أُعلنتْ في الأيام الأخيرة أسماء الذي كُوفِئوا بجوائز نوبل في العلوم والآداب، فكانت جائزة الآداب في هذا العام من نصيب الكاتبة الأمريكية — وإن شئتَ فَقُل الصينية — السيدة «بيرل بك» صاحبة الروايات الكثيرة التي أدارتها جميعًا على وصف أبناء الصين وتصوير الحياة الاجتماعية والفردية في تلك الأقطار.

ومن المصريين كثيرون يعرفون آثار صاحبة الجائزة وإن لم يسمع باسمها غير قرائها في اللغة الإنجليزية؛ لأن رواية من رواياتها المشهورة عُرِضت في دور الصور المتحركة منذ عام، فلقيتْ إعجاب المترددين على تلك الدور، وشهدوا فيها مثالًا من عيشة الفلاحين المصريين، لولا فارق العوارض الجوية التي تطغى على الصين بالطوفانات والأعاصير وتسلم منها القرية المصرية … ونعني بها رواية «الأرض الطيبة» وهي حلقة من سلسلة روايات في هذا الموضوع.

السياسة وميزان النقد

وبتوجيه الجائزة إلى السيدة «بيرل بك» في هذا العام أصبح معروفًا أن المحكمين في مجمع نوبل يختارون لجوائزهم واحدًا من اثنين، فإما أديب من الأعلام البارزين طبقت شهرته الآفاق وحكم العالَم له قبل حكم المجمع ونقاده؛ كبرناردشو، وأناتول فرانس، وكبلنج، وبيرندللو، ومترلنك، وكارودوتشي، وهوبتمان، وإخوان هذه الطبقة الذين تسنموا أوج الشهرة العالمية قبل أن تتجه إليهم الجائزة النفيسة، وإما أديب يخدم الطيبة والمروءة ويشيع بين الناس أواصر المودة والرحمة ويزكي الفضائل الإنسانية والأمثلة العليا ولو لم يبلغ من السموق والضخامة مبلغ أولئك الأعلام الأفذاذ.

وليست «بيرل بك» Pearl Buck من الفريق الأول ولكنها في طليعة الفريق الثاني بغير خلاف ولا اعتراض، ولعلها أحق أصحاب القصص بالتنويه والتمجيد حبًّا للخير وإشادة بالرحمة وتعميمًا لفضيلة السماحة بين الشعوب، في غير اعتداد بالألوان والأعراق والمزاعم الحديثة التي يستعين بها الطغاة على تسخير العقول وتسخير المستعبدين.

فأوصاف الكاتبة لأبناء الأمة الصينية أوصاف ملؤها العطف والمعذرة والتماس المعارض التي تمثل لنا خلائق للقوم في صورة جميلة أو صورة مقبولة إن تعداها الجمال، أو صورة ملطفة إن تعذر الجمال والقبول، وكأنها تريد أن تقول في عقب كل نقيصة أو مغمزة تُؤخَذ على الصينيين: أليست عندكم نظائر لهذا معشرَ الأمريكيين أو معشرَ الغربيين أجمعين؟

وقد هيأت الكاتبةَ للشعور بهذا العطف الكريم أمورٌ شتى لا نستغرب معها أن تحب أهل الصين هذا الحب وأن ترعاهم هذه الرعاية؛ فهي قد تربَّتْ في تلك البلاد من سن الرضاعة، ونشأت في بيئة دينية تتخلق بأخلاق المودة والحدب على الضعفاء، وكان أسلافها يُضطهدون في جنوب الولايات المتحدة؛ لأنهم كانوا يرفضون شراء العبيد السود ويستأجرون العمال — استئجارًا — من السود والبيض على السواء، وقد تعلقت في صباها بمربية صينية كلفت بها الكلف الذي يمزج فيه هؤلاء النسوة المحرومات بين الحنان والعبادة وبين النظر إلى أعلى حيث يشعرن بقوة السادة، والنظر إلى أدنى حيث يشعرن بضعف الطفولة … وقد تكلمت الصينيةَ قبل أن تتكلم الإنجليزيةَ، وأجادت الكتابة بتلك الرموز العجيبة التي قلَّما يُجِيدها أحدٌ من الغرباء عن البلاد … ومن أجل ذلك قلنا في مستهل هذا المقال أنها أمريكية وإن شئت فقل صينية؛ لأنها عاشت في الصين بإحساسها وفكرها ومشاهدتها أضعاف ما عاشت في بلاد آبائها وأسلافها.

