كلمة حلوة رددها الناس جميعًا في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضًا؛ لأنهم يُعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما تختلف فروعها، ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها وبين الحقائق الواقعة بونًا شاسعًا، واختلافًا عظيمًا.

وأنت تشعر بحرص الناس على العدل، وتحرقهم ظمأ إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يُصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه. تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهدارًا، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكًا. تجبي منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبيت لم تنفق في مصالحهم، وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث، وإرضاء الأهواء والشهوات، وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يُباح لهم أنْ يشكوا، فإن دُفعوا إلى الشكوى عُذِّبوا فيها تعذيبًا، وربما سُفكت دماؤهم سفكًا، ثم لا يُباح لهم أنْ يجتمعوا، فإن همُّوا بالاجتماع فُرِّقوا بالحِراب والرصاص، ثم لا يُباح لهم أنْ ينطقوا، فإن نطَقوا دُفعوا إلى القضاء وأُلقوا في غيابات السجن، ثم لا يُباح لهم أنْ يكتبوا، فإن كتبوا حطِّمت أقلامُهم تحطيمًا، وعُطِّلت صُحفهم تعطيلًا، ثم لا يباح لهم أنْ يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس، ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط، هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء.

إذا احتمل المصريون هذا كله، وشرًّا من هذا كله أربعة أعوام، بل أكثر من أربعة أعوام يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أنَّ عهد الظلم ينقضي، وأنَّ سلطان الجور يزول؛ ظهر تحرُّقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مُثُله، وأروع صوره، وخُيِّل إليهم أنَّ أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمنًا يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءًا يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافًا يكافئ ما وجدوا من الجور.

ومن المؤلم للنفوس أنْ تخيب هذه الآمال، وأنْ يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أنَّ الناس معرضون الآن لما نخشاه من خيبة الأمل، وكذب الرجاء، فنحن مطمئنون أشد الاطمئنان إلى أنَّ الوزارة الجديدة ستبذل كل ما تملك من جهد لإنصاف المظلوم، ورد الطمأنينة والأمن والدعة إلى القلوب.

ولكنا نحب أنْ نلفت الوزارة القائمة إلى أننا نخشى أنْ تشغل بغدٍ عن اليوم، وأنْ تشغل باليوم عن أمس، وأنْ تفكر في الإصلاح، ويسرها هذا التفكير، فيشغلها عن مظالم ما زالت واقعة، وعن شرٍّ يُصبُّ على الناس بالفعل، ويجب أنْ تزول هذه المظالم، ويجب أنْ يرفع هذا الشر، ويجب أنْ يشعر الناس بالعدل، لا أنْ ينتظروه، ويجب أنْ يذوق الناس حلاوة الإنصاف بالفعل، لا أنْ يعتقدوا أنهم سيذوقونه بعد أيام.

فكُتِب هذا وقد انتهى إلينا أنَّ بعض المظالم التي فرضها السيد السابق ما زالت قائمة، وما زال الناس يحسون آلامها لاذعة ممضة، وما زال الناس يسألون أنفسهم: متى تُرفع عنهم هذه المظالم، ومتى تزول عنهم هذه الآلام؟ ونحن نكتب هذا لصاحب الدولة، رئيس الوزراء خاصَّةً، فالأمر الذي نريد أنْ نتحدث فيه يعنيه هو قبل أنْ يعني أي شخص آخر من الوزراء.

تحدث إلينا المتحدثون أنَّ القبسي باشا كان قد فرض مظالم على الناس في مدينة بني مزار، وكانت هذه المظالم مختلفة، ولكنها كانت كلها ثقيلة، وكان من بين هذه المظالم ضرائب الخفر، فرضتها وزارة صدقي باشا عقابًا للناس لأنهم لم يخلصوا للعهد المنقرض، ولم يؤمنوا بالنظام البغيض. ضاعفت عليهم هذه الضرائب، ثم ضاعفتها، ثم ضاعفتها حتى انتهت بها لا نقول إلى الإرهاق، بل إلى ما هو فوق الإرهاق مما لا نجد في اللغة العربية ما يدل عليه.

وقد أنكر الناس ذلك، وألحت السياسة، وألححتُ معها في الإنكار، ونشرنا في ذلك الوقت وثائق مخزية للقبسي باشا، فخزي حين نشرت الوثائق، وأدركه شيء من الحياء، وزعم أنه أمر بالتحقيق، وأعلن إلى الناس نتائج هذا التحقيق، وأعلن على كل حال أنَّ هذه الضرائب الإضافية قد ألغيت، وأنَّ أمور الناس قد رُدَّت إلى مثل ما كانت عليه، وسكتنا حينئذ، وسكت الناس، واعتقدنا حينئذ واعتقد الناس أنَّ الوزير كان صادقًا — فيما أظن — لأن الأصل في الوزراء أنْ يكونوا صادقين؛ ولأن كذبة الوزراء بلهاء متمردة — كما قال زياد — لا تخزي الوزراء الكاذبين وحدهم، وإنما تخزي الدولة كلها.

ثم هي تنفي من قلوب الناس ما ينبغي أنْ يكون فيها من الاطمئنان إلى السلطان والثقة به، فما رأى رئيس الوزراء حين ثبت بأنَّ أهل هذه المدينة قد تحدثوا إلينا — بالتليفون صباح اليوم — بأنَّ الضرائب الجائرة ما زالت مفروضة عليهم، وبأنها ما زالت تُجبى منهم، وبأنها تُجبى منهم اليوم بالقوة والقهر، كما كانت تجبى منهم من أيام القبسي باشا، وبأنَّ الإدارة تمثل وتعتذر، وتزعم أنها لا تستطيع أنْ تغير شيئًا حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأى رئيس الوزراء في أنَّ ذلك الكتاب الرسمي يجب أنْ يُزال، وفي أنَّ ذلك الجور الخفي يجب أنْ يُمحى، وفي أنَّ هذا العهد الجديد لا ينبغي أنْ يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضا؟

نظن أنَّ رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن غيِّهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أنْ يقولوا غير الحق، وأنْ يأخذوا الأموال بغير الحق، وأنْ يعاقبوا الناس على آرائهم، وأنْ يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، فإن الذين يلون أمور الناس في هذا العهد لنْ يرضوا عن شيء من هذا، ولن يُقرُّوا شيئًا من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك، بأنَّ أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غدا برفع هذا الظلم، وبأنَّ الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القبسي باشا، سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.