أهي الوزارة التي حرَّضت صحيفتها بلون من ألوان الوحي؟ أم هي صحيفة الوزارة تُغري الوزارة بهذا الفن السخيف من فنون اللوم؟ فالظَّاهِرُ أَنَّ في الوزارة ضيقًا شديدًا مُتَّصِلًا بالصُّحف التي تُعَارِضها، وتنال أعمالها بالنقد، والظَّاهِرُ أنَّ هذا الضيق قد نشأ مع الوزارة منذ ألَّفها رئيس الوزراء، وكان هذا طبيعيًّا؛ فإنَّ الوزارة التي تتحدى الشعب، وتبذل ما تملك وما لا تملك من القوة لتغيير آرائه وتحويله عن مذاهبه وعقائده في السياسة والأخلاق والاقتصاد، جديرة بأنْ تَضِيق بحُرِّية الرأي، وأن تكره حرية الصحف، وأن تتنكر لكُتَّاب الصحف ومُخبريها، حين يُغَذُّون صحفهم بما لا يُلائم هوى الوزارة وميولها، وقد لقيت حُرِّية الرَّأي، ولقيتْ حُرِّية الصحافة من الوزارة شرًّا كثيرًا، والظاهر أنَّ الوزارة قد فَشِلت فيما أرادت إليه، حين قَيَّدَتْ حُرِّية الصحف، فلم تكسب من حب الناس شيئًا، ولم تُوَفَّق إلى أن تبسط سُلْطَانَهَا على العُقول والقلوب، فلم يَكُن بُدٌّ من أن يشتد ضيقها بالصحف، وسخطها على من يغذيها من الكُتَّاب والمخبرين.

وقد نشرت «الجهاد» أمس وأول أمس أخبارًا عن الحياة السياسية، قِيلَ إنَّها قدمت من دار المندوب السَّامي إلى رئيس الوزراء، وقيل إنها أحدثت شيئًا من الاضطراب غير قليل في بعض البيئات السياسية، فضاقت الوزارة بما نشرت «الجهاد»، وكذَّبته في بلاغ رسمي أذاعته أمس، وكان بلاغها الرَّسمي حَازمًا مُسْرِفًا في الحزم، وقد تعوَّد الناس في هذه الأيام أن يحترموا بلاغات الحكومة الرسمية، على نحو ما احترمت الأهرامُ بلاغها الرَّسمي الذي أصدرته منذ أيام، تُكذِّب فيه ما أُذيع من حديث رئيس الوزراء إلى زملائه في مجلسهم عن المندوب السامي، واللجنة الإنجليزية المصرية، فقد احترمت الأهرام هذا البلاغ، لكنها أكدت ما قالت، وأكدته في حزمٍ ليس أقل من حزم الحكومة في بلاغها، وتحدت الوزارة، واتهمت الوزراء بأنَّهم أفضوا إليها بهذا الحديث الذي تكذبه الحكومة وتنكره، وانتظرت الأهرام نتيجة هذا التحدي، وانتظرته الصحفُ الأُخرى أيضًا، وألحَّ الناسُ على الوزارة أنْ تبين جلية الأمر في هذه القصة التي تُزري بكرامة الحكومة، وتغض من قدرها، ولكنَّ الحُكومة ورَئِيسَها تَلَقَّيَا هذا التحدي وهذا الإلحاح بالنوم العميق …!

ومن قبل ذلك أذاعتْ المقطم أنَّ حديثًا تليفونيًّا كان بين القاهرة ووزيرنا المفوض في لندرة، فسكتت الحكومة ورئيسها أيامًا، حتى إذا كانت قصة الأهرام، دعا رئيس الوزراء إليه مندوب المقطم، وأنبأه بأنَّ هذا الحديث التليفوني لم يكُن، وكأنَّ الحكومة قد أشفقت من تكذيب المُقطم في بلاغ رَسْمِيٍّ رعاية للمقطم، أو رعاية لنفسها، فنفت خبر المقطم بشيء من الأدب رقيق رفيق، والذين قرءوا بلاغ الحكومة في تكذيب الأهرام أحسوا أيضًا أنَّ الحكومة كانت فيه رقيقة رفيقة؛ إشفاقًا من الأهرام، أو إشفاقًا عليها ورعاية للأهرام، أو رعاية لنفسها، فأَمَّا الذين قرءوا بلاغ الحكومة في تكذيب ما نشرته الجهاد، فقد رَأَوْا فيه ألفاظًا تدل على شيء من الغيظ والحنق، رأوا فيه ألفاظ الأسف والكذب والاختلاق.