إلا أن هذه المزايا لم تكن وحدها لتجذب إليها أنظار الناقدين وبخاصة أنظار المحكمين في أمة الشمال؛ لأن الحوادث العالمية كانت لها يد في موازين النقد الأدبي والدراسة الفنية وضحت هنا كما كانت واضحة في كثير من الأحوال. ولتبيين هذه اليد عرجنا بعض التعريج أثناء الطريق؛ لأنها مما يستحق التبيين والالتفات، وقلَّما تصدق الموازين الأدبية في تقويم الكُتَّاب والكاتبات بغير التفات إلى هذه الأمور.

فقد رفضت شركتان من أكبر شركات النشر روايات للكاتبة عن الحياة الصينية هي الآن موضع الإقبال والإعجاب، وقد مضت بضع سنوات على «الأرض الطيبة» وحواشيها وأذيالها قبل أن تظفر بالتقديم والتفضيل من ناقدي السويد ومحكمي الجائزة، فما الذي طرأ هذا العام فصحَّ الميزان بعد اختلال، أو تنبَّه بعد إغضاء؟

الذي طرأ هذا العام غارة اليابان على الصين، واشتداد الاهتمام بين أهل السويد بهذه الغارة وعطفهم فيها على الأمة الصينية؛ لأنهم من جهة يشعرون بخطر المنافسة التجارية من قِبَل اليابان، ومن جهة أخرى يشعرون بكراهة الدول المستبدة ويخشون طغيان المبادئ العسكرية والفاشية؛ إذ كانوا مهددين في جوارهم بطغيان هذه المبادئ، مترقبين أن يصيبهم عدوان قريب بِاسم الوحدة الجرمانية أو الوحدة الآرية أو الوحدة الشمالية، فهم يعطفون على الأجناس المغلوبة ولا يقبلون تقديس أمم الشمال وحدها إذا كان من وراء هذا التقديس ابتلاعهم في جوف الدولة النازية.

وحدث مثل هذا قبل خمس سنوات فأصابت الجائزة الكاتب الروسي «إيفان بونين» وهو طريد الحكومة الشيوعية لانتمائه في الرأي والنشأة إلى أحزاب اليمين، وكان الخطر في تلك السنة على أهل السويد خطر الدعوة الشيوعية لا خطر الدعوة النازية الهتلرية، فاتجهت إبرة الميزان إلى أديب الروس دون سائر الشعوب.

ونخلص من هذا وأشباهه إلى الحقيقة التي لا ينبغي أن يسهو عنها ناقد أو باحث في عالم المعاني والآراء، وهي أن الآداب الإنسانية — بالغة ما بلغت من التجريد والنزاهة — عرضة للمؤثرات الموقوتة من بواعث العالم وأغراضه ودواعيه، ولو كان الحاكمون فيها أخلص القضاة وأصدق الحاكمين.

***

والسيدة «بيرل بك» هي الكاتبة الرابعة التي أحرزت جائزة نوبل في الآداب على ما نذكر الآن، وكلهن قاصات نَبَغنَ في فن الرواية، واثنتان منهن سويديتان والثالثة إيطالية والرابعة أمريكية المولد صينية النشأة والموضوعات، وهكذا يتأكد في هذه المرة كما تأكد في مرات أخرى نصيب الذهن النسائي والعبقرية الأنثوية من مَلكات الفنون والآداب.

