفعه التملق، فيطلق ألسنته بألوان من الهذيان كأنه المحموم يهذي ولا يعرف ما يقول. هذه الصحف البريطانية التي تُخَلِّط في القول تخليطًا، فتدعو مرة إلى الحزم، وتدعو مرة إلى الحيلة والمصانعة، وتدعو مرة إلى اللين والموادعة، وهذه الصحف الفرنسية التي يخرجها الغضب أحيانًا عن طورها، فتزعم أن الغرب لن يبلغ من الشرق العربي شيئًا بالتقرب إليه والمصانعة له ولا بالرشوة وإظهار التودد؛ وإنما البأس وحده هو الذي يجدي ويفيد. كان البأس قد أغنى عن فرنسا في الهند الصينية وفي تونس وفي مراكش؟! وكأنها لا تنفق أموالها ولا تزهق نفوس أبنائها في الجزائر دون أن تخيف أحدًا أو تصرف أهل الجزائر عما يريدون لأنفسهم من العزة والكرامة والحرية في بلادهم.

لن تغني المصانعة ولن يغني البأس، وإنما الذي يغني عن الشرق والغرب جميعًا هو أن تُفهم حقائق الأشياء، وأن يُعترف بما ليس بُدٌّ من الاعتراف به، من أن الشرق العربي قد أخذ يتعلم بعد جهل ويقوى بعد ضعف، ويكرم على نفسه، ويريد أن يكرم على الناس، ولن ترده عن ذلك قوة مهما تكن، ولن يصرفه عن شيء من ذلك مال مهما يكثر، ولن تخدعه حيلة، ولن يخيفه المكر به أو الكيد له؛ وكل ما يبذل من ذلك جهود ضائعة لا تجدي على الذين يبذلونها شيئًا.

انظر إلى الغرب يمنح لعبته إسرائيل عونه كاملًا؛ يمنحها المال بغير حساب، ويرسل إليها السلاح في غير احتياط، ويغري أبناءه بالتطوع في جيشها، فإذا تقدمت مصر أو غير مصر من البلاد العربية لتشتري منه السلاح لتدفع عن نفسها غائلة هذا الشر الذي وُطِّنَ في أرضها توطينًا؛ راغ منها كما يروغ الثعلب، فوعد وأخلف الوعد، أو رفض، أو خرج بالصمت عن لا ونعم كما يقول الشاعر القديم.

فإذا التمست مصر أو غيرها من البلاد العربية هذا السلاح عند غيرها من خصومه في شرق أوروبا ثار ثائره وفار فائره، وأرسل الرسل، وأوفد الوفود، وجمع سفراءه اليوم ليفرقهم غدًا، وعقد مجلس الأمن، وأرسل رسوله إلى البلاد العربية يطوف في عواصمها، ودعا إلى المؤتمرات، وتردد في عقدها، ودعا إلى الحزم ثم أشفق من عواقبه، وظل كذلك مُقدِمًا مُحجمًا، ومُنذرًا معتذرًا، والبلاد العربية ماضية في طريقها لا يُخيفها النذير ولا يخدعها الاعتذار، ولا يعنيها أيرضى الغرب عنها أم يسخط عليها؛ وإنما يعنيها قبل كل شيء وبعد كل شيء أن تكون حرة في أرضها كريمة على نفسها وعلى غيرها من الناس في الشرق والغرب جميعًا.

لو فهم الغرب هذه الحقائق الواضحة التي لا يحتاج فهمها إلى تفوق في الذكاء، لأراح واستراح، ولم يورط نفسه في هذه الحيرة التي تُضحِك منه، وتغري به، وتُطمع فيه، وتُعرِّضه لأن يخسر أكثر مما خسر، ويُضيع أكثر مما أضاع، ويفقد صداقة شعوب له في صداقتها أعظم المنافع وأوفرها، وله في صداقتها — كما لغيرها — هذه المنفعة العظمى التي لا تَعدِلها منفعة: وهى إقرار السلام في هذه الأقطار. ومن يدري لعل إقرار السلام في هذه الأقطار أن يكون من أهم الوسائل وأقواها إلى إقرار السلام في سائر الأقطار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.