والحكومات كغيرها من الجماعات، عرضة للغضب، وعرضة للغيظ، ولكنَّ الناسَ يُحِبُّون للحُكومات أنْ تَمْلِكَ نَفْسَها، وتَضْبِطَ عواطفها، وتصطنع الحِكْمَة والرِّفق فيما تَقُول، وتتجنب طائفة من الألفاظ لم تُخلق لها، ولا سيما حين تزعم لنفسها ما تزعمه حكومتنا، من أنها تُريد أنْ يجدَ الناس فيها الأُسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، فالحكومة تُسرف على نفسها إذن إسرافًا شديدًا، حين تندفع في إصدار البلاغات من غير حساب، وتمكن صحيفة كالأهرام من أن تحترم بلاغاتها، ولكِنَّها تَأْبَى تصديقها، ومن أن تتحداها وتُسرف في تَحَدِّيها. وهي تسرف على نفسها إسرافًا شديدًا، حين تعمد إلى الشتم والسَّبِّ في بلاغاتها الرَّسمية، وهي تزعم أنها إنما غيَّرت النظام، وتشددت في قوانين الصحف لتمنع الشتم والسب. والواقع أن الحكومة لم تكن موفَّقة أمس في بلاغها الرسمي، فبعض الصحف لا يزال يُصِرُّ على أن في الجو شيئًا ذا بال، وغيومًا مُخيفة لم يستطع هذا البلاغ أن يبدِّدَها، والناسُ جميعًا ضحكوا من هذه الشدة اللفظية على قوم، وهذا الابتسام والاستكانة لقوم آخرين.

وصحيفة الوزارة كالوزارة طبعًا، تسير مع الأهرام والمقطم سيرة النعام، فتذل وتستكين ولا تنقد إلا في لطف وأدب، تصطنعهما اصطناعًا، وتستعيرهما استعارة، فإذا عمدت إلى صحف المُعارضة استأسدت وأرسلت ألسنتها على سجيتها، فكان الشتم، وكان السباب. وظاهر أن أحدًا لا يحفل بما تغرق فيه صحيفة الوزارة من شتم وسبٍّ، وأن أحدًا لا يحفل بما تغرق فيه صحيفة الوزارة من ذلة واستكانة حين تعرض لبعض الصحف، ولكن في صحيفة الوزارة اليوم وَعِيدًا وتهديدًا لصحف المُعارضة، وفيها أيضًا إغراء وتحريض للوزارة، فهي تريد أن تَحمِل الحكومة على أن تصطنع العنف مع الصحف المعارضة، كأن الحكومة لم تصطنع مع هذه الصحف أقصى ما تستطيع من العنف والإحراج. وقد نحب أن نعلم: أصدعت صحيفة الوزارة في هذا الإغراء عن نفسها؟ أم صدعت فيه بأمر سادتها الوزراء؟ فإن تكن الأولى، فما أجدر هذه الصحيفة أن تغري الوزارة بنفسها، فهي غارقة في الإثم إلى أذنيها! تشتم فتُمعن في الشتم، وتسب فتغلو في السب، وتُكَذِّب فتغرق في الكذب، وتمضي فيه إلى أبعد الآماد! وإن تكن الثانية فما أجدر الوزارة أن تغري نفسها بصحفها هي، وأن تأمر بإقامة الدعوى على كُتَّابها الذين ينالون الأعراض، ويمَسُّون كرامة الناس، بما يُحَرِّمه القانون، في غير لبس ولا غموض! وما أجدرها أنْ تُغْرِي نفسها بهذه الصحف التي لم تتورَّع حتى عن إهانة القضاء، والنيل من ضمائر القضاة! ولعل الوزارة تذكر أن القُضَاة شَكَوْا من هذه الصحف، فلم تستمع لهم النيابة، ولم تمضِ في تحقيق شكواهم إلى غايتها الطبيعية!

ما أجدر الوزارة أن تصطنع الحرص فتقتصد في إصدار البلاغات الرسمية! وما أجدر الوزارة أن تصطنع الحِلم فلا تُسرف في الألفاظ التي لا تليق بالوزارة! ثم ما أجدر الوزارة أن تصطنع الشجاعة فلا تُوحي ولا تلهم! وإنما تُقدِم على ما تريد أن تُقدِم عليه من غير تحريض ولا إغراء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.