فقَلَّما تنبغ المرأة في الشعر؛ لأن الشعر قوامه التعبير والمرأة مفطورة على إخفاء الشعور وكتمانه والمواربة فيه، ولم تُفطَر على الصراحة والإعراب عن دخيلة العواطف والأحاسيس، وقد كان أول الشعر غزلًا ونداءً للمعشوق، والأنثى من الإنسان ومن غير الإنسان لها دور في العشق غير الطلب والمناجاة وهو دور التلبية والجواب.

ولا يكون شعر رفيع بغير خيال، والمرأة ضعيفة الخيال محصورة في أقرب المحسوسات وأوضح الملموسات.

كذلك لا تنبغ المرأة في التصوير؛ لأن حاجة التصوير إلى الخيال كحاجة الشعر على حد سواء، فإن أجادت بعض الصور فإنما تجيد نقل المشاهدات وتمثيل الملاحظات ولا تجيد التخيل والابتداع.

وكذلك لا تنبغ المرأة في الموسيقى وإن نبغت في الإنشاد والغناء؛ لأن الفرق عظيم كما يعلم القارئ بين الفن والموسيقى وهو خلق وتركيب واستكشاف للأوزان والأصوات، وبين فن الإنشاء والغناء وهو أداء وتنفيذ لا معول فيه على غير التلقين والتدريب متى اكتملت أدوات الصوت والإلقاء.

أما القصة والتمثيل فالنبوغ فيهما ميسور للمرأة ولا سيما القصة التي تعتمد على الواقع والتجربة ولا تعتمد كثيرًا على الخيال المبدع والإيحاء العميق، ونبوغ المرأة في هذين البابين من أبواب الفنون الجميلة معقول غير مستغرب لِمَا قد عُرف عنها من حب الحديث والإفضاء بما يحصل لها من الصغائر والكبائر، ثم لِمَا عُرف عنها من إتقان الظهور بالمظهر الذي تهواه واقتدارها على استجلاب العطف بتمثيل الألم تارة والسرور تارة أخرى، فهي هنا أقرب إلى الطبيعة منها إلى الفنون الجميلة التي لا غنى فيها عن جانب يخلقه الإنسان ويطبعه على غراره.

والفرق بين فن الرجل وفن المرأة على هذا الاعتبار أن الرجل يفرض نفسه على الطبيعة وأن الطبيعة تفرض نفسها على المرأة، وأن الرجل يضيف إلى علم الخلق والإبداع أما المرأة فهي منساقة لشعور الفطرة الذي لا تخلق فيه ولا تُبدع، بل تحاكي وتذعن وتجيب.

قاصَّة مطبوعة

والسيدة «بيرل بك» قاصة مطبوعة لم تُخلَق لِتُحْسِن شيئًا إن لم تكن خُلِقت لإحسان القصة والرواية، وليست جائزة نوبل أُولى جوائزها في هذا الفن بل هي الخامسة أو السادسة من جوائز المجامع والصحف والمجلات.

وقد وصفتْ هي نزعتها الغلابة إلى كتابة القصة في محاضرة ألقتها على طلاب مدرسة الصحافة «بكولمبيا»، فقالت:

لا أحسب أن كتابة القصص أو قراءتها ضرورة من ضرورات الحياة؛ فإن ملايين من الناس في الصين — إن لم نقل في غيرها — يعيشون عيشة فهم وسعادة دون أن يقرءوا قصة أو يكتبوها … وإني لأُعجب بهؤلاء الناس وأوقرهم، بل أشعر بالحسد العظيم لهم في بعض الأحيان؛ إذ لا مناص لي من الإقرار على نفسي بأنني مخلوقة غريبة لا تُعَدُّ مثلًا للمخلوقات الآدمية على الإجمال، ولا صنفًا مرغوبًا فيه كأنه نموذج من النماذج المطلوبة في الحياة، فالحق أنني لا أستقر ولا أشعر بالراحة والسعادة بغير كتابة الروايات سواء لقِيَتْ أو لم تلقَ أحدًا من القارئين … وآسَفُ لِأَنْ أقول إنني واحدة من أولئك التاعسين الذين لا تنتظم وظائفهم الجسدية حق الانتظام ما لم يكونوا قد كتبوا أو يكتبون أو سيكتبون قصة …

فإذا استطعتم فإياكم إياكم وكتابة قصة … إذ هي قبل كل شيء عمل مناقض للعرف السائغ في الحياة الاجتماعية يجعل الإنسان كريهًا في نظر أهله وأصحابه؛ لأنه يظل الأسابيع، بل الشهور، بل السنين في بعض الأحوال وهو على أسوأ ما يكون من وجوم وحيرة، لا شغل له. حتى إذا ألقى القلم بعد الجهد والضجر مستريحًا ناجيًا بنفسه إلا أن يلمح تلك الأشباح القائمة القاعدة في دماغه، تتحدث وتفكر وتعمل وتنحى عليه، حتى ليود لو يصيح كما صاحت البنت الصغيرة في الأسطورة المشهورة — أسطورة أليس في بلاد العجائب — ما أنتم يا هؤلاء إلا حزمة من الورق! … ثم تنفضهم نفضًا، وتستيقظ من نومها لترى الأوراق تتساقط في لطف ورفق على وجهها، وتثوب إلى دنيا الواقع وأناسيه.

إن الرجل أو المرأة المشغولة بهذه الأطياف والأشباح لن تحيا بين الناس حياة سعيدة؛ لأنها تعيش ألف عيشة غير عيشتها، وتقاسي ألف مصيبة غير مصيبتها، وتموت مرة بعد مرة، ويُقضَى عليها أن تمتلئ بالعفاريت والأرواح حتى لا تستطيع أن تقول ما هي نفسها وما هي غير نفسها؛ لأنها خاضعة لألف سيد مسيطر، مجهودة بدنًا وروحًا بحركة الخلائق التي تحيا عالة على ذلك البدن وذلك الروح وتمتص منهما دم حياتها …

وهذه حالة لا تخامر أحدًا من الناس إلا أن يكون مخلوقًا كما قالت الكاتبة لتأليف الروايات دون غيرها من أغراض الحياة، وهي أشبه بحالة أُمٍّ واحدة يتغذَّى من دمها أَلْفُ جنين، وهو مجعول لغذاء جسد وحيد!

والكاتبة النابغة الآن في السادسة والأربعين من عمرها، قد ألَّفت روايات مطولة ونوادر صغيرة وقصصًا بين الرواية والنادرة، ولم تخرج في واحدة من هذه الروايات والقصص والنوادر عن موضوع الصين وأهل الصين وحوادث الصين، وكانت تصف بعض النكبات الصينية كالطوفانات والأعاصير وتُرسِل ما كتبَتْ في وصفها إلى الصحف والمجلات؛ لتنشرها بالمجان وتستدرَّ بها أموال المتبرعين والمحسنين إغاثة للمرضى والجياع من الأطفال والشيوخ والعجزة والنساء.

وقد أعانت هؤلاء المساكين بألوف الجنيهات واستفزت الأمة الأميركية إلى العناية بالقضية الصينية في عدة أزمات، فمن عجائب الأقدار — وكم للأقدار من عجائب لا تحويها أغرب القصص والأساطير! — أنها أوشكتْ أن تُذبَح في ثورة الشيوعيين الصينيين حين اقتحموا مدينة «نانكنج» منذ إحدى عشرة سنة، فلولا بضع دقائق بين هربها هي وأولادها وبين هجوم الجنود على دارها لذُبِحوا أجمعين، ولكنهم بادروا بالهرب قبل الهجوم فسلمَتْ لهم الحياة واقتصرت الخسارة على مسودات رواياتها … روايات كُتبتْ لإغاثة الفقراء من أهل البلاد … الذين باسمهم كان أولئك الجنود يثورون!